ما يحدث في لبنان

في أنّ الدولة قائمة لتخدم لا لتحكم

null
عباس بيضون
“الوطنية” في الدارج السياسي اللبناني ليست نسبة بقدر ما هي قيمة. السياسيون يتفاضلون بالوطنية التي هي ولاء يتخطى الطائفة والمنطقة، والوطنية تقع موقع التمجيد في الوعي السياسي الشعبي. على هذا الصعيد ثمة أجوبة مرسومة سلفاً وأسماء صفتُها وقيمتُها في ذاتها. هذا الوعي، هو ايضاً حدّ للممارسة السياسية، وبقاؤه رغم عدم فعاليته يشير دائماً إلى سقف لهذه الممارسة لم يهدم حتى في اوقات الانفجار، والأرجح ان ليس في الامكان اختراقه الا بالتنكر لهذا الخطاب الصوري ودحضه من الأساس. في أوقات الانفجار نقترب من ذلك ونباشره، فحقوق المسلمين، وأمن المجتمع المسيحي والفدرالية (حتى ورغم انها قد تُحمل على تبرير آخر) وحقوق المسيحيين اختراقات لهذا الخطاب وللوعي المتظاهر فيه، لكنها اختراقات محدودة وقلما تنتهي إلى نسف الاساس. من الواضح ان الضمانة الموجودة في خطاب محنط ليست ضمانة جدية، ومن الواضح ان الخطاب نفسه يزداد لا فعالية، لكن وجوده دلالة على ان السقف لا يزال باقيا ولا يزال حداً.
صحيح ان تحقيقاً أعدته الجامعة اليسوعية عام 2005 قبيل مقتل الرئيس رفيق الحريري، وهو التاريخ الذي تغيرت بعده أمور كثيرة، مما يجعلنا نفكر بأن الأرقام والنسب لم تعد مطابقة تماماً للوضع الحالي. الا ان هذه الأرقام والنسب لا تزال تملك القدرة على مفاجأتنا، جاءت نسب الشعور بالإنتماء على النحو التالي:
العائلة 97.6 %
الهوية الوطنية 5، 77 %
الدين 63.1 %
الطائفة 36.3 %
العشيرة 17.6 %
جمعت معطيات هذا التحقيق بين عامي 2004 و2005 كما يقول جان مراد في دراسته عنه، فهل تغيرت منذ ذلك الحين. العائلة اولا في سلم الإنتماء بنسبة شبه اجماعية فيما الهوية الوطنية ثانيا بنسبة كبيرة 77.5 ولكنها اولا بنسبة ضئيلة 13.5 والنسبة تتوزع على الطوائف اللبنانية بنسب لا تتفاوت كثيرا وان كان تفاوتها لا يعدم ان يطرح سؤالا، 17.73 للمسلمين و8.43 للمسيحيين و16% للدروز. لكن الرقم يختلط بـ 47.7 يضعون الانتماء إلى الهوية الوطنية في آخر السلم كما يختلط بـ 16.4% يعتبرون لبنان وطناً مؤقتاً، كما يختلط برقم آخر عجيب 20% من المسيحيين فيه و20% من الدروز و10% من المسلمين مع اتحاد لبنان ببلد آخر. هذه الأرقام، كما نلاحظ، تصادم بعضها بعضا لدرجة ان نسبة 20% من المسيحيين مع اتحاد لبنان ببلد آخر تثير تعجب جان مراد واضع الدراسة ويكاد يحملها على السخرية واليأس من لبنان. لا نتعجل الاستنتاج من هذه الارقام ولكننا نتوقف عند بعض الارقام والنسب، ومثل جان مراد يصعب علينا ان نتصور انها واقعية، ومثله لا نتصور ان الذين جرى التحقيق معهم عبّروا عما في صدورهم وان هذه هي فعلا حقيقتهم. يمكننا ان نتخيل ان الأجوبة استجابت لتقليد كلامي واع او غير واع، وان الذين أجابوا قد أجابوا أحيانا كثيرة كما يجب وكما يفترضون الجواب الصحيح.
ليس غريباً ان تأتي الهوية الوطنية ثانيا لكن لا نستطيع ان نجد لها مع نسبة 47% التي تضعها في آخر السلم والـ 20% التي تريد الاتحاد مع بلد آخر قراءة واحدة. ثمة هنا قدر من التناقض وثمة اعتباط في نسبة الـ 20% من المسيحيين التي تريد الاتحاد ببلد آخر ونسبة 7% المتدنية التي تضع الهوية الوطنية أولاً. اذا كان الدين يأتي ثالثا بنسبة 63% فان هذه النسبة قليلة اذا أخذنا بالاعتبار الاعتصاب الديني والمذهبي. انه العام 2004 و2005، نفهم ان شيئا تغيّر على هذا الصعيد وان الاعتصاب المذهبي الشيعي والسني لم يكونا يومذاك متوقعين كما ان الاعتصاب المسيحي لم يكن على هذا القدر من الحدة. مع ذلك فاننا قد لا نحظى اذا قمنا بالتحقيق نفسه اليوم بنسب مختلفة جذرياً. نفترض ان النسب ستتعدل ن دون ان تختلف الوجهة والمنطق. ذلك يعني ان الوعي اللبناني المنقسم هو الذي يحكم، ان فحص الايمان هو غيره لدى فحص الانخراط اليومي.
اللبناني يملك جوابين على السؤال ذاته، ان ايمانه يملي جوابا قد لا يبقى هو اذا طرح السؤال نفسه على ردوده وسلوكه المباشر. وعيه مقنن آلي ومكتف بذاته وغالباً من دون أي شعور بالتناقض. هناك مشروعية للكلام لا تتنافى مع مشروعية أخرى للسلوك والممارسة، كل صحيح في مكانه وصعيده، ولا يكذب الآخر، او يتنازع معه. ومن الطبيعي ان الذات لا تعي انقسامها فالتغطية الايديولوجية لمطالب طائفية قلما تعترف بهذه الطبيعة وغالبا ما تظهر هذه تحت عنوان وطني. المطالب الاسلامية في الحرب الطويلة كانت ذات عنوان وطني وديموقراطي وكثيراً ما الحقت باليسار، كذلك اتخذت المواجهة المسيحية اسماً وطنياً ولبنانياً وكثيراً ما حملت على اليمين. واليوم فان حقوق المسيحيين لا تحمل على التوازن الوطني فحسب بل وعلى التفاهم اللبناني، ولا تتعارض مع تحبيذ المقاومة ومناوأة الامبريالية، أي انها تخرج كليا من الطائفية ولا تشكل مسيحيتها حرجاً لها على هذا الصعيد. هذه التغطية الايديولوجية المموهة ليست بحت اختلاق، فالتجاذب الطائفي اللبناني، لم يكن في يوم صرفاً وهو امتزج دائماً مع عناصر تتخطاه وتنخرط في خيارات وطنية وعامة. الاحتجاج الاسلامي على الاحتكار المسيحي للسلطة قابله احتجاج مسيحي على التواطؤ الاسلامي مع الفلسطينيين المسلحين، مما أدى إلى كسر وحدة الدولة والمجتمع. لم يخل الترحيب الاسلامي بالسلاح الفلسطيني من نزعة استقواء، لكن حرب حزيران 1967 والهزيمة العربية امام اسرائيل والقضية الفلسطينية ليست ذرائع طائفية فحسب ولا يمكن اختصارها بذلك. مقابل ذلك لم تكن النزعة القومية اللبنانية لدى المسيحيين تمويها طائفيا فقط. التقاطع الطائفي القومي وازدواج الطائفي بخيارات مصيرية ليسا ممكني الفك.
اليوم لا يختلف الأمر من هذه الناحية. ورث حزب الله الاتجاه التحريري العروبي وورثت 14 آذار الاتجاه اللبناني. اليوم، كما الأمس، تبدأ المسألة من خيارات عامة، ولا تلبث ان تنحل مع الوقت في اعتصابات طائفية. تبدو هذه الاعتصابات في حال من الكمون وتنتظر محركا أعلى. اليوم كما بالأمس يأتي الطائفي متأخراً قليلاً عن السياسي.
لنقل ان الانقسامات الطائفية لها دائماً رديفها السياسي، وغالباً ما تشكل معه مركبا متماسكاً. الطائفية السياسية كانت دائماً هذا المركب ولم تكن في يوم برأسها وحده، ولن نضيف شيئا اذا قلنا ان هذا المركب ليس اختراعاً وأنه ـ كما يعلم الجميع ـ يستند إلى ظروف واقعية في البلد والمنطقة. السياسي يأتي أولا لكن الطائفي هو الذي يسود أخيراً. يحتاج الطائفي إلى عنصر مساعدة، إلى استنفار من الخارج، لكن السياسي ليس دائما أصيلاً وهو الآخر يحتاج إلى عنصر مساعد وشرارة، وربما إلى وقود من الخارج. السياسي يزكي الطائفي والطائفي يستفحل لكن الاثنين لا يقومان تماماً بنفسيهما ولا بد لهما من مفجر خارجي.
خطاب التبعية
لا يعني هذا على الاطلاق القاء التبعة كلها على الخارج، كما ينحو خطاب لبناني سائد، فازدواج الداخل والخارج يوازي ازدواج الطائفي/ السياسي ومركبهما. “خطاب التبعية” الدارج لا يترك للداخل أي إرادة، ويخليه من أي مبادرة، وينزل بصانعيه إلى درك الأدوات، ويفسر مواقعهم بالعمالة والاستتباع. هكذا لا تعود هناك مسألة للبحث ولا قضية من أي نوع، فالصراع لا أصل له في الواقع وليس سوى لعب، وخير لنا النظر في العلاقات الدولية ومتابعة حسابات القوى الاقليمية والعالمية. نظرة كهذه تكاد تكون مهيمنة، وقلما ينكرها أحد، فيما هي لا تعدو ان تكون عدمية سياسية تساوي بين الأطراف، وتلغي القضية من الأساس، وتتفّه الصراع وقواه إلى أبعد مدى. لا استطرد في نقاش اتركه لغيري ممن وقفوا ابحاثهم على الجانب السياسي، غير اني أفهم ان نظرة كهذه هي، ثقافياً، الوجه الآخر لانكار لبنان، واعتباره بلا واقع ولا حقيقة ولا سبب وجود. انها المقابل الفعلي لنزعة ترد المسألة فورا إلى مستوى انطولوجي يتعلق بوجود لبنان وحقه في الوجود، الأمر الذي ليس لبنان فيه أقل او أكثر من غيره في المنطقة، لكن هذه العقدة “الانطولوجية” تميز، اذا جاز التعبير، العقل السياسي اللبناني. انها نوع من الشك، في الذات وافتراض قصور دائم يفتحان الطريق لاعتبار لبنان عاجزاً عن انتاج دولة ومجتمع وسياسة بالطبع. نظرة كهذه تجد دائماً، للأسف مزيدا من الاثباتات. ان اتكال لبنان على الوساطة الغربية والاقليمية هو في هذا التحليل دليل بيّن على التبعية المطلقة، فيما لا يخطر ان فشل هذه الوساطات يدل ايضا على حدة الصراع واستشرائه، وداخليته العميقة بالتالي.
لنعد إذا إلى ما كنا فيه، إلى ازدواج السياسي والطائفي وإلى تفاعلهما، لا نعرف اذا كان السياسي أم الطائفي هو الذي يضفي على الصراع راديكالية قطعية. الأرجح ان الراديكالية السياسية تستتبع انقساما طائفيا حادا. راديكالية الخيار الوحدوي مقابل حلف ايزنهاور عام 58. راديكالية الخيار الفلسطيني مقابل الخيار اللبناني عام 75، واليوم راديكالية الاتجاه التحريري الحربي مقابل الاتجاه السلمي. انها في الغالب خيارات متنافرة ولا سبيل إلى التوفيق بينها. تبني الراديكالية السياسية بالطبع على الانقسام الطائفي ويتغذى الانقسام من الراديكالية السياسية. مع ذلك فإننا لا نستطيع، رغم تواتر النزاعات، الكلام عن انقسام محتّم. لا بد أن النمو السرطاني للانقسام واستشرائه السريع ينمان بالطبع عن استعداد واضح. مع ذلك فان هذا الاندلاع العجول ينم بالدرجة نفسها عن أنه سبق لتحريض فاعل مكثف، يعرف اصحابه كيف يسوّقونه وكيف يستفزون به حاجة الجماعات، في ظل التذرّر الاجتماعي وصورية الدولة، إلى عصبيات وتكتلات حديدية. أي اننا لا نستطيع الا ان نفكر بأن الانقسامات السياسية الذريعة تستنفر العصبيات وتتحصّن بها. ان استعداد الجماعات للاعتصاب والاستنفار حاضرة في ظل لا أمان اجتماعي كامل ومخاوف دائمة ورضوض وانسداد آفاق وركود سياسي واقتصادي. استعدادها حاضر لاعتصاب مافياوي وهذيان بارانويائي. فصيحة الاضطهاد والغبن والتهديد هي صيحة واحدة تقريباً، وهي صيحة تجعلها استباحة الدولة والمحاصصة المستحيلة ممكنة كل لحظة، الأمر الذي يشي بأن شيئا من التلاعب والايحاء والاستغلال الفظ يدخل في هذه العملية.
قد يتراءى لكثيرين ان الاستعداد الطائفي فطري مولود وطبيعي، وانه بالتالي مقدر ومحتم ولا مجال لممانعته، لكن الاستعداد الآخر المقابل للمحاسنة وتدبير العيش والربح والاستقرار لا يقل فطرية وطبيعية لدى اللبناني الذي عرف في حياته اطواراً واطواراً، ويدرك ماذا تفعل الظروف بحياة المرء ومعيشته. لقد كانت تجربة اللبناني مع الدولة قصيرة نسبيا ولم تكن هذه بمنأى عن الانقسام بل كانت بالعكس من مولداته ومراكز اعادة انتاجه، ان لم تكن المركز الأول والأساسي لممارسة التنازع واعادة تعميمه وبثه. الانقسام هو الأصل، لذا لا يصعب استفزازه واستثارته، واذا كان المبادر لذلك نافذاً كان ذلك اوقع، واذا بدا أنها لعبة ناجحة تبارى فيها كثيرون. مع ذلك فان “الحق” لا بد أن يملك عنوانا سياسياً، والعنوان السياسي لا يكون في الأرجح محدوداً بطائفة. انه خيار عام، انه في النهاية الدولة والمشاركة والقانون والاصلاح. لذا يمكن القول ان السياسي ذو ظاهر توحيدي اذا جاز القول. انه حتى وان خاطب جماعة خاصة فانه يخاطبها على انها كل المجتمع وعلى ان مطلبها اصلاح الحكم وخدمة المواطن، بل إن من بينها من يذهب إلى برامج مستقبلية.
لنقل اذن ان الانقسامات الطائفية تمارس غالباً بغطاء توحيدي. ان سهولة استقبال دعوات كهذه من قبل جماعات وجمهور طائفي هو ما يتوقع من مجتمع مهمل ومتآكل ومتذرر ومن دون أي اطر جامعة او عناصر لحمة. لكن الطابع التوحيدي للدعوة ينم، رغم ذلك، عن عنصر ثقافي مشترك لدى اللبنانيين. بل عن نوع من ثقافة مشتركة اذا جاز التعبير. مهما تكن هذه الثقافة محصورة وموقوفة على صعيد مفارق نسبيا، مهما تكن طابقا فوقياً وذات نهايات كلامية و”ايديولوجية” فحسب، فإن وجودها على هذا النحو هو علامة اشتراك غير خافي الدلالة، علامة على منظومة قيم لا تتعدى الدولة والقانون والتعايش والوحدة…
وما يطلب من الدولة صراحة هو ان تخدم لا أن تحكم. ذلك راسخ في “ثقافتنا” السياسية، اذا جاز القول، مع ذلك فان الدولة تبدو الآن مطلب الجميع ولا يخرج أحد عن ذلك. ثمة تشكيك يومي بالسلطة لكن تحت عنوان الدولة واسمها، واذا كان في ذلك سفسطة واضحة الا ان الدولة تبقى محل اجماع لافت. هناك هذا الاجماع مهما يكن ملغوما، اجماع لا يفعل الآن كثيرا وربما لا يفعل حتى القليل، فمن الواضح ان ممارسة كاملة تبنى على الانقسام وتصادر صلاحيات الدولة. وقد لا نستطيع ان نعول على هذا الاجماع لحماية الدولة والحؤول دون اغتصاب حقوقها ومسؤولياتها. الا انه ليس مع ذلك صفراً. إنه يشير إلى تصور مشترك، إلى قواسم حقيقية، إلى ما يمكن ان يكون أساسا لثقافة مشتركة. لم تكن هذه هي الحال في الحرب الأهلية القريبة العهد.
كان الخلاف أوضح وأصرح على الدولة وعلى الكيان وعلى المستقبل. كانت الدولة دولة الآخرين والكيان مصطنعاً والاستقلال مريباً والمستقبل موضع تناحر. لا نستطيع اليوم ان نقول ان الخلاف هو نفسه، بل لا نجد احيانا أين الخلاف رغم عمقه في الواقع واستعصائه على الحل. اذا صدقنا التصريحات المعلنة وصلنا إلى يأس من تمييز الفرق واستحال علينا فهم فحوى النزاع (…).
لم تكن الحرب الأهلية الأخيرة مختلفة تماماً عما نحن اليوم فيه. لقد بدأت من المحل نفسه تقريباً: المقاومة وشرعيتها والدين اللبناني للصراع العربي الاسرائيلي والمتأخر الذي حان سداده بعد انفراد لبنان الطويل بالهدنة والتجنب. مع المقاومة الفلسطينية امكن تفكيك الوضع اللبناني وطرح مسألة المحاصصة الطائفية مجدداً. اليوم المقاومة لبنانية هذه المرة، وموقع لبنان من الصراع العربي الاسرائيلي، وعلى قاعدة التفكيك الحاصل تطرح مجددا، ولو بدون وضوح كاف، المحاصصة الطائفية في السلطة. لا يبدو الاختلاف كبيراً بين الأمس واليوم ويمكن بسهولة القول ان المأساة اللبنانية تتكرر بأطوارها وفصولها. يبدو لأول وهلة ان الحرب لم تنته ولم تترك أي درس واضح، ولم ينجح اتفاق الطائف في ايجاد مخرج منها. المقارنة مغرية واستنتاج كهذا قريب المتناول ويمكن الوصول اليه بسهولة. لكن المساواة بين الوضعين تنجح فقط في تثبيت أمور سيتراءى بعد قليل انها ثوابت لبنانية. سنفكر ان لبنان لا يستطيع فراراً من موقعه وأن الصراع العربي الاسرائيلي حتم عليه، وان عليه ان يدفع ضريبة تأخره عن المساهمة دينا اضافياً وإن عن الآخرين الذين وفوا بحصتهم من قبل وأدوا اثمانها. هذه واحدة من هذه الثوابت، انها مكافأة المتأخر الذي صار بكل فخر طليعة السباق، او هي ضريبة المقصر الدائم والمتدرج الدائم، أن يدفع اكثر وأن يبقى دائماً تحت الفحص والامتحان. او هي رسالة الصغير ان يكون دائماً اكبر من حجمه وطاقته. “الثابت” إذن أن للصراع العربي الاسرائيلي على لبنان، بقدر ما تردد هذا في مباشرته وبقدر ما قعد عنه. لا سبيل إلى الفرار من حتمه، والمقدر عليه، وما عليه الموقع والتاريخ. لقد تغيرت الحال بين اواسط السبعينيات ويومنا هذا. دخلت المقاومة الفلسطينية إلى لبنان بعد هزيمة حزيران المدوية أي في وضع تجددت فيه نكسة العرب في فلسطين، وبدا الرد على ذلك مهمة أولى وربما وحيدة للعرب جميعا. كان الدخول إلى لبنان يومذاك “استدراكاً مشروعاً” لتأخره عن المشاركة ومحايدته الضمنية. هذا الدخول بدا “الثمن الحق” الذي لا بد أن يدفعه لبنان، كما بدا فوراً تحدياً واضحاً للنظام اللبناني القائم على الحياد، ودعوة صريحة لتدميره واقامة آخر محله.
السطور أعلاه اجزاء مقدمة للنقاش من التقرير الوطني للتنمية البشرية المعدل من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومجلس الإنماء والإعمار
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى