صفحات العالم

أمن وعسكر، ولا سياسة

حازم صاغيّة
بوجود صواريخ «سكود» في يد «حزب الله» أو بعدم وجودها، وبحرب بين إسرائيل وكلّ من سوريّة و«حزب الله» أو بغيابها، وبمواجهة أميركيّة أو إسرائيليّة مع إيران أو من دونها، تفتقر منطقة الشرق الأوسط إلى طرف يلمّ شتاتها ويحوّل تطوّراتها الأمنيّة، وربما العسكريّة، إلى وجهة سياسيّة.
فليس من المبالغة القول إنّ القوى المعنيّة بالأمر لا يملك أيّ منها خطّة للمستقبل، بل أدنى تصوّر عنه. يصحّ هذا خصوصاً في إسرائيل وفي قوى الممانعة التي تواجهها.
فالإسرائيليّون، منذ انهيار أوسلو ونشوب الانتفاضة الثانية، يتصرّفون كما لو أنّ الغد غير موجود: يستمرّون في التنكّر لحقوق الشعب الفلسطينيّ، عبر الجدار وقضم الأرض وسواهما. لكنّهم، فوق هذا، يتنكّرون لاحتمال السياسة أصلاً. والتنكّر هذا يمتدّ إلى أفق العلاقات الدوليّة، بحيث تسلك الدولة العبريّة سلوك مَن لا يعبأ البتّة بما يفكّره العالم وبما يراه. والتقدير هذا يكتسب أبعاداً أوضح حين يُعطف على تردّي الطاقم السياسيّ هناك، وعلى ضعف الإجماعات التي تقوم عليها حكومة بنيامين نتانياهو، وعلى إشارات الحيرة حيال الاستراتيجيّة العسكريّة، كما حيال الخيارات المعتَمدة حيال رام الله ودمشق وطهران، ناهيك عن الأزمة التي تضرب راهناً العلاقة بين تل أبيب وواشنطن.
والذين يقفون في مقابل إسرائيل ليسوا أفضل حالاً. فهم يمارسون «السياسة» يوماً بيوم، ملخّصينها إلى نشاط أمنيّ وعسكريّ بلا أفق سوى البقاء على قيد الحياة. وفي هذه الغضون، تبدو الأرض التي يقف عليها هؤلاء متشقّقة تحبل بتناقضات مؤهّلة لتفجير أصحابها وتفجير مجتمعاتهم معهم.
ولئن تجسّد أحد مكامن الضعف الإسرائيليّ في أنّ المنطقة دخلت طور «ما بعد» الحروب الكلاسيكيّة، فإنّ هذه الـ»ما بعد» هي نفسها مكمن ضعف الممانعين، وإن كانت مكمن قوّتهم أيضاً. ذاك أنّها لا تزال مفهوماً غامضاً يفتقر إلى التعريف، يستعيض عن هذا الافتقار بذاك الغموض المقيم في التعبير ذاته، تعبير «ما بعد».
وبين هذين الطرفين الأقصيين يوجد «اعتدال»، غير أنّه أضعف من أن يؤثّر ومن أن يشتقّ وجهة تنضوي فيها المنطقة وتيّار حركتها العريض. وضعف التأثير هذا هو، بالضبط، ما يفسّر ظاهرات أخرى ربّما كان أهمّها انتفاخ «الدور» التركيّ، قبل أن تتّضح تماماً ما هي طبيعة هذا «الدور» وما حدوده.
في موازاة هذه الخيوط المقطّعة، هل يستطيع باراك أوباما استخلاص وجهة تتحصّل من الجمع بين الضغط على إسرائيل والضغط على إيران؟. وفي هذه الحال، ما الذي سيكون عليه اليوم التالي على الضغطين وعلى النجاح فيهما؟. السؤالان هذان، وإن كانا في محلّهما، إلاّ أنّ الإشارات المتوافرة على جوابيهما لا تزال قليلة جدّاً وتكهّنيّة كثيراً. وفي هذه الغضون، سيبقى الحدث، حدثنا، أمنيّاً، وربّما عسكريّاً أيضاً، وفي الأغلب تدميريّاً محضاً. غير أنّه لن يرقى إلى حدث سياسيّ، ناهيك عن أن يكون تاريخيّاً. وهذا ما يترك العفن، فضلاً عن الموت المعمّم والخوف الساطع، أفقاً وحيداً أمام منطقة معذّبة.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى