صفحات سورية

سوريا هل يمكن أن تصبح قوّة للسلام ؟

null
جون هيوز
بعد عداء مستمرّ منذ عقود، يتلمّس الإسرائيليون والفلسطينيون طريقهم، بإلحاح من الولايات المتحدة، عبر محادثات تهدف للتوصّل إلى سلام هارب مثل سراب في الصحراء. الهدف هو توفير الأمن لإسرائيل ومنح الفلسطينيين دولة، ضمن حدود لم تُحدَّد ولم يتم الاتفاق عليها بعد.
لسخرية القدر، قد يكون عنصر المفاجأة في هذا كله الدولة التي لا تجلس حتّى إلى طاولة المفاوضات: سوريا.
لا تستطيع إسرائيل أن تطمئنّ إلى أمنها ما دامت سوريا: (1) تواصل دعمها، بما في ذلك من خلال السلاح، للتنظيمَين القتاليين “حماس” و”حزب الله”، (2) تسمح بتدفّق الجهاديين والمتفجّرات إلى العراق، و(3) تبقي على قربها من طهران التي قد تكون على وشك صنع قنبلة نووية وتُظهر نزعة قتالية في موقفها من إسرائيل.
ويجب أيضاً تسوية مشكلة مرتفعات الجولان. يضمّ الجولان الذي استولت عليه إسرائيل من سوريا في حرب الايام الستة عام 1967، نحو 2000 مستوطن إسرائيلي الآن. إذا أعيد إلى سوريا، فسوف يصبح بإمكان نظام غير صديق في دمشق أن يُطلق قذائف مدفعية وصواريخ قاتلة في اتّجاه شمال إسرائيل بكامله.
مبهم جداً، سوري جداً
لكنّ تصرّف سوريا الأخير مبهم جداً، أو بالأحرى سوري جداً، فهو يتماشى مع تاريخ البلاد الطويل في إرساء توازن بين التحالفات المختلفة.
ففي حين تواصل سوريا دعمها لبعض أسوأ الفاعلين في الشرق الأوسط، تكبح تأثير المحافظين المسلمين وأنماط العيش الإسلامية في الداخل، وتوافق على المبادرات الإنسانية والثقافية، حتى تلك التي تصدر عن الولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، تدعم زوجة الرئيس بشار الأسد التي تلقّت تحصيلها العلمي في الغرب، التحديث بهدوء، حتى إنها تهمس بنشر الديموقراطية ولو في المدى الطويل.
حتى الآن قاومت سوريا، في سياستها الخارجية، محاولات إدارة أوباما لـ”إشراكها” بفاعلية، كجزء من انفتاح الرئيس الأميركي على العالم العربي. أقرّ أوباما أن بعض جوانب السلوك السوري لا تزال تثير القلق، لكنّه يعتبر أنّه على الرغم من ذلك، بإمكان سوريا أن تكون بنّاءة ومفيدة في نواحٍ عدّة بالنسبة إلى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. في هذه الأثناء، عملت سوريا على رأب علاقتها بالسعودية التي غضب ملكها عبدالله من قرب الرئيس الأسد من إيران. توجّه الزعيمان معاً إلى بيروت في تموز الماضي لتهدئة المخاوف اللبنانية حيال مزيد من التدخّل السوري – فلسوريا تاريخ من محاولات فرض سيطرتها هناك.
اتّهم لبنانيون كثر سوريا بالتورّط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، في حدث هزّ البلاد وأثار احتجاجات واسعة ضد سوريا. ابن رفيق الحريري، سعد، هو الآن رئيس للوزراء. وقد حمّل دمشق في البداية مسؤولية قتل والده. لكن في تراجع مثير للذهول، سحب الاتّهام في الآونة الأخيرة، وقال إنّه يجب أن ينتظر لبنان ما تتوصّل إليه المحكمة الدولية التي تحقّق في الاغتيال.
تغييرات في الداخل
فيما يقود الأسد هذه العلاقات الدولية المعقّدة إلى حد ما، كما فعل والده، الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، التغيير جارٍ على قدم وساق في الداخل.
أوردت صحيفة “نيويورك تايمز” أنّ خطوات اتُّخِذت في الآونة الأخيرة لكبح تأثير المحافظين المسلمين في المساجد والجامعات العامة والأعمال الخيرية. وطُلِب من حركة نسائية مسلمة نافذة الحد من تعليم الشريعة الإسلامية. ونُقِلت أكثر من ألف معلّمة يرتدين الحجاب الإسلامي التقليدي إلى وظائف إدارية. قال مسؤولون لـ”نيويورك تايمز” إنّ هذه الخطوة تهدف إلى تأكيد “العلمانية التقليدية” لسوريا في وجه التهديدات الصاعدة من المجموعات الراديكالية في المنطقة.
تَظهر منظّمات غير حكومية تحمل بوضوح بصمة السيدة الأولى في سوريا، وتنخرط في الأعمال الإنسانية. ولم تُثنَ المنظّمات الأميركية غير الربحية عن العمل هناك. يبدو أن هذا يجيز درجة جديدة من النشاطوية العامة الحذرة شرط أن تبقى هذه المنظّمات بعيدة عن السياسة وتنأى بنفسها عن التصادم مع نظام سلطوي مستمر. إذا كانت هذه الخطوات الحذرة مؤشراً على قطع شوط أو شوطَين نحو الحداثة وبعيداً من ماضي العزلة السورية، فهي لا تحمل معها إلاّ كل ما هو جيّد. وإذا كانت تعني أن سوريا، القلقة، وأخيراً من حجم التطرّف والعنف في المنطقة، تحوّل تأثيرها نحو ما يصبّ في مصلحة السلام، فسوف يكون ذلك رائعاً.
(رئيس تحرير سابق وكاتب عمود خاص
في “كريستشان ساينس مونيتور” – الترجمة لنسرين ناضر)
النهار

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كل من عنده ذرة من عقل يعلم أن سوريا ليست من الدول ذاتية القرار بل هي تابع لبريطانيا أولاً — وبريطانيا تحولت إلى كلب عجوز يتملق الأمريكان – فلمن تكون تبعية سوريا إذاً – ياليت كانت تابعة مباشرة لأمريكا بتكون (( أشرف )) شوي صدقوني – أي قرار مستقل عند سوريا عندما أُمرت بإرسال جيشها !! العقائدي !! إلى لبنان ليضرب الحركة الوطنية اللبنانية والقوات الفلسطينية ويدمر ويحرق المخيمات على أطفالها ونسائها وشيوخها أي إرادة ذاتية تلك التي أمرت بتلك الجرائم أي أمة واحدة وأي رسالة خالدة تلك التي أحلت لحافظ الأسد هذه الموبقات – كل من يقول إن سوريا دولة مستقلة إنما هو واهم – مخطئ – مغفل – أبله – لايفقه شيئاً في التاريخ والسياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى