التفاوض السوري الإسرائيلي

المطلوب أكثر من خطيئة السادات وفوق قدرة سورية علي الدفع

null

هل يعيد التاريخ نفسه في سورية لا في مصر هذه المرة؟

هل يعود الجولان لسورية بذات الطريقة التي عادت بها سيناء لمصر؟ سيناء عادت لمصر علي طريقة الذي أعادوا له قدما وأخذوا عينيه، عادت سيناء منزوعة السيادة عمليا، عادت منزوعة السلاح في غالبها، وبنقاط تفتيش وإنذار مبكر، وقوات أمريكية، وبنزع كامل للسلاح في شرق سيناء، وبكتائب حرس حدود فقط في قلبها الاستراتيجي، وبحجز القوات المصرية شرق قناة السويس، ثم لحقت المعونة الأمريكية وشروطها بقيود كامب ديفيد، وامتدت بنزع سيادة السلاح في سيناء إلي نزع سيادة القرار في القاهرة، وانتقل النظام من خطأ الخضوع لأمريكا إلي خطيئة التحالف مع إسرائيل، فهل تتكرر القصة ذاتها في مرتفعات الجولان؟ والقصة هنا أعقد بما لا يقاس إلي الأوضاع في سيناء وفي مصر كلها.

قبل ثلاثين سنة وأكثر، وحين فكر السادات في مخاطرة الذهاب إلي القدس، ذهب إلي شريكه في الحرب حافظ الأسد، وعرض عليه الأمر، وقتها فوجئ الأسد، وشعر بمرارة التخلي، واستطاع بصعوبة التخلص من نصائح معاونيه في قيادة حزب البعث، فقد نصحوا وقتها باعتقال السادات في دمشق، ورفض الأسد، ولم يكن من اختيار آخر، فقد كان الرجل غاية في هدوء الأعصاب واتزان التصرفات (الخارجية طبعا)، وكان مدركا لقيمة مصر، وعارفا بأن السادات ـ أيا ما كانت سيرته ـ هو رئيس مصر التي لا يصح المساس بقيمتها الرمزية الكبري، ورفض اقتراح رجاله الأخرق، ورفض خطة السادات في الوقت نفسه.

واليوم، يبدو بشار الأسد ـ خليفة وابن حافظ الأسد ـ متعجلا في الذهاب إلي القدس عن طريق أنقرة، ومستعدا لاقتفاء خطي السادات في الجولان هذه المرة، وبثمن لا يبدو نظامه قادرا علي تحمله، فليس المعروض ـ فقط ـ نزعا لسلاح الجولان علي طريقة ما جري في سيناء، ومحطة إنذار مبكر علي قمة جبل الشيخ، بل وإضافة مصادر المياه في الجولان إلي خزينة إسرائيل، وتبادل الاعتراف وعلاقات التطبيع الدبلوماسي والاقتصادي الشامل، وهذه ليست كل التكلفة، فالمطلوب أكبر من مجرد تكرار خطيئة السادات، المطلوب فوق مقدرة سورية علي الدفع.

أما لماذا لا تستطيع سورية دفع ثمن السادات، فالسبب واضح، فسورية في خرائط جغرافيا وتاريخ مختلف بالجملة، القاهرة علي بعد مئات الكيلومترات من خط الحدود، بينما دمشق علي مرمي مدفع من بحيرة طبرية، والكتلة السكانية الغالبة في مصر محجوزة بالوادي، فيما تبدو سيناء حاجزا صحراويا ممتدا، والتكوين السكاني المصري غاية في التجانس، وفي وضع ملموم من حول النيل، بينما تبدو خرائط سورية فسيفسائية قلقة، فيها سنة ودروز وعلويون ومسيحيون، وحكم موزع بين دعاويه القومية وأساسه الطائفي العلوي، وامتدادات للطوائف ذاتها عبر الحدود إلي لبنان بل وإلي فلسطين المحتلة، وهذه خرائط جغرافيا سياسية تثير القلق.

وهذه الحقائق يعرفها النظام السوري بالطبع، ويعرف أن ليس بوسعه تحمل مضاعفات اتفاق في الجولان علي طريقة السادات، ويتفاوض غالبا لمجرد التفاوض وتفكيك الضغوط، ويستبعد بشار الأسد ـ بحسب تصريحات منشورة ـ إمكان إبرام اتفاق مع إسرائيل حتي رحيل بوش عن البيت الأبيض، وهذا صحيح تماما، وتؤيده إسرائيل، يؤيده إيهود باراك الساعي لخلافة أولمرت، ولا يتوقع اتفاقا هذا العام، وإن كنا نعتقد أن الاتفاق ليس واردا في هذا العام ولا في الذي يليه، وربما بانتظار استحقاقات لحروب واردة.

فليست القصة في وديعة رابين التي كان الرئيس الراحل حافظ الأسد يتحدث عنها كثيرا، ولا في وديعة أولمرت التي يتحدث عنها بشار، وخلاصة الوديعتين ـ كما هو معروف ـ وعد إسرائيل من حيث المبدأ بانسحاب من الجولان، وهو ما حرص باراك ـ وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي ـ علي نفيه في تصريحات صحافية قريبة، لكن سورية وإسرائيل تواصلان ـ مع ذلك ـ خط المفاوضات، وربما مع فارق ذكره باراك، فهو يقول ان إسرائيل تريد المفاوضات مباشرة وسرية، بينما سورية ـ بحسب قوله ـ تريد مفاوضات غير مباشرة وتجري في العلن، والفرق بين الموقفين واضح المعني، وربما ما يجمع الموقفين هو الرغبة الظاهرة في اتصال التفاوض، وإن كنا لا نعتقد أن التفاوض مرشح لنجاح قريب، فليس لدي إسرائيل ـ في المدي المنظور ـ استعداد لانسحاب من الجولان، والسبب مرئي، فليس ثمة ضغط عسكري من سورية الآن ولا من قبل، وليس ثمة ضغط سياسي من البيت الأبيض، ثم ان الخرائط الداخلية في إسرائيل تبدو قلقة، وليس من زعيم أو قائد بوسعه اتخاذ قرار أساسي، فأولمرت ـ المهزوز بطبعه ـ يمضي أيامه الأخيرة في رئاسة الوزراء، والمتصارعون من حوله في حزب كاديما يتعجلون خلافته، تسيبي ليفني ـ جاسوسة الموساد ـ تحلم بتكرار سيرة غولدا مائير، ومع فوائض سحر نسائي لصالح ليفني بالطبع، والجنرال شاؤول موفاز يسعي لكسب رئاسة كاديما ، ويمد الجسور إلي أحزاب اليمين الديني، ويتصور أن بوسعه تجنب انتخابات مبكرة قد يفوز بها بنيامين نتنياهو المتربص بالجميع، ثم ان تكوين الكنيست ـ الحالي والمتوقع ـ يميل إلي التشدد في قصة الجولان بالذات، واشتراط موافقة الثلثين علي أي قرار في الجولان، والمحصلة: أنه لا أحد في إسرائيل ـ الآن ـ قادر علي وراثة دور شارون الغائب في غيبوبة أبدية، وأنه لا توجد ـ في الحال ولا في الاستقبال ـ قيادة إسرائيلية قادرة علي التقدم بالمفاوضات مع سورية إلي نهايتها، وربما لذلك يتسع المجال لاقتراحات عبث لا نهائي، ومن نوع اقتراح الجلاء عن الجولان ـ في حــــــال الاتفاق ـ في مدة تتـــراوح بين عشر سنوات وخمسة عشر عاما، وهو ما يعني أن القصة كلها مبنية للمجهول.

وربما تبدو فكرة رهن أو حجز الجولان أقرب للنظر في إسرائيل، فإسرائيل تتعامل مع الجولان كورقة ضغط لابتزاز السياسة السورية، وهذا بالضبط ما يوافق عليه البيت الأبيض، فليس المقصود ـ فقط ـ دفع سورية إلي دفع الثمن الذي دفعته مصر من قبل، ورغم أن هذا الثمن بذاته فوق مقدرة سورية علي التحمل كيانا ونظاما، لكن المقصود قبلها ـ بورقة التفاوض ـ تفكيك الموقف السوري، وإزاحته كعقبة من طريق الصدام مع الأعداء ذوي الأولوية، فقد لا يبدو النظام السوري ـ في ذاته ـ شيئا مقلقا لإسرائيل، بل سياسته الراهنة هي المقلقة لها، وبالذات حرصه علي علاقات نشطة مع إيران، وعلي تواصل الود وخطوط الإمداد مع حزب الله في لبنان، وعلي استضافة رموز من حماس و الجهاد الإسلامي في دمشق، فتل أبيب تريد من دمشق ـ ببساطة ـ أن تدفع الثمن دون تسلم البضاعة، وربما بغير نية في تسليم البضاعة من الأصل، وربما لا تجد إسرائيل نفسها وحيدة في هذه الرغبة، فالضغط الأمريكي ظاهر إلي جوارها، والدعم الأمريكي كان حماسيا لقصف موقع دير الزور قبل شهور، وإلي حد تهديد سورية بشن حملة ضدها وبدعوي المخالفة النووية، وثمة عواصم عربية ـ إلي جوار واشنطن وتل أبيب ـ تبدو مستعدة للمشاركة بدور، وأولها ـ بالطبع ـ تلك العواصم المنضمة لتحالف سياسي مع أمريكا وإسرائيل ضد إيران، فالقاهرة تبدو مستعدة لوصل الجسور المقطوعة مع دمشق، وتشجيع خيار التخلي عن إيران وحزب الله، والرياض عند عتبة الباب، وقد تحولت عداوتها مع سلاح حزب الله إلي صدام ثأري يكلفها مليارات الدولارات، وقد بذلت القاهرة ودمشق وعمان ـ بضوء أمريكي أخضر ـ جهودا لعزل دمشق، والامتناع عن الذهاب إلي قمة يترأسها بشار الأسد، وفي سياق عملية معقدة تستهدف خض ورج الموقف السوري، بينما تبدو السياسة السورية علي قدر ملحوظ من الحذر، لا تريد أن تفرط بسهولة في أوراقها، وتريد التطبيع مع البيت الأبيض في الوقت نفسه، وتجنب الدعم الأمريكي الصريح لمعارضة الخارج الممولة سعوديا، وبالجملة: تريد السياسة السورية نوعا من التوفيق الحذر لأوضاعها، وربما يكون التفاوض ـ مجرد التفاوض ـ مع إسرائيل وسيلة لتجنب حرب لا تحتملها تركيبة النظام السوري، بينما لا تبدو دمشق مستعدة لتحمل ضرائب السير في الشوط لآخره، فثمة فرق ظاهر بينها وبين حلفائها الحاليين، فحلفاء سورية لن تتأثر أدوارهم كثيرا لو تخلت سورية، فإذا فقدت إيران ورقة سورية فلديها تلال من الأوراق، وحزب الله بلغ حدا من القوة قد لا يؤثر فيه كثيرا فتور العلاقة مع دمشق، و حماس و الجهاد الإسلامي موجودتان بمراكز الثقل المؤثر في فلسطين لا في دمشق، إذن فخسائر الآخرين في الحد الأدني، وخسائر دمشق في الحد الأقصي.

ونظن أن بشار الأسد علي قدر من حصافة السلوك بحيث لا يفعلها، أو هكذا نفضل.

كاتب من مصر
القدس العربي


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى