قضية فلسطين

الاعتدال” في مواجهة “العدالة”

كلوفيس مقصود
تعمدت وضع كلمة الاعتدال بين هلالين لأني مع كثيرين كثيرين نعتقد ان الاعتدال في التصرف يحول دون التسرع واحياناً التهور. الاعتدال ينطوي على ضرورة الاحاطة بأبعاد أي قرار يتخذ كما انه انضاج لفكر او خطاب او رأي او سياسة تضمن النجاح في التنفيذ او الاقناع لخدمة الهدف. يستتبع ان الاعتدال كأسلوب او منهج يخدم في نهاية المطاف مقتضيات العدالة في شكل اضمن وأسلم لتحقيق شرعية الاهداف القومية والتحررية وما تمليه إجراءات التنمية الوطنية والكرامة الانسانية ومتطلباتهما.
إذاً يجيء السؤال: لماذا وضع هلالين على كلمة الاعتدال؟ الاجابة المنطقية تكمن في الحاجة المتزايدة التي افرزتها في شكل قاطع المأساة التي فرضها العدوان الاسرائيلي والذي لا يمكن تعريفه الا بالوحشي على قطاع غزة وشعبها لأن الهلالين محاولة لاختزال منهج التعامل مع شراسة العدوان الذي افرزه وساهم في تعميمه التزوير الفاقع والتشويه المتعمد لمفهوم الاعتدال. بمعنى آخر انها محاولة للتصدي في شكل واضح للتشويه السائد لاستقامة منهج الاعتدال وسلامته في المخاطبة والسلوك حتى لا يحصل التباس حول ثقافة المقاومة وجذرية المطالبة بالاصلاح والاصرار على سرعة انجاز الحريات بمعناها الاشمل والاكرم، وكأن الالتزام لهذه البرامج الملحة في اولوياتها والاصرار على تحقيقها هو تعريف لـ”التطرف”. واذا استمر خطر تشويش معنى الاعتدال فان الالتباس قد يتحول تصميماً على إجهاض العدالة وعلى مقوماتها.
***
لماذا التركيز على التصدي لهذا التشويه وما اثبته من ثنائيات كادت الى حد كبير ان تساهم في تفكيك عرى الوحدة الوطنية في العديد من الأوطان العربية بينها ايضا ما ادى الى المساهمة في تمزيق الوحدة الوطنية الفلسطينية والتعثر الفاضح في العمل العربي المشترك مما فسر عدم نجاعته في الموقع الدولي – الامم المتحدة – كما حصل الاسبوع الماضي. واذا تم تعريف الاعتدال بالمفهوم الطاغي الذي صاغته الادارات الاميركية المتتالية فان الاستقطاب الحاصل في العلاقات العربية – العربية وبخاصة الفلسطينية – الفلسطينية سيبقى ويتفاقم، وبالتالي علينا ان نحذر مما ينطوي عليه التفسير السياسي والاعلامي للاعتدال في المنطقة العربية وبخاصة بالقضية الفلسطينية. ان الاعتدال بالمفهوم الاميركي هو استعداد اي نظام او حكومة او معارضة او حزب او تيار التكيف مع الاحتضان والتحيز الاميركيين ليس الى وجود “اسرائيل آمنة” فحسب كما يقال بل ايضا الى اهداف لاسرائيل. اذاً يمكن اي نظام عربي او حزب او تيار عربي الخ، ان يحصل على وصفه اميركيا بـ”المعتدل”، وهذا يؤول الى استحقاق صفة “المعتدل”. ولا فرق بين ان يكون النظام او الحزب يمينيا أو يسارياً، شموليا او شبه ديموقراطي، المهم ان اي عربي يتفهم حاجة الولايات المتحدة لاسباب داخلية – التجاوب مع اللوبي الاسرائيلي، ضرورات انتخابية، التوجس من الاتهام باللاسامية – ومختلف انواع الارهاب الفكري والاعلامي الذي تمارسه اسرائيل وأنصارها على الكونغرس ووسائل الاعلام، كل هذا يستدعي “التفهم والتكيف وعدم الاعتراض أيضا حتى يمنح أي نظام لقب “المعتدل”. الا ان ما يمعن في ترسيخ هذا المفهوم المزور للاعتدال هو ان النقيض اي كل ممانعة او معارضة او مقاومة يندرج في خانة التطرف. وفي كثير من الحالات في خانة “مساندة الارهاب”. من هذا المنطلق تأتي أمركة التوصيفات للاعتدال ولذا نضع هذه الكلمة باصرار بين هلالين مما يفسر ان ما يفرزه تزوير مفهوم الاعتدال من تجن على الشعوب العربية وفي مختلف اقطار العالم وتصويره مناصرة لـ”الارهاب” الفلسطيني وللنضال العربي لتاكيد أولوية وحدة المصير العربي، واصراره على ان يبقى في منأى عن استباحة حقوقه التي يقوم بها الكيان الصهيوني بدعم غير مسبوق من الادارات الاميركية ولاسيما الاخيرة برئاسة جورج بوش.
***
ان ما حدث ولا يزال يحدث في غزة يعود احد اسبابه الى ما يمكن وصفه بالتساهل الذي يبديه ويمارسه بعض “المعتدلين” العرب، مع التأكيد هنا على الهلالين. ولعل ما حصل في ادارة التعامل مع مجزرة غزة في الامم المتحدة خلال الاسبوع المنصرم قد يفسر ما نعنيه بـ”واقعية” “الاعتدال العربي”. جاء الوفد العربي الى الامم المتحدة بعد اجتماع لوزراء الخارجية بدون قرار مسبق على مستوى قمة باتخاذ اجراءات عقابية عربية لاسرائيل مثل قطع العلاقات الديبلوماسية او التجارية القائمة بين دول عربية واسرائيل أو حتى تعليقها، ولو حصل هذا القطع – وحتى التعليق مقدمة، لكان موقف اللجنة الوزارية اكثر وقعا واكثر جذبا للاحترام ولجدية التزام ما لتنفيذ القرار العربي مع امكان تعديلات لا تمس بالاولويات المطلوب تنفيذها، حتى لو أدى الى اكثرية بسيطة أو الى قيام  الوزيرة كوندوليزا رايس بممارسة حق النقض (الفيتو). وجاء تقاطع مبادرة الرئيس مبارك مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ليظهر مدى التزام طرح القرار مما مهد لإعلان اميركا مسبقاً “ان لاسرائيل حق الدفاع” الأمر الذي ميّع القرار الذي صدر كما نعلم والذي انتهكته اسرائيل لأنه لا ينطوي على ادانة وعلى اجراءات تنفيذية انسجاما مع مقتضيات الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. كما ان ايهود اولمرت قال ان اسرائيل “وحدها” تقرر سياساتها “الدفاعية”، ووصل الأمر باسرائيل الى درجة الصفاقة بانتقادها امتناع الولايات المتحدة، التي كان مطلوباً منها “ممارسة حق النقض” للقرار الذي صدر. كما ان وزيرة الخارجية التي دعت اللجنة العربية الى البحث في صيغة قرار بريطانيا والذي امتنعت عن التصويت له كي تقنع اللجنة العربية بضرورة التخلي عن “القرار العربي” الا انها استثنت الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير الدولة للشؤون الخارجية من الدعوة، الامر الذي كان يوجب على بقية اعضاء اللجنة مقاطعة الجلسة رغم “أهميتها”. وكان هذا أحد الامور التي ما كان يجب أن تحصل. ولعل ما حصل هو جعل “المعتدل العربي” يُمنح صفة ملازمة بأنه “واقعي”. ورغم استمرار الهجوم العدواني المسعور – جواً وبراً وبحراً – وبشراسة أشد ومآس انسانية أشمل، فإن الرئيس بوش (أمس السبت) ووزارة الدفاع قررا ارسال أسلحة لاسرائيل بموجب صفقة “لأنها كانت مهيأة للارسال قبل حوادث غزة”. ولنفترض ان هذا الادعاء صحيح، ألم يكن جديراً بالرئيس بوش حيال إدانات المؤسسات الانسانية لهمجية العدوان التي أدت الى المزيد من الضحايا حتى في مخيمات اللجوء أن يؤجل اقله تنفيذ الصفقة إن لم يكن قادراً على إلغائها؟ ولكن كيف يمكن توقع مثل هذه البادرة في حين انه بدوره مارس في العراق ما تمارسه عنصرية الصهيونية الحاكمة في اسرائيل والساعية بدعم الرئيس بوش والمحافظين الجدد الى تأهيل اسرائيل لريادة التحكم في مصير المنطقة؟ لكن بوش لم يتبق لادارته سوى عشرة ايام وبالتالي فإن هامشاً صغيراً يوفر نافذة للتأمل وإن لم يكن للأمل بعد.
علينا في هذه اللحظة المأسوية لأهالي غزة الصامدين أمام محرقة يقوم بها احفاد ضحايا محرقة النظام العنصري النازي في المانيا أن نحيي صمودهم الرائع الذي حرك الجماهير العربية في شكل غير مسبوق منذ عام 1956، الجماهير التي أكدت ان عروبة المنطقة بخير وان الحيوية التي تبلورت دلت على ان الاعتدال، بين هلالين، لن يؤدي الى ما كانت اسرائيل وحلفاؤها يبغونه من سلبنا حقنا في صناعة مستقبل واعد… وان مأساة غزة وصمود مقاوميها يجب أن يقررا مرجعية عربية موثوقاً بها لتكون بوصلة تزيل الهلالين من الاعتدال، فنسترجع الاعتدال المصرّ على الحق والحقوق، على مقاومة الاذلال والاحتلال، على محاربة الفقر وترسيخ حقوق المواطن، وعلى التمسك بوحدة المصير، وانارة دربنا بمنع قاطع لعودة الهلالين الى الاعتدال المزور والتأكيد ان الاعتدال السليم هو ما يوفر العدالة للأمة ولشعوبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى