صفحات مختارة

مسرح التعزية: طقس محاكاة واقعة الطفّ في محرّم

بقلم عوّاد علي
يسمّي العراقيون محاكاة واقعة الطفّ في كربلاء، التي يشخص فيها الشيعة استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء في العاشر من محرم كل عام، في إطار درامي طقسي بـ”التشابيه”. تدرج هذه المحاكاة في تاريخ المسرح العربي ضمن الظواهر التمثيلية، او الاشكال شبه المسرحية التي عرفها العرب، وتسمى تجوّزاً مسرح “التعزية” او “العزاء”، وتعود بداياتها إلى القرن العاشر الميلادي. وغالبا ما يؤدي الادوار فيها ممثلون بعيدون عن الاحتراف المسرحي، بتوجيهات من بعض رجال الدين، الذين يتولون عملية الإخراج.
تثير هذه المحاكاة التراجيدية، عادةً، ردود أفعال عاطفية عند عامة الناس، وهم يشاهدون الممثلين بالملابس الملونة التي تشير إلى جيش عبيد الله بن زياد، وقائده عمر بن سعد من جهة، واتباع الحسين بملابسهم الخضر من جهة أخرى، إضافة إلى الخيام والخيول والنساء المتلفعات بالسواد، وسط صراخ الأطفال وعويلهم عندما تحدث المبارزة، التي غالبا ما تكون بدائيةً، بعيدةً عن التمرين، والأصول العلمية التي ترتقي باللعبة إلى مستوى التصديق.
تسبق تقديم هذه المحاكاة مجموعة طقوس تبدأ في اليوم الأول من شهر محرم بمظاهر الحداد والحزن التي تعم المدينة، إذ ينتشر فيها السواد في كل مكان، حتى منائر الجوامع وأعمدتها، وتنصب “مخيمات” المواكب الحسينية، التي تعلّق فيها صور تمثل مشاهد من مأساة الحسين. في الليلة التي تسبق ذلك اليوم، تتقاطر مواكب “اللطم” إلى الجوامع مبكرة، حيث يسمّى كل موكب باسم منظّمه وراعيه، أو باسم المحلة أو المنطقة التي تنظّمه. وتكون طقوس تلك المواكب هادئة في البداية، وردّاتها حزينةً معبرةً عن آلام السبايا من النساء، مثلما تكون أعلامها السود منكسة أثناء المسيرة الوئيدة، التي تنسجم خطواتها مع صوت الردة الخافت. هكذا تطوف مواكب المشّائين الشوارع والمحال حتى تنتهي في الجامع أو في مقر منظّم الموكب، في حين أن مواكب الزنجيل تبدأ بالظهور في اليوم الثالث من الشهر عصراً، وتستمر حتى بداية أوائل الليل، وتكون على هيئة صفّين من المشّائين، في كل صف من الصفوف عدد من الرجال والصبية بملابس سود مثقوبة وممزقة من الكتفين، أو من الظهر لكي يتم الضرب على الجسد مباشرةً بسلاسل من الحديد، وعلى أصوات آلالات النحاسية التي تتبع في إيقاعها الطبول واللحن الحزين الذي ينشده أحد المشتركين. ترتفع بين حين وآخر أصوات باكية منفعلة، تنادي بصوت عال: “يا علي، يا حسين، يا شهيد كربلاء”، ويضرب أصحابها صدورهم العارية بأيديهم بقوة، أو ظهورهم بسلاسل الحديد. وتستمر مسيرة هؤلاء التوّابين النوّاحين حتى اليوم العاشر من محرم، الذي تتخذ فيه شكلاً عنيفاً وهائجاً استعداداً للتطهير، حيث يحلق فيه الرجال والصبية رؤوسهم، ويرتدون الأكفان، ويحملون سيوفهم وقاماتهم، ليطيروا بها في الصباح المبكر. وبعد أن يصل الاحتفاء بالذكرى إلى ذروته التطهرية حدّ النزف في ذلك اليوم، يبدأ التعبير الدرامي “التشابيه”، أو محاكاة مأساة قتل الحسين، ومن معه من أطفال ونساء ورجال على يد جيش زيد بن معاوية. وتكون هذه المحاكاة خالية من الخدع، فالرؤوس التي تعلّق على الرماح هي رؤوس دمى ملطخة بالدماء، وعلى رغم ذلك فإن هذه العملية تثير أعمق مشاعر الحزن في نفوس المشاهدين، وتستثير بكاءهم، خاصةً مع أداء مقرئ المقتل، الذي يجسد جميع الأدوار بصوت شجي، فيندفع أكثرهم إلى مهاجمة اتباع عمر بن سعد، وأولهم الشمر بن ذي الجوشن، الذي يقذفونه بالحجارة، على رغم علمهم انه مجرد ممثل لا علاقة له بالواقعة القديمة التي مرّ عليها اكثر من ألف عام .
يرى الباحث الدكتور محمد عزيزة في كتابه “الإسلام والمسرح” إلى أن التعازي الشيعية ظهرت بشكلها الدرامي الأول في بلاد فارس، ثم انتقلت بعد ذلك إلى البلاد العربية. لكن باحثين آخرين يختلفون معه في هذا الرأي، اعتقاداً منهم بأن شعر التعازي الذي حاكى مقتل الحسين بلغة الانفعال الديني الدرامي قد ولد أولا، وقبل كل شيء، حيثما ولدت المأساة، أي في العراق، وكانت ولادته بمثابة رد فعل على ما حدث، أو تعبير عن عقدة الذنب التي شعر بها أهل الكوفة بسبب خذلانهم للحسين. هكذا تبلورت هذه العقدة على هيئة رثاء مذهبي، وأشعار حماسية أشادت في شكلها ومضمونها بفدائية شخصية الحسين في كربلاء وبطولته. وعندما شعر خلفاء بني أمية بخطورة هذه النصوص الشعرية والقرائية اصدروا أوامرهم بمعاقبة كل من يمارسها أو يتلفظ بها، مما اضطر ناظميها وقارئيها الى كتابتها باللغة الفارسية تستراً عليها. وبحسب رأي الدكتور فاضل السوداني، في دراسة له بعنوان “التعازي طقس درامي شعبي”، فإن “التعازي في بداية نشوئها كانت تقليدا حياً لمأساة الامام الحسين بكل تفاصيلها الواقعية، ولكن بمرور الزمن لم تعد طقسا دينيا فحسب، وانما امتزجت بالحياة السياسية والاجتماعية، إذ أن بطلها الحسين لم يعد رمزا دينيا فقط، بل رمز لبطل قومي ثوري يستلهم الشعب ثوريته وتضحيته من خلال إعادة ذكراه”.
تشير بعض الأبحاث المنشورة حول مسرح التعزية إلى أن أول من شاهد، من الأوروبيين، عرضاً للتعازي، وأطلق عليه اسم عرض مسرحي درامي هو الإنكليزي فرانكلين، وذلك في العام 1788. يقول السير لويس بيلي (1879)، وهو ديبلوماسي بريطاني عاش في طهران، “إذا توجب قياس نجاح الدراما من طريق التأثير الذي تحدثه في الذين ألّفت من أجلهم، أو في المشاهدين الذين تمثل أمامهم، فلا توجد أبداً مسرحية فاقت التراجيديا المعروفة في العالم الإسلامي باسم “الحسن والحسين”. ويذهب الدكتور محمد عزيزة، في كتابه الآنف الذكر، إلى أن الاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي في العالم الإسلامي هو التعازي الشيعية التي أعطت الإسلام الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه.
ظهر مسرح التعزية في إيران مع دخول المذهب الشيعي إليها، ويذكر ابن كثير أنه ظهر في عهد معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي (352هـ 963م)، وما إن قامت الدولة الصفوية في إيران (609هـ 1501م، وأعلنت المذهب الشيعي الإثني عشري مذهباً رسمياً، حتى اهتمت بهذا المسرح وجعلته وسيلة للترويج للمذهب الشيعي. لذلك يعدّ من الأركان والعلامات المميزة للمسرح الإيراني على مرَّ العصور؛ فهو يلقى دعماً متواصلاً من المسؤولين، وإقبالاً متزايداً من الجمهور.
يصف أحد الباحثين عرض مسرح التعزية في إيران بأنه يبدأ عندما يعتلي المنشد خشبة المسرح، ثم يدخل رجل جسيم كاشفًا عن نصف جسمه الأعلى، يهزّ عموداً غليظاً يتدلى من وسطه، ويتبعه آخر له مثل هيئته، ويتلوهم سقّاء يحمل قربةً مليئةً ينحني تحتها ظهره العاري، وهذا رمز واضح لموت الحسين ظمأ، ثم يُؤتى بنعش يتهادى على أكتاف ثمانية رجال في مقدمته حلية بديعة من نفيس الجوهر، وعلى ظهره نجم متلألئ، وتساق أربعة من أكرم الجياد المزينة، يتبعها رجال في قمصان بيض ملطخة بالدماء، يصرخون بملء صدورهم، ويمثلون أصحاب الحسين الذين قتلوا وهم يدافعون عنه، وبعد مدة تظهر للناس فرس بيضاء عليها سرج أسود وآثار الجراح، وكأن السهام رشقت في الجسم حتى كادت تخفي كل موضع فيه، وهي الفرس التي كان يمتطيها الحسين في كربلاء، ويرتفع العويل، وتنهمر عبرات الناس لدخول الحسين ونسائه وذوي قرباه، ثم يرقد الحسين مستسلماً للموت، ويحمل عليه القتلة، فيغضب المشاهدون، وتشتد غضبتهم، ويصيحون مستنكرين، ويخرجون على طورهم وصبرهم، ويتمثلون الخيال حقيقة، فيرجمون القتلة قبل أن يولوا هاربين. لذلك قلما يرضى الممثلون بالقيام بدور قتلة الحسين خشية استهدافهم بحجارة قد تهلكهم. ويعرض مشهد آخر هو حريق كربلاء، فتضرم النار في بعض أكواخ من قصب، وهناك مشهد لا يخلو من روعة، وهو مشهد جثث الشهداء وأشلائهم، ولتمثيل ذلك تحفر حفرة لمن يدفنون أنفسهم إلى رؤوسهم أو يدفنون رؤوسهم ويظهرون بعض أعضائهم، وكأن ثمة رؤوسا من غير أجساد، وأجساداً من غير رؤوس.
في العام 1970 قام المخرج الانكليزي الشهير بيتر بروك مع فريقه المسرحي بزيارة ايران. وانطلاقاً من رؤيته الاستشراقية، وإعجابه الرومنطيقي بالطقوس والأساطير والملاحم الشرقية، أبدى دهشته مما شاهده من تمثيل لواقعة الطفّ المأسوية، واسلوب عرضها، في إحدى القرى: “كانت جماهير القرية تتوقع تماماً ما سوف يحدث، وذلك لأنهم كانوا على علم بتفاصيل ما هو قادم، أما نحن فلم نعلم شيئاً، كل ما كنا قد أُخبرنا به هو أن العزاء شكل من المسرحية الإسلامية الغامضة، وأن هناك مسرحيات عدة شبيهة، وأنها تصور استشهاد الأئمة الأوائل من آل بيت النبي محمد”. ثم وصف بروك العرض بقوله: “كان الموسيقي الجالس تحت الشجرة يعزف ايقاعاً مباشراً على الطبل، ويتقدم قروي الى وسط الدائرة ينتعل حذاءه المطاطي، وقد بدأ في مظهر شجاع. كان قد وضع قطعةً طويلة من القماش الاخضر الزاهي الألوان حول كتفيه، إنه اللون المقدس، لون الأرض الخصبة، الذي يشير الى أن ذلك الشخص رجل مقدس، هكذا قيل لنا، فبدأ يغنّي لحناً يحتوي على قليل من النوتات في نمط معاد ومكرّر لكلمات لم نتمكن من متابعة معانيها، ولكن اتضح معناها في الحال من خلال صوت قد انطلق من أعماق المغني. إن الهياج العاطفي الذي كان به وهو يغنّي لم يكن نابعاً منه، بل كأنه صوت أبيه وأبيه الى آخر السلالة. لقد وقف هناك ورجلاه متباعدتان، وكان مقتنعاً بقوة تامة، بعمله هذا، وكان هو تجسيداً لتلك الشخصية التي هي في مسرحنا، دائماً بمثابة أكثر الشخصيات حيرة، وهي شخصية البطل”. وعلى رغم أن بروك لا يقدم تفاصيل للأحداث التي يحتويها العرض، فإنه يعبر عن وجهة نظره في دلالات ذلك العرض وجوهره الطقسي، واداء الممثل، واختلافه عن أداء الممثل الغربي في المسرح، فيرى أن شخصية العرض يمكن أن يُنظر اليها مثل سقوط إيكاروس في الأسطورة اليونانية، الذي حاول أن يحلّق ليصل الى الآلهة. وهو تشبيه أرى أنه في غير محله يشير الى عدم تعمق بروك في فهم أبعاد الشخصية وحساسيتها في هذه الواقعة التاريخية. لكنه في المقابل يحلل نمط الأداء برؤية ثاقبة، مؤكداً أن مشهد العزاء لا توجد فيه محاولة، من وجهة نظر مسرحية، للقيام بأي شيء بإتقان تام، فالتمثيل هنا لا يتطلب خلق شخصيات روائية بالغة الكمال، وكاملة التفاصيل، او حقيقية جداً، وإذا لم تكن ثمة محاولة للتزيين يوجد معيار آخر يحل محله: وهو الحاجة الى إيجاد الصدى الحقيقي الداخلي للنفس. من الواضح ان هذا لا يمكن ان يكون موقفاً عقلياً، او موقفاً جرى الإعداد له بوعي، بل كان في صدى الأصوات رنين واضح لعادات عظيمة. كان السر واضحاً خلف هذه التظاهرة، يوجد أسلوب حياة، وحياة كان الدين جذرها. ويفضل بروك التجربة الطقسية التقليدية لعرض “العزاء” بأدواتها الفقيرة وتقنياتها البسيطة، وفضائها الشعبي، على عرضها الاحتفالي الرسمي الذي يقدَّم بتقنيات حديثة، وإخراج مسرحي مدروس، مشيراً الى الاختلافات بين التجربة التي شاهدها في القرية الإيرانية، والتجربة التي أمر الشاه بتقديمها في مهرجان شيراز الدولي للفنون العام 1971، في محاولة منه لإعطاء العالم صورة ليبيرالية جيدة عن بلاده. لقد كان عرض المهرجان، في رأي بروك، من دون مظهر عزاء، شيئاً عادياً تماماً، بل شيئاً كئيباً خالياً من أي أهمية حقيقية، ولم يعط أي شيء. أما الذين شاهدوه فلم يدركوا كل هذا، لأنه قدّم لهم على أنه “تراث”.
ولكن هل علينا ان نعتبر وجهة نظر بروك قاعدة؟ أعني أن الطقس، كل طقس، يفقد أهميته ومغزاه وجماله حين ينقل من فضائه الطبيعي الى فضاء مسرحي، وتمتد اليه يد الفنان ومهارته وخبرته؟ ¶

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى