صفحات العالم

اتفاقية أمنية أم احتلال طويل الأجل؟

null
عبد الزهرة الركابي
خلال زيارته الأخيرة للأردن قال نوري المالكي في جمع من العراقيين انتقته السفارة العراقية في عمان، ان المفاوضات بشأن الاتفاقية الأمنية بين العراق واميركا قد وصلت الى طريق مسدود، لكنه استدرك بالقول ستستمر المفاوضات حتى يتمكن الطرفان من الوصول الى اتفاق مقبول بشأنها، ومن هذا الاستدراك يكون المالكي قد وقع في مطب التناقض على نحو مكشوف!
لذلك، فإن الاحتلال الاميركي للعراق قد عمد من وراء التسريبات بشأن بنود هذه الاتفاقية لوسائل الإعلام الى تحقيق غرضين: الأول تخفيف وطأة المعارضة الشعبية والالتفاف عليها من خلال إظهار بعض توابع الاحتلال والقوى المشاركة في العملية السياسية، بمظهر الممانع والمعارض لها مثلما يبدو في موقفي طارق الهاشمي وعبد العزيز الحكيم الاستعراضيين، والآخر الإدعاء من قبل هذا البعض إنه يعمل على تعديلها وفقا للأسس الوطنية، وهو ما يعني تمرير هذه المعاهدة في فترة لاحقة، وان توابع الاحتلال ماضون في إعداد هذه الطبخة مثلما يبدو، والدليل ان الشيخ حميد معلة القيادي في المجلس الإسلامي الاعلى في تصريح خاص لوسائل الإعلام قال، ان جميع الخيارات مفتوحة امام الحكومة بشان الاتفاقية الامنية مع الولايات المتحدة، وان هذه الخيارات قابلة للنقاش بروح ايجابية من اجل الوصول الى توافقات تراعي مصالح الشعب العراقي.
بينما انتقد رئيس لجنة الامن والدفاع في مجلس النواب هادي العامري الذي هو في نفس الوقت رئيس ميليشيا (فيلق بدر) الجناح العسكري للمجلس الإسلامي الأعلى، ما أسماه (التهويل الاعلامي) لبعض الفضائيات بشأن مشروع اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة ومحاولتها تسييس الموقف ضد الحكومة العراقية.
وقال العامري ان مشروع الاتفاق قيد البحث بين الجانبين العراقي والاميركي، زاعما ان العراق اشترط جملة اسس لا بد ان ترتكز عليها الاتفاقية في صيغتها النهائية وفي مقدمتها السيادة الوطنية واخراج العراق من اجراءات البند السابع لميثاق الامم المتحدة ومساهمة الاتفاق في ارساء الاستقرار والامن الاقليمي وعدم تهديد دول الجوار.
وعلى هذا المنحى كشف النائب عن جبهة التوافق حسين الفلوجي عن عزم البرلمان استضافة وزير الخارجية هوشيار زيباري ولجنة التفاوض الحكومية، في جلسة خاصة، لتوضيح تفاصيل المفاوضات العراقية – الاميركية بشأن الاتفاقية، في حين أكد رئيس الجمهورية جلال الطالباني أهمية الاتفاقية الأمنية طويلة المدى مع الولايات المتحدة، لما لها من أثر في مساعدة العراق في الخروج من تحت طائلة البند السابع من قرارات مجلس الأمن الدولي، لأنها تحول دون السيطرة على موارد العراق النفطية، حسب قوله، ويدعي الطالباني في حديثه مع وسائل الإعلام، ان هذه الاتفاقية تهدف إلى أن تكون هي المخرج لتخليص العراق من تبعات الاحتلال واستعادة استكمال العراق، واستعادة سيطرة العراق على ثروته الوطنية.
واللافت والمكشوف في آن، هو ان الطالباني يحاول إيهامنا بأن العراق يقع تحت رحمة مجلس الأمن من خلال البند السابع وليس تحت رحمة الإحتلال الاميركي المباشر، كما لا ننسى أو تكون ذاكرتنا ضعيفة، أن البند السابع هو بالأصل من ضمن العقويات التي اقترحتها اميركا على العراق وتبناها أعضاء مجلس الأمن في حمى الجري واللهاث وراء السياسة الاميركية، وبالتالي ووفقا لطرح الطالباني لم يعد أمام العراق من منقذ ومخرج سوى الإرتماء في حضن احتلال بعيد المدى قد يكون بلبوس مدني، ومن خلال معاهدة احتلال ووصاية يعقدها مع اميركا التي تحتله أصلا!، والأخيرة تعمل على شرعنة احتلالها وإضفاء عليه الرغبة العراقية، من خلال الإدعاء ان العراقيين اتفقوا معها على مثل هذا الإحتلال.
ولو عدنا الى مؤتمر العهد الدولي حول العراق والذي عُقد في استوكهولم العاصمة السويدية خلال الفترة الأخيرة، فإن أبرز دولتين مجاورتين للعراق من الدول المعنية بإطفاء ديون العراق شاركت في المؤتمر بتمثيل متدن، مما يعني عدم جديتهما في إلغاء هذه الديون، على الرغم من الحض الاميركي، حيث أكدت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، ان المؤتمر يشكل فرصة لمراجعة الالتزامات التي قطعت والتي قال بعضهم ان من المستحيل تنفيذها بسبب الوضع الامني، من دون ان تذكر أي دولة بالاسم، وهو أمر يؤكد على ان المؤتمر المذكور لم يختلف عن المؤتمرات التي سبقته في هذا السياق، بعدما ظلت القرارات الصادرة في هذه المؤتمرات حبرا على ورق، ومع ذلك فإن مصادر حكومة المالكي تحاول أن تشي بعكس هذا الواقع عندما قالت عن المؤتمر الأخير، من أنه خرج بنتائج مهمة على صعيد الالتزامات الدولية بدعم العراق سياسيا واقتصاديا وأمنياً.
هذا وقد أفردت صحيفة الواشنطن بوست الاميركية تقريرا بخصوص موضوعنا هذا، قالت فيه : يواجه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي معارضة متزايدة لجهوده في التفاوض حول اتفاقية امنية ستحدد كم ستبقى القوات والقواعد الاميركية في العراق، والتي يستطيع الجيش الاميركي القيام بالاعتقالات والعمليات العسكرية وفيما اذا كانت ستستمر الحصانة التي يتمتع بها في العراق.
ويبدي بعض الاعضاء القياديين في التحالف الشيعي الكردي والذين يكونون الاساس العميق لحكومة المالكي، تحفظات في الموافقة على الاتفاقية الامنية الجديدة قبل ان يجري العراق انتخابات محلية في وقت لاحق من هذه السنة، خشية الظهور امام المصوتين العراقيين بانهم يتذمرون كثيرا حول المطالب الاميركية، حيث انتقد الالاف من الشيعة الموالين للصدر والذين كانوا في وقت ما موالين للمالكي، المفاوضات حول الاتفاقية، وطالبوا بان يرفض المالكي اي شيء يسمح بوجود عسكري اميركي طويل الامد في العراق.
وبحسب الواشنطن بوست، هناك الكثير من السياسيين العراقيين الذين يدعمون المفاوضات، ومنهم قادة سنة يرون بان الوجود العسكري الاميركي يعتبر متراسا مما يخافون منه بكونه محاولة من القادة الشيعة المسنودين من ايران لتجديد الخلاف الطائفي على بغداد والمناطق المختلطة حول العاصمة.
وأضافت الصحيفة الاميركية، وفي هذا السياق قال احد المسؤولين الاميركيين في بغداد بان العراقيين يبدون بأنهم غير راغبين بتقديم اية تنازلات قبل الانتخابات المحلية التي ستجري في تشرين الاول أكتوبر المقبل، لتجنب الظهور امام المصوتين العراقيين، بانهم مجاملون جدا للاحتلال الاميركي، وقال ذلك المسؤول : انهم يلعبون لعبة كرة صعبة الان.
وعلى كل حال، ان التقرير الأنف يعطي صورة جلية عما ستؤول إليه هذه الطبخة، على الرغم من أن المعلومات الدقيقة عن ماهية الإتفاقية ليست متوافرة على النحو المكشوف خصوصا وإنها لم تُنجز رسميا، لكننا لا نحتاج الى جهد عسير لكي نكتشف أغراضها المريبة ولاسيما التي تتعلق ببقاء قواعد مزروعة في مناطق العراق الإستراتيجية تحت لافتة التبرير ومن خلال الإشارة الى نموذجي ألمانيا واليابان، وكذلك التمسح بمقولة ان مثل هذه القواعد موجودة في عدد من الدول العربية، ومع ذلك لم يقل أحد إنها دول محتلة!
([) كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى