التفاوض السوري الإسرائيلي

مفاوضات تبدو ساخنة.. لكنها سراب في الصحراء

null


صلاح الدين حافظ

منذ أن بدأت سخونة هذا الصيف تهب علينا، بدأت حمى المفاوضات تسري في المشرق العربي على الأقل، موحية بأن حركة ما قد حدثت في المياه الراكدة.

مفاوضات ومفاوضات ثم مفاوضات، بين الفلسطينيين و”إسرائيل”، وبين سوريا و”إسرائيل” بوساطة تركية، ومفاوضات مصرية “إسرائيلية” هدفها تبريد الالتهاب وتهدئة الصراع وفك الحصار حول غزة، التي تحكمها حركة حماس منذ عام، ثم مفاوضات أمريكية عراقية لعقد معاهدة سياسية أمنية تنظم الوجود العسكري الأمريكي المستقبلي في العراق.

تفاءل كثيرون بأن هذه المفاوضات المركبة، أو بعضها على الأقل، ستحدث تغيرات دراماتيكية في المنطقة خلال هذا الصيف الملتهب.. لكننا نقف على الشاطئ الآخر من النهر، تجاه العناصر الرئيسية للنجاح أو التقدم بإيجابية، فمازال صيد السمك من النهر أملا بعيدا بحكم الواقع.

أمامنا ثلاثة أطراف رئيسية تنخرط في هذه المفاوضات، هي “إسرائيل” وأمريكا والعرب من سوريا إلى الفلسطينيين إلى العراق، الطرفان الأولان لا يريدان تفاوضا يؤدي إلى نتائج محددة ولا يوصل إلى تسوية سلمية حقيقية الآن على الأقل، أما الطرف الثالث، العرب، فهو غير قادر على فرض إرادته، ولا يملك أوراق الضغط المؤثرة لإجبار الطرفين الآخرين على الاشتباك في مفاوضات تؤدي إلى نتائج، إذن فنحن في مواجهة لوحة عبثية، حيث الكل يناور على الكل ويخدع الكل، بادعاء أنه جاهز للتفاوض، ما أشاع جواً من التفاؤل الكاذب في الصيف اللاهب.

بالأمس القريب خرج محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، أحد أركان معسكر الاعتدال والداعي للتفاوض مع “إسرائيل”، ليقول بأسى إن كل مفاوضاتنا مع “إسرائيل” قد انتهت بالفشل، فالفجوة واسعة، بين ما يسعى إليه الفلسطينيون وبين ما تضمره “إسرائيل“.

لقد صدّق الفلسطينيون، ومعهم العرب، وعد الرئيس الأمريكي الغاربة شمسه جورج بوش بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب “إسرائيل”، قبل نهاية عهده آخر عام ،2008 فانخرطوا في مفاوضات مع “إسرائيل” ثبت الآن عدم جدواها، فنطق الرجل الصامت بأسا وعجزا وإحباطا.

والحقيقة أن “إسرائيل” بقيادة الفاسد المطارد بالتحقيقات إيهود أولمرت، تريد من هذه المفاوضات استهلاك الوقت واستنزاف الجهد، حتى تكمل المشروع الصهيوني بتهويد القدس كلية، وبتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية وحشرها بالمستوطنين، وبتمويت حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهي تمضي عمليا في ذلك إلى آخر المدى محمية بالضمانات الأمريكية السافرة، بينما تكتفي بقبلات صفراء زائفة من أولمرت لعباس كلما التقيا، وقد التقيا كثيرا من دون نتيجة.

***

هذا الفشل أدى إلى نتيجته على الجانب الفلسطيني، أولا إحباط عباس وشركائه من معسكر الاعتدال، وثانيا تقوية حجة حكومة حماس في غزة المتمسكة بالمقاومة المسلحة الرافضة لمثل هذا التفاوض.

هكذا نرى أننا أمام رئيسين محبطين يتفاوضان على تدعيم سيكولوجية الإحباط والفشل، بينما الوقت يتسرب من بين أيديهما. أولمرت يواجه تهما شنيعة بالرشوة والفساد، ستطيح به قريبا، وعباس يواجه استحقاق الانتخابات الرئاسية الجديدة في مطالع العام المقبل، فضلا عن تحدي حماس له، بينما راعيهما الرئيس الثالث بوش الأمريكي بدأ سلم النزول من السلطة ليسلمها حتما في يناير المقبل.. إنها لحظات غروب لهم جميعا ولمفاوضاتهم العبثية التي أضاعت الوقت والجهد.

وفي اعتقادنا أن الموقف لا يختلف كثيرا في المفاوضات السورية “الإسرائيلية”، الجارية بوساطة تركية، والتي تصور البعض أنها هي دون سواها التي ستحدث تغييرا دراماتيكيا في المنطقة خلال هذا الصيف، بسلام سوري “إسرائيلي” يعيد الجولان إلى حضن الوطن، بعد احتلال تعدى الأربعين عاما، عاشها في ثلاجة باردة تنافس جليد جبل الشيخ بعمامته البيضاء، حيث لا حرب ولا مقاومة ولا رصاصة حتى بطريق الخطأ، هكذا التزم الطرفان.

إن هذه المفاوضات نموذج لاستراتيجية الهروب إلى الأمام في هذه الأوقات العصيبة بالمنطقة، فرارا من أزمات خانقة داخليا وإقليميا ودوليا، بينما أوراق التفاوض في أيدي المتفاوضين ضعيفة، ونية الطرف “الإسرائيلي” في التوصل إلى سلام حقيقي غير متوافرة، لأن حكومة أولمرت لا تستطيع الإقدام على هذه الخطوة الاستراتيجية في ظل موقفها الراهن، ولا تملك الشرعية اللازمة، كما أنها لا تملك التأييد الشعبي اللازم، حيث أظهر استطلاع حديث للرأي أن 60 في المائة من “الإسرائيليين” يرفضون مجرد فكرة الانسحاب من الجولان السورية.

إذن لماذا دخلت “إسرائيل” في هذه المفاوضات مع سوريا برعاية تركية؟.. والإجابة واضحة، تكمن أولا في محاولة أولمرت التغطية على موقفه الداخلي الضعيف، في ظل اتهامه بالرشوة وتعرضه للسقوط، وثانيا في محاولة استدراج سوريا لكي تنفصل عن تحالفها الاستراتيجي مع إيران وتخليها عن نهج الممانعة ودعم المقاومة وحزب الله وحركة حماس، وثالثا تحريك التفاوض النظري على المسار السوري، للضغط على الفلسطينيين حتى يسارعوا بتقديم مزيد من التنازلات، وهذه مناورة طالما مارستها حكومات “إسرائيل” فخدعت العرب على الدوام بالتنقل بين المسارات.

فهل تدرك سوريا بكل دهاء سياستها وساستها، هذه الخدعة، أم أنها تريد دخول الفخ طائعة؟!

الحقيقة أن أوضح التحليلات تقول، إن دمشق صاحبة الممانعة وداعمة المقاومة، تخضع حتما لضغوط داخلية، بسبب ترك الجولان محتلا لأكثر من أربعين عاما، بلا مقاومة لتحريره وبلا مفاوضة لاسترجاعه، لذلك قبلت الوساطة التركية للتفاوض مع “إسرائيل”، لعلها تستطيع انتزاع الجولان من رئيس وزراء “إسرائيلي” ضعيف مثل أولمرت، وبالمثل للظهور بمظهر المعتدل القابل للتفاوض، وليس فقط المصر على الحرب والمقاومة طريقا للتحرير، في وقت تزداد من حوله وحولها الاتهامات الأمريكية بدعم الإرهاب وبالدخول في محور الشر تحالفا مع إيران المطاردة.

ثم أرادت دمشق من علانية التفاوض مع “إسرائيل” أن تخترق الحصار الأمريكي، والعزلة العربية المفروضة عليها على الأقل من حلفاء أمريكا في المنطقة، إما لتؤكد أنها مع الاعتدال والتفاوض، وإما لتتحدى محور الاعتدال في صميم اعتداله، وخصوصا بعدما قدمت عربون اعتدالها مؤخرا، بتسهيل اتفاق الدوحة الشهر الماضي، بين الفرقاء اللبنانيين، ومن دون موافقتها مع إيران، لما تم الاتفاق كما يعرف الجميع.

***

يلفت النظر بقوة أن الرئيس السوري بشار الأسد، المتهم أمريكيا بدعم الإرهاب وعرقلة السلام سواء في فلسطين أو العراق، هو نفسه الذي أعلن قبل أيام ضرورة استدعاء الوسيط الأمريكي لرعاية المفاوضات السورية “الإسرائيلية” وضمانها. ولم يكن ذلك إلا تعبيرا عن حقيقة إدراك وثقته بأن مثل هذه المفاوضات، لن تنجح إلا بدور أمريكي نشط وجاد وراغب في التوصل إلى تسوية، وإلا تأكيدا لإدراكه أن الوسيط التركي لا يملك أدوات التأثير القوي كالوسيط الأمريكي، كما أن “إسرائيل” لن توافق على سلام دون الضمانة والحضور الأمريكي!

يلفت النظر أيضا أنه بقدر الغياب القسري للدوري المصري والعربي عن هذه المفاوضات السورية “الإسرائيلية”، بقدر الغياب الإرادي للدور الأمريكي المطلوب سورياً و”إسرائيلياً” وعربياً. لقد تغيب الدور الأمريكي بإرادته لأنه يدرك من البداية أن هذه المفاوضات عبثية وغير جادة، تحمل مناورة من الطرفين، مثلما تحمل خداعاً “إسرائيلياً” حقيقياً، وتغيب لأنه يصر على محاصرة سوريا ومطاردتها بتهمة دعم الإرهاب، حتى تتخلى عن المقاومة، وتسهل الأمور في العراق وتطرد المنظمات الفلسطينية الراديكالية.. والأهم تفك تحالفها الاستراتيجي مع إيران، المطلوب رأسها قبل الآخرين بتهمة صناعة قنبلة نووية!

يلفت النظر ثالثا، هذا التجاهل العربي الشامل لما يجري بين سوريا وكل من “إسرائيل” وأمريكا، تفاوضاً وتصادماً.. فلا القوى العربية الرئيسية تقدمت للمساعدة، ولا سوريا اجتهدت في إنهاء خلافاتها مع هذه القوى العربية، لتضمن مساندتها، بينما هذا واجب ضروري عليها الآن باعتبارها رئيسة القمة العربية حتى مارس/ آذار المقبل على الأقل.

والخلاصة.. مفاوضات تبدأ وأخرى تتعثر في صيف لاهب، لكنها مفاوضات عاجزة، لأن القدرة والرغبة المزدوجة لتحقيق سلام حقيقي غير موجودة وغير صادقة، ولأن الثمن “الإسرائيلي” المطلوب من جانب سوريا ثقيل، كما أن الثمن السوري المطلوب من جانب “إسرائيل” صعب.. الفجوة واسعة هنا باتساع الفجوة بين الفلسطينيين و”إسرائيل”، والوسيط المؤثر غائب عربياً وأمريكياً ودولياً، ولأن ظروف التسوية لم تنضج بعد، اللهم إلا إذا حدث انقلاب دراماتيكي خارج نطاق التحليل الموضوعي.

***

آخر الكلام: يقول أبو فراس الحمداني:

ذُدت الأسودَ عن الفرائس ثم تفرسني الضبا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى