صفحات ثقافية

كتابات المسرحيين السوريين الشباب: مظهرٌ لأزمة المسرح في سورية

null
مايا جاموس*
تطوُّر الشروط الموضوعيّة والذاتيّة للمسرح في سورية
تَحْكم تطوّرَ المسرح شروطٌ عامّةٌ، أهمُّها: موجاتُ “المدِّ” التاريخيّة في المجتمعات، ودورُ الحريّات والديمقراطيّة، والرعايةُ الماديّةُ، والدعمُ المؤسّساتيّ. وتأثُّر المسرحِ بالظاهرةِ المسرحيّةِ العالميةِّ، وبباقي الفنون، وخارج تلك الشروط تبقى ثمة اختراقاتٌ أو استثناءات، كوجود مبدعين مسرحيين، أو إدارةٍ ترعى المسرح.
حكمَتْ هذه الشروطُ تطوّرَ المسرح في سورية. فقد عاشت بلادُنا مرحلةَ مدٍّ قوميٍّ في الخمسينيات والستينيات عرفَ المسرحُ خلالها قمّةَ تطوُّره على صعيد تشكُّلِ الفرق المسرحيّة وتزايدِها، ودعمِ الدولة للمسرح، واهتمام الجمهور، وظهورِ المسرحيّات الجادّة التي ترْصد قضايا سياسيّةً واجتماعيّةً حسّاسةً.[40] كما ظهرتْ خلال تلك المرحلة دعواتٌ إلى “التجديد” في المسرح العربيّ، وإلى البحث عن الهويّة، وإلى التأصيل؛ وبرزتْ  أيضُا محاولاتُ التنظير لمسرحٍ سياسيّ.

أعقبتِ المدَّ القوميّ موجةُ “العدالة الاشتراكيّة،” ولاسيّما الشيوعيّة بشقَّيْها الرسميّ واليساريّ الراديكاليّ. فأسهمَتْ في تحفيز المجتمع السوريّ على مستوى تكوين الأحزاب وانتشارِ الفكرِ الشيوعيّ؛ بل تحوّلتْ “الواقعيّة الاشتراكيّة” إلى موضة. وكان ارتباطُ العديد من الأحزاب القوميّة (بما فيها حزبُ البعث قبل أنْ يصبحَ حزبَ سلطة) بالفكر الاشتراكيّ قد أثّر إيجابًا في العملية المسرحيّة في سوريّة: فلمعتْ أسماءُ مسرحيين ارتبطوا بأحزاب، أمثال أسعد فضّة ومحمد الماغوط وفوّاز الساجر وفرحان بلبل، الأمرُ الذي حوّلَ المسرحَ خلال تلك المرحلة إلى حقلٍ للحوار. إلاّ أنّ موجة “العدالة الاشتراكيّة” تراجعتْ عالميّاً ومحليّاً، إذ خَضعتْ لضغط المراكز الرأسماليّة العالميّة؛ كما ضغطت السلطةُ المحليّةُ نفسُها على الفكر والأحزاب والمُبدعين اليساريّين الراديكالييّن.
في هذا الوقت كانت الموجةُ “الإسلاميّةُ” تتقدّم، فدخلتِ السلطةُ في صراعٍ مع الإخوان المسلمين في سورية لسنوات (أواخر السبعينيات- أوائل الثمانينيات). وجرى ذلك بالتزامن مع استمرار التضييق على التيّارات اليساريّة والقوميّة غير المنضوية في الحُكم، حتى وصل المجتمعُ إلى حالٍ من الشلل والخوف. وقد أدّى هذا الوضعُ إلى تعزيز دور الدولة والمؤسّسة الأمنيّة، وإلى جعلهما ـ على مدى العقود الثلاثة الماضية ـ العاملَ الأكثرَ حسمًا في كلّ جوانب الحياة في سورية، والممسِكَ بكلِّ شيء: من قمّة هرم الدولة، إلى أصغر مؤسّسةٍ إداريّةٍ وثقافيّة، بما فيها المؤسّسةُ المسرحيّة.
كما ترافقتْ هذه التطوّراتُ التاريخيّة مع موقفٍ سلبيّ من المسرح تبنّاه جزءٌ من البنية الفوقيّة المجتمعية، ولا سيّما الموقف الدينيّ من التشخيص.
وصل المسرح إلى حدٍّ بات فيه بين نارين: نار السلطة، ونار المجتمع، وترافقَ ذلك مع إضعافِ وتدميرِ الأحزاب السياسية . وقد عبّر سعد الله ونّوس عن هذا الموقف قائلاً:
“بلغَتِ السلطةُ أو الدولةُ شكلاً عاليًا من الوضوح والقوّة. وبالمقابل تمَّ تهميشُ المجتمع. وتبدّتْ في الوقت نفسه هشاشةُ القوى السياسيّة الموجودة، وضعفُ قدرتها على المقاومة وعلى صياغة أساليب نضالٍ مبتكرةٍ وفعّالة… المشكلةُ أعمقُ وأكثرُ تعقيدًا من علاقة سلطة/مجتمع. هناك تركيب ثلاثيّ، وربما يجب الغوصُ فيه أكثرَ لمحاولة استكشافه: بنُى اجتماعيّةٌ متخلّفةٌ جدّاً، مع بُنى اجتماعيّة حديثة شكليّاً، وغيابُ أيّ تساوقٍ أو مشروعٍ مستقبليٍّ يمكن أنْ تقوم به دولةٌ عصريّةٌ لا تتعادى فيها السلطةُ مع المجتمع، بحيث تهمِّش السلطةُ مجتمعَها وتجبرُه على العودة ـ في آليّةٍ دفاعيّةٍ سلبيّة ـ إلى بناهُ التقليديّة والأخلاقيّة المُفَوَّتة.”[41]
إنّ تضافرَ هذه العوامل وغيرها (كتأثير التلفزيون السلبيّ) أدّى إلى دخول الظاهرة المسرحيّة السوريّة في أزمةٍ حقيقيّةٍ لم ينفع معها بروزُ مسرحيين مبدعين أمثال فواز الساجر وسعد الله ونّوس وممدوح عدوان وفايز قزق؛ بل إنّ مثلَ هذه الاستثناءات عاشت ظروفًا قاهرةً أبقَتْها محضَ التماعاتٍ جميلة. إلى ذلك، استمرَّ دعمُ الدولة للمسرح، لكنّه ترافقَ مع فرض وصايةٍ عليه، ودخل حالةً من الترهّل أعجزته ولو عن خدمة السلطة إيديولوجيّاً.
انعكستْ أزمةُ المسرح السوريّ على عناصره المختلفة، ومنها النصُّ المسرحيُّ. فقد تراجع عددُ النصوص المسرحيّة بشكلٍ ملموس، مقارنةً بمراحل النهوض المسرحيّ. كما تراجع إنتاجُ المؤلّفين القُدامى، وصارت نصوصُهم ومشاريعُهم المسرحيّة تخضع لإشراف الجهة المتنفّذة في الدولة باسمِ العقيدة والقوانين الحاكمة، الأمرُ الذي شكَّلَ ضغطًا على المبدعين وإبداعهم. ومع رقابة السُلطة، نَشَطَ الرقيبُ الذاتيُّ، لأنّ الكاتب يرغب في وصول نصّه إلى الخشبة. كما عانى النصُّ المسرحيّ المكتوبُ بهدف العَرْض مشاكلَ أخرى، منها: الأجرُ الزهيدُ مقارنةً بأُجور سيناريوهات التلفزيون، والغيابُ شبهُ الكليّ للاهتمام الثقافيّ والإعلاميّ به، وضعفُ إمكانيّة النشر مقارنةً بالأجناس الأخرى كالرواية.
كتابات الشباب

تتناول هذه الدراسة عشرةَ نصوص مسرحيّة[42] نشرتْها احتفاليّةُ دمشق عاصمةً للثقافة العربيّة عام 2008 بالاشتراك مع دار ممدوح عدوان، إلى جانب نصَّين مسرحيَّين نشرَتْهما الدارُ الأخيرة هما: مَوْلانا وليلى والذئب للفارس الذهبيّ، ونص ثنائيّات لعدنان العودة وهو نشر خاص. النصوص جميعُها كُتبتْ بعد سنة 2000، بعضُها تجاربُ أولى لكتّابٍ تراوحتْ أعمارُهم بين العشرينات وبدايات الثلاثينات. وإذ لا ندّعي أنّها نتاجُ مرحلةٍ ذات معالم إبداعيّة واضحة، فإنها قد ترسم مع ذلك صورةً لنتاجِ الجيل الجديد.

اشتركت النصوص المذكورة في مجموعة من الملامح على صعيد الموضوعات التي تناولتْها، ويمكن تلخيصُها في ما يلي:
– كان الجنسُ الموضوعةَ الأساسية في معظم تلك النصوص، وتمّ تناولها بصيغة استشراقية إلى حدٍّ ما، دون الخوض في عمق هذه المشكلة وتشعّباتِ ارتباطاتها السياسيّة الاجتماعيّة، على الرغم من مرور بعض الإشارات أحيانًا إلى أسباب الكبت الجنسيّ، كالبنية القمعيّة المتخلّفة في المجتمع وموقف الأهل.
كما استُخدِمَ الجنسُ مهرَبًا من اختزال موروث الآباء في الهزائم والانكسارات. ومن هذه النصوص: “الملحق” لليندا أحمد، و”آخر العشّاق” لمحمد أبو لبن، وجزئياً “باريس في الظل” ليمّ مشهدي. تتحدّث الأولى عن رجلَين من جيل الستينيّات، مصابَين بخيباتٍ اختُزِلتْ بحبّهما لامرأةٍ بعينها. أمّا في “آخر العشّاق” فيضَعُنا الكاتبُ أمام شابٍّ يريد تأليفَ روايةٍ بطلاها كانا من أبطال الحرب اللبنانية، وهو يريد أن يجمع المعلوماتِ منهما، لكنّه لا يتحدّث عن أفكارهما وأحلامهما وما آلَتْ إليه الآن، بل يحوّلهما إلى متصابييْن يسعيان إلى الجنس مع  المرأة نفسها. هكذا يغوصُ النصّان في دوّامة العلاقات الجنسيّة من دون الحديث عن الهزائم، فيظهر أبناءُ ذلك الجيل، إلى حدٍّ ما، بلا قِيَمٍ أخلاقيّة، معقّدين، قابلين بالازدواجيّة والخيانة.
– اهتمّتْ بعضُ النصوص بموضوعاتٍ جديدة،[43] كالهجرة مثلاً. ويمكنُ التماسُ ذلك في نصَّيْ عمر أبو سعدة “ليلة” وهوزان عكو “بروانة أو الحرائق،” حيث الجوُّ يسوده التوتّرُ في الأوطان… لكنْ من دون بحثٍ حقيقيٍّ في أسباب تلك الهجرة.
أمّا “باريس في الظل” ليَمّ مشهدي، فإنَّ بطلاتِها الثلاثَ قدِمْنَ إلى باريس من أماكن لم تعدْ تتحمّلُها أرواحُهنّ: الأولى من روسيا بعد سقوط الاتّحاد السوفييتيّ، والثانية من بيروت بعد الحرب الأهليّة، والثالثة من سورية، لتصبحَ باريسُ مسرحًا لعُشقهنّ. أمّا في التعبير عن الهجرة، فنسمع الشابّة السوريّة تقول إنّ دمشق خنقَتْها لكنّها تحنّ إليها؛ غير أننا لا نعرف أزمتَها الحقيقيّة، ولا الأسبابَ التي جعلَتْ باريس متنفّسًا لها، ولا الأسبابَ التي تمنعُها من العودة إلى دمشق (ولكنْ في مكانٍ آخر تومئ مشهدي إلى الرقابة حائلاً دون قدرتِها على تقديم تفصيلات لأسباب الهجرة).[44] ويقرّ وائل قدّور بأنّ النصوص تطرح أفكارًا كبيرةً دون جهدٍ في البحث والتحليل، أو في إيراد حقائق قد تتجاوز الخطوطَ الحمر: “هنالك توصيفٌ وغيابٌ للتحليل، بل تجنّبُ المشروع التحليليّ. وأنا أوافق د. ماري إلياس حين تقولُ في مقدّمة نصوصِنا إنّ التوصيفَ جاء على حساب التحليل، وإنّ العالمَ الذي نعيشُه على درجةٍ من التشابك والتعقيد. قد لا يتعلّق السببُ بالرقابة، [بل] هنالك مسألةٌ تتعلّقُ بمقدار نضوجِ التجربة.”[45]
– تغيب عن النصوص الجديدة اهتماماتُ الكتّاب المسرحيين الأقدَم، ولا سيّما جيل الستينيّات والسبعينيّات، كالاهتمام بالتأصيل شكلاً ومضمونًا، وهمَِّ خلقِ مسرحٍ ذي هويّةٍ عربيّةٍ أو محليّة، على ما سبق الذكرُ. وهذا يعني غيابَ علاقةِ جيل الشباب بالتراث الشعبيّ مثلاً. وربّما تكون نصوصُ عدنان العودة هي الاستثناءَ الوحيد: فقد اختارَ البيئةَ البدويّة، في المنطقة الشماليّة الشرقيّة من سورية، لنصَّيْه المنشورين “ثنائيات” و”خيل تايهة” ولثالثٍ لم يُنشرْ بلْ تمّتْ مسرحتُه بعنوان “المرود والمكحلة.”[46] وقد ركّزَتْ نصوصُه على البنية الفُسيفسائيَّة للمجتمع السوريّ في تلك المنطقة، وعلى التعايُش بين الإثنيّات من عربٍ وأكرادٍ وأرمنٍ وشركس، وبين المذاهب المختلفة داخل الدين الواحد. وتبدو الصورةُ الورديّةُ التي يرسمُها عدنان العودة لتلك المنطقة ممتدّةً حتى وقتِنا الحاضر، وهذا يختلف عن الواقع. وعلى الرغم من حضور تفاصيلَ يمكنُ إدراجُها ضمن قضايا الهمِّ العامِّ، كإهمال الدولة لتلك المنطقة فتراتٍ طويلةً وتركِها بلا كهرباء وانتشار البيروقراطيّة، إلاّ أنّ ذلك لا يحْضر في نصوص العودة الثلاثة إلاّ من خلال القليل من الوصف. وفي نصّ يامِن محمد، “قدمٌ إلى الأمام قدمٌ إلى الوراء،” يجري الاعتمادُ حصرًا على اللهجة المحليّة لإنشاء صورةِ ناحيةٍ من منطقة مِصْياف السوريّة؛ لكننا لو استبدلنا اللهجةَ المُستخدَمة بلهجةِ أيّ منطقةٍ أخرى، لبقيَ النصّ على ما هو عليه… هذا ناهيكم بنمطيّة موضوع النصّ التقليديّة (تزويج الأهل ابنتَهم رغمًا عنها) وعدمِ مناسبته اليومَ للبيئة التي اختارها الكاتب.
– يلاحَظ في النصوص غيابٌ شبهُ تامّ لمسائل الحرّيّات والديمقراطيّة، وكأنّ اليأسَ يسيطر على جيل الكتّاب من دون مقاومة. وفي هذا تتقارب آراءُ الكتّاب الشباب في الاعتراف به وتبريرِه؛ إذ يقول وائل قدّور: “نحن جيلٌ متشرّبٌ بالخوف. ربّما لم نرَ مشاهدَ خوفٍ أمامنا، بل سمعنا وقرأنا وحَكوا لنا. لذلك، وباعتباره لامرئيّاً، فقد يكونُ مخيفًا أكثر… وهذا شيء موجودٌ ومؤثِّرٌ في خياراتنا ككتّاب.”[47] لكنّ الكاتب يعتقد أنّ زملاءه أسهموا في الإبقاء على هالة الرقابة بسبب عدم تجريبهم اختراقَها، لأنّهم لا يتجرّأون على ذلك، ولأنّ سقفَ الرقابة سيرتفع إنْ هُم ناطَحوه.[48] وتضيف يمّ مشهدي: “السياسة تغيب لأنّه لا يمكنُ الحديثُ رقابيّاً عن الكثير من المسائل… لقد عولجتْ بعضُ القضايا الحسّاسة من قِبل عمر أميرالاي في أفلامه لكنّها مُنِعتْ. الشباب الآن ليسوا قادرين على أنْ تُمنعَ نصوصُهم ونتاجاتُهم الإبداعيّة… أمّا لماذا ابتعدوا عن السياسة، فربّما لأنّهم أحسّوا أنّ هناك كذبًا كبيرًا على صعيد الأحزاب التي كانت موجودة، وعلى صعيد التغيير، وعلى مستوى جيلٍ قدَّم نفسَه بصيغةٍ معيّنة لكنّه أصبح مُرائيًا. ولذلك يتمّ الاتّجاهُ نحو موضوعاتٍ إنسانيّةٍ وجدانيّة.”[49] ولا يختلف منطقُ عدنان العودة عن ذلك: “لا يمكنكِ أنْ تناقشي أصلعَ عن تسريحات الشعر، أيْ لا يمكن للشباب الحديثُ عمّا لا يعرفونه. هناك سقف في التفكير، وهم يفكّرون ما دونَه، وكلّنا نفكّر ما دون هذا السقف.” لكنّه يضيف: “يجبُ عزلُ الدراما عن الفكر والتاريخ، وليست وظيفتَها أن تلعبَ الدورَ التنويريّ.”[50]
بعض الملامح التفصيليّة
– في “بروانه أو الحرائق” لهوزان عكّو تُطرَح قضيّةُ الإرهاب والتكفير، والموقفُ الأصوليّ من المرأة وتعامل المجتمع معها، بلا تحديدٍ زمانيّ أو مكانيّ، وكأنّ النصَّ يريد تعميمَ حالة التطرّف هذه على العالم الإسلاميّ والمنطقة العربيّة بدلاً من معالجتها بارتباطِها بالظروف الخاصّة لكلّ منطقة. وفي ذلك تعميمٌ يقارِبُ النظرةَ الاستشراقيّة إلى مجتمعاتنا.. هذا من غيرِ أن نبْخسَ المستوى الفنّيّ للنصّ حقَّه من ناحية اللغة الجميلة والتشويق.
– تقدِّم مسرحيّة “الفيروس” لوائل قدّور إدانةً للمجتمع في ما يخصُّ موقفَه من الجنس خارجَ إطارِ الزواج، وكشفًا للنفاق الاجتماعيّ تجاه موضوعات “الشرف.” فشخصيّاتُ الشباب تدخل في علاقاتٍ جنسيّة بلا زواج، لكنّها تصطدم بموقف الأهل المدَّعين للشرفِ والأخلاقِ تحت مظلّة الدّين. إلاّ أنّ النصّ يُظهر هؤلاء الشبابَ (ذكورًا وإناثًا) غيرَ مستعدِّين للدفاع عن علاقاتهم وتحمُّلِ المسؤوليّات: فالشابُّ يسافر تاركًا صديقتَه حاملاً، والصديقةُ تختفي عن أنظار أهلِها حتّى تلِدَ وتبيعَ مولودتَها. ولا يتغيّر الموقفُ إلاّ في النهاية حين يدعو النصُّ إلى المواجهة وتحمُّل المسؤوليّة، وذلك من خلال شخصيّة الأخت التي تتراجع عن قرارها ترقيعَ غشاء بكارتها. من هنا قدّمَ النصّ موضوعًا غير مستهلكٍ في المسرح السوريّ، على الرغم من كونه نمطيًّا في أجناس أخرى من الأدب والفنّ.
– يتمحور نصّ مسرحيّة “مولانا” للفارس الذهبيّ حول فكرة التمرّد على بنى الدين التقليديّة. فالشابّ عابد فهمَ التصوّفَ بمفهومه الخاصّ، رابطاً الحبَّ الدنيويّ، والشهوةَ تحديدًا، بمحبّة الربّ ورسوله، مستمّدّاً الدعمَ والثقةَ من ابن عربيّ الذي يزوره في مناماته. لكنّ المجتمع ينبذُه بسبب هذا التمرّد على معادلات الجماعة. ومن هنا يقترب موضوعُ النصّ من قصّة “أكانَ لا بُدّ يا لي لي أن تُضيئي النور؟” ليوسف إدريس، لكنّ ذلك لا ينتقص من أهميّة موضوعها، ومن الصورة التي يُقدّمها عن حيِّ الشيخ مُحي الدين في دمشق، ولا سيّما طبقة الفقراء ودور المساعدات الاجتماعيّة المهمّ في حياتهم.
– أما من حيث الشكل فتنتمي هذه المسرحيّات عامةً إلى قوالب نموذجيّة أو تقليديّة. ويستثنى من ذلك نصّا عدنان العودة الذي يقدّم تجربةً جديدةً على المستوى الفنّي: فمسرحيّاتُه أقربُ ما تكون إلى نصوصٍ أدبيّةٍ منها إلى الشكل المسرحيّ المعروف، إذ تغيب الحواراتُ المتتالية، ويحظى السردُ بالدور الأهمّ من خلال رواتِه المتعدّدين. وتبدو تجربةُ العودة متأثِّرةً بالمسرح الملحميّ البريختيّ من حيث التركيز على الحكاية واللوحات غير المرتّبةِ زمنيّاً، معتمدًا على الأغنية الشعبيّة والشعر الشعبيّ ـ وهما عنصران يجعلان من نصوصِه أعمالاً ذاتَ موضوعاتٍ محليّةٍ وتقنيّةٍ غربيّة.
– نلاحِظ أثرَ غياب المؤسّسات الوطنيّة الراعية، وهذا طبعًا جزءٌ من أزمة المسرح في سورية. وفي ندوة “واقع الكتابة المسرحيّة في سورية” التي عُقدتْ في 30 آذار في دمشق، تحدّث عدنان العودة عن مشكلةٍ “خطيرة” حين قال: “إنّ مَن يديرُ حالةَ الكتابة المسرحيّة في سورية ويهتمّ بها هو الجهاتُ الخارجيّةُ، مثل تجربة مسرح الرويال كورت، حيث عملوا ورشةَ كتابةٍ أعطَتْ 6 كتّاب، وورشةَ كتابةٍ ثانيةٍ على مستوى العالم العربيّ. والخطير في الأمر أنّهم فَرضوا علينا شكلاً من الكتابة. هم لا يهمّهم كيف نفكّر؛ يهمّهم كيف يروْننا، ويجب أن نفكّر بطريقتهم. والنصوص التي تمّ اختيارُها لتُعرَض في الرويال كورت هي التي تناسِبُ ذهنيّتَهم.”[51] ويتّفِقُ معه في هذا الرأْي كتّابٌ شبابٌ آخرون، منهم الفارسُ الذهبيّ الذي يُسمّي تلك الورشات بعثات تبشيريّة.[52] (وطبعًا هناك كتّاب شباب آخرون لا يوافقون على الفكرة السابقة).[53]
ختامًا، قد تشي الملاحظاتُ حول نصوص الكتّاب الشباب بالسلبيّة، رغم أنّ معظمها مكتوبٌ بلغة رشيقة ومشوقة وتدلّ على تمكّن في الكتابة. غير أنّ ما لاحظناه هو تعبيرٌ حقيقيّ عن أزمة المسرح في سورية، وهو أكبرُ من مسألةِ إنتاجٍِ شبابيّ أو غير شبابيّ. فالمسرح، كظاهرةٍ عامّةٍ، محكومٌ بعددٍ من الاعتبارات ليتطوّرَ سلبًا أو إيجابًا. وهذا لا يمنعُ كلَّ مرّةٍ من ظهورِ مبدعين يقّدمون أعمالاً مهمّة، لكنّهم يبقون ظواهرَ فرديّةً لا تؤدّي إلى حركةِ تطوّرٍ مسرحيّةٍ عامّة.
دمشق
* مايا جاموس
إجازة في النقد والدراسات المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق 2004
عن مجلة الآداب العدد 9-10 /2009
الذي منع من الدخول إلى سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى