ثورة مصر

الكتاب الذي صدر قبل انفجار الانتفاضة المصرية وأرهص نهاية عهد مبارك ونجله

“مصر على حافة المجهول”: وثيقة حقوق المواطن
بقلم مصطفى الحسيني
نعتذر من مصطفى الحسيني، الزميل المصري العزيز، على تأخير نشر مقتطفات من كتابه الجديد ارسلها الينا وكان الكتاب لا يزال مخطوطاً في شهر أيلول المنصرم.
الكتاب، كما سيرى القارىء، يقترب من توقع بعض ما حصل لاحقاً ويعكس حالة “نهاية عهد”… هو عهد الرئيس مبارك الذي كان منشغلاً يومها بتجديد جَلِف لمجلس الشعب لا يحتمل حتى بضعة نواب معارضين.
[1]
زمان الصخب
على مدى العام 2009، عاشت مصر حياة سياسية داخلية يمكن وصفها بأنها “زمان الصخب”: يقع حدث فيتحول ما يدور من حوله إلى مجرد صخب يصعب فيه التمييز بين الحديث والصياح، ناهيك عن الصراخ، ليس من جدل. ثُم يعقبه حدث آخر، يولد صخباً على المنوال نفسه؛ الصخب يتعاقب وﻻ يتوالد ـ جديده ليس مؤدى سلفه.
في سياق ذلك الصخب، اقترح الإعلامي عماد الدين أديب “ضمان خروج آمن [للرئيس] ولأسرته”. غني عن الذكر أن تلك اللغة تستخدم في حالات المتحصنين من متخذي الرهائن ولصوص المصارف.
مجلس حكماء هيكل
شهد زمان الصخب نقلة كبرى، لم تغير من طبيعته؛ بدا أن “زمان الصخب” اكتسب قدراً مهتزاً من الرصانة، عندما دخل إلى حلبته الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، إذ تناقلت عنه وسائل إعلام متنوعة اقتراحاً لحل مسألة انتقال السلطة في مصر بعد حسني مبارك. ملخص الاقتراح الذي ولّد كثيراً من الصخب؛ أن يصدر الرئيس مبارك – ما غيره – قراراً بإنشاء ما سمّاه هيكل، “مجلس أمناء” يشرف على شؤون البلد وينظم انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً يكفل انتقالاً سلمياً للسلطة وتداولا سلساً لها فيما بعد. واقترح هيكل حوالى 40 اسماً لعضوية مجلس الأمناء.
كان العنصر المشترك بين اﻷسماء التي اقترحها هيكل أنهم جميعا من المشاهير(…) وخلت – لحسن الحظ – من نجوم موالاة إسرائيل، وكأن الشهرة هي المؤهل الوافي لتولي زمام البلاد.
رغم هذا الصخب، لم يخطر على بال حسني مبارك أن يصدر بياناً موجزاً يعلن أنه ﻻ ينوي ترشيح نفسه لولاية رئاسية أخرى كما أنه ﻻ يؤيد ترشيح أي من نجليه، حتى ﻻ يتحدث نيابة عنهما، بينما هما، بحكم عمريهما، بالغان راشدان، في نظر القانون. على اﻷقل، حتى ﻻ يسمع مرة أخرى عن “ضمان خروج آمن له ولأسرته”.
البرادعي يقتحم المسرح
في خضم الصخب السائد والذي يعلو صوته فوق صوت كل معركة، في عكس للشعار الذي رفعه جمال عبد الناصر في أعقاب الهزيمة العربية أمام إسرائيل في 1967، عاد إلى مصر الدكتور محمد البرادعي، بعد انتهاء وﻻيته اﻷخيرة في رئاسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وسرعان ما بدأت جماعة تسمي نفسها “الحملة الشعبية لمساندة البرادعي” أو هكذا تورد اسمها الصحف، تدعو المواطنين إلى تحرير توكيلات للرجل الذي لم يرشح نفسه حتى الآن لرئاسة البلاد ونفى أن تكون لديه نية ذلك، تفوضه “تغيير الدستور”، وكأن تلك الحملة لم تجد طريقة لمساندة مرشحها المفضل إﻻ بوضع قدمه على بداية الطريق إلى الديكتاتورية، وتدفعه “إلى الأمام”، وكأن المؤهل والمسوغ ﻹدارة البلد هو أن يكون الرئيس ديكتاتوراً، رغم أن الرجل سبق أن أعلن مفهومه للديموقراطية، على نحو بلغ من الوضوح ما جعل بعض المشتغلين بالإعلام، يصكون من المفهوم ما سمّوه “شروط البرادعي للترشح للرئاسة”.
[2]
أفول نجم إبن الرئيس
هل خرجت خلافة جمال مبارك لأبيه من التداول نهائيا؟ أم أنه “رُفع مؤقتا من الخدمة”؟
في خريف 2009 كان منتظراً أن يأتي الجواب على هذا في مؤتمر الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم والذي يشغل جمال مبارك فيه مركز الأمين المساعد، رئيس لجنة السياسات، حيث قد يدافع الابن وأنصاره عما بنوا عليه خططهم لمستقبلهم. كما قد يحبطهم المعارضون للمشروع من داخل الحزب: من يسمون “الحرس القديم”.
ربما يكون الأهم في هذا الشأن ما يتردد في أوساط القريبين من مركز السلطة حول معارضة أجهزة الأمن السياسي وفي مقدمها، في هذه المسألة، جهاز أمن الرئاسة، بل الرئيس حسني مبارك نفسه الذي يخشى على نجله من الاغتيال بسبب طموحه الرئاسي الذي تشجعه والدته.
من أهم المؤشرات على خروج “الابن” من حلبة التنافس على الرئاسة، ما يكرره غير مصدر من الحزب الحاكم، أن الأب هو مرشحه في اﻻنتخابات الرئاسية المقررة في العام المقبل. فإذا أكمل” الأب” مدة ولايته التالية، تكون فرصة “الابن”، قد فاتت نهائيا ﻷن “الأب” في ما يبدو ﻻ يريد مغادرة كرسي الرئاسة إلا “على ظهره”.
على السفح الآخر في المشهد السياسي المصري، لا يبدو أن ” المعارضة” قادرة على التقدم باسم مرشح واحد للرئاسة في السنة المقبلة، يأخذه الناخبون على محمل الجد، ناهيك عن قدرتها على إنجاح مرشحها، إن وجد، بل على مجرد التأثير في نتيجة الانتخابات.
لذلك يشيع في أوساط من يرصدون أوضاع مصر السياسية، خصوصا الأجانب منهم، التخوف من “فراغ السلطة” في حال خلو المشهد من الرئيس الحالي، بل يخشى بعضهم، ومنهم قريبون جداً من المؤسسة الأمنية الأميركية، من انتشار الفوضى و”انهيار القانون والنظام”.
[3]
فور وفاة عبد الناصر
فور وفاة عبد الناصر، قفز إلى سدة الحكم نائبه الوحيد محمد أنور السادات، معتمداً على حيل بيروقراطية وقانونية، تواطأ معه فيها بعض أقرب المقربين إلى عبد الناصر من المتلفعين بقميصه، ليس هنا مجال سرد تفاصيلها المعروفة إنما غير الموثقة، بحكم ما استقر من عادات إحاطة شؤون الحكم بالسرية والكتمان، وهكذا افتقد حكم السادات من بدايته أي أسس لشرعية يقر بها عامة الناس.
تذرع السادات بحالة الحرب بين مصر وإسرائيل لإسكات أي صوت معترض، تطبيقاً للشعار الذي كان عبد الناصر نفسه من ابتدعه: “ﻻصوت يعلو فوق صوت المعركة”، ثم تلفع بشعارات الحرية على خلفية الاستبداد الذي ميز 18 عاماً من حكم العسكريين باسم “ثورة يوليو 1952” لتبرير سياسات أدت إلى تجريف طاقة البلد وثرواته ونزحها إلى الخارج.
ملامح حكم السادات
تميز حكم السادات من بدايته بالسعي إلى استرضاء الفئات والقوى الاجتماعية التي كانت تضررت من السياسة الاجتماعية لعهد عبد الناصر، والقوى الخارجية التي أضرت بها السياسة الخارجية الناصرية التي قامت على عدم الانحياز في الصراع الدولي واستئصال النفوذ اﻷجنبي وتقديم العون لحركات التحرر الوطني.
احتمى السادات من التأثيرات الداخلية السلبية لسياساته تلك، بتشديد القبضة اﻷمنية على الحياة العامة كما بابتكار ما سمّاه “دولة العلم والإيمان”، التي أقامها على التحالف مع قوى الإسلام السياسي وكرسي الكرازة المرقسية – رأس الكنيسة القبطية في مصر والعالم – أهملت تلك الدولة العلم واستبدلته بمظاهر اﻹيمان وطقوسه، وفي النهاية لم يحصل السادات من تحالفه مع قوى الإسلام السياسي إﻻ على “جزاء سنمار” إذ شاركت بعض أجنحته في تنفيذ اغتياله.
انتقل الحكم من السادات إلى نائبه الوحيد محمد حسني مبارك، الذي واصل سياسات سلفه في تأكيد التبعية للخارج وخنق اﻻقتصاد الوطني بدعوى تحريره، وقمع قوى المجتمع السياسية وغيرها، متذرعاً باغتيال سلفه. ففرض على البلاد أحكام الطوارئ التي استغرقت عهده كله الذي ما زال قائماً منذ تشرين الاول 1981 حتى تاريخ هذه الكتابة. وﻻ تبدو له نهاية على اﻷفق.
ما زال حكم حسني مبارك معنا، يواصل سياسات السادات؛ مع تعديلين جوهريين: توسيع نطاق الفساد وما يحميه من قمع – أفقياً ورأسياً – وتعميق التبعية للخارج، بالذات لواشنطن وتل أبيب.
استنام نظام حسني مبارك إلى رضوخ الناس لقمعه واستبداده؛ فقد لف الرضوخ الجميع: أفراد المواطنين، حتى من يصنفون أنفسهم أو جماعاتهم “نخباً”؛ إلى ما بقي في البلد من مؤسسات “مستقلة عن الدولة” وأشباهها: الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية و”المنظمات غير الحكومية”.
مفاجأة من كلمة واحدة
إﻻ أن طمأنينة النظام تلقت في كانون الاول 2004 صدمة لم تكن تخطر له على بال: تجمع عدد قليل من المثقفين والشخصيات العامة، ليقفوا في عرض الطريق رافعين بأصواتهم وما حملوا من ﻻفتات كلمة واحدة: “كفاية”.
اختار النظام تجاهل ذلك الحدث والتهوين من شأنه. حرمه صلف السلطة من أن يدرك أنه كان كسراً لحاجز من الخوف من بطش الدولة تراكم على مدى عقود طالت حتى تحول ذلك الخوف إلى غريزة. لكن سرعان ما ظهر أثر كسر حاجز الخوف؛ تواترت في البلد إضرابات واعتصامات محركها وموضوعها مطالب عمالية حققت معظم الاعتصامات قدراً من مطالبها مع وعود بإجابة بقية المطالب.
إجمالاً، حتى تاريخ هذه الكتابة، ما زالت حركة الاعتراض على الدولة القائمة في مصر تتحرك كمن يخوض في الوحل؛ ببطء وارتباك.
ﻻ الحكم وﻻ المعارضة
ﻻ الحكم القائم قادر على البقاء، ناهيك عن تقويم نفسه، وﻻ قوى المعارضة وﻻ “الحراك السياسي” إلذي أعقب فشلها مؤهل لممارسة مبدأ تداول السلطة – الجوهر المعلن لما بات معروفاً بعنوان “الحل الدستوري”، فهل نيأس ونسلم مصير البلد إلى خراب محتوم استهدفه الحكم القائم منذ البداية، أو هو الحصيلة التي ﻻ مفر منها لما فعل؟
أم أن ثمة نوافذ يمكن أن تفتحها لمواصلة استطلاع دروب ممكنة للتغيير؟
تغيير طبيعة السلطة يستلزم نظاماً دستورياً جديداً متكاملاً. يتأسس على وثيقة تبيّن حقوق المواطن وتوفر لها الضمانات. كما يستلزم تصفية تراث اعتماد المواطنين على السلطات في ممارسة حياتهم اليومية وفي توفير احتياجاتهم الحيوية.
ما يلي نص مقترح لـ “وثيقة حقوق المواطن” يطرحها هذا الكتاب معتقداً أنها تتناسب مع أوضاع البلد وتقدر على تلبية تطلعات المواطنين.
وثيقة حقوق المواطن
[1]
وثيقة حقوق المواطن هي القانون اﻷسمى للبلاد. هي مرجع الدستور، حيث تجتمع فيها المبادئ التي يصدر عنها الدستور. ﻻ يجوز أن يرد في الدستور ما يخالفها. ناهيك عن أن يناقضها أو ينتقص من أي حق ورد فيها.
[2]
تحمي وثيقة حقوق المواطن حرمات، مجموعها هو المكونات المادية الأساسية للوطن: اﻷرض وما في باطنها من ثروات، المياه البحرية والنهرية وشواطئها. الطرق التي تربط أرجاء الوطن. هذه كلها، بمجموعها، كما كل منها على حدة، ملكية خاصة شائعة بين المواطنين جميعاً. ﻻتقبل التقسيم وﻻ التخصيص وﻻ الفرز.
ضمن هذه الحرمات يضمن الميثاق المساواة بين المواطنين جميعاً في الحصول على حق انتفاع عادل وآمن بكل منها، وما يلحق ذلك من حقوق الارتفاق؛ دون جور على الحق نفسه لسواه من المواطنين.
ضمن هذه الحرمات أيضاً. تحمي الوثيقة مكونات الوطن من الملكية الخاصة وما ينبني عليها من تداول في اﻷسواق، ومن قواعد التوريث العائلي. الحق والحاجة هنا متقابلان متساويان متكاملان.
[3]
تضمن وثيقة حقوق المواطن حرمات شخصية ثلاث: حرمة البدن الذي ﻻ يجوز التعرض له بالإيذاء على أي نحو وﻷي سبب ومن قبل أي سلطة، وحرمة الضمير وحرمة الاعتقاد، وتحميهما الوثيقة بالتحريم على السلطات أياً كانت التفتيش فيهما بأي وسيلة كانت وتعريض المواطن للضغط – أياً كان مصدره ومداه – لإجباره على التعديل فيهما أو التغيير.
[4]
يضمن ميثاق حقوق المواطن للمواطنين جميعا على قدم المساواة حريات التعبير، التواصل، الاجتماع، التنظيم، الدفاع عن النفس والحرمات والحريات، في مواجهة التعدي أيا كان مصدره، دون استثناء تعدي السلطات القائمة، أيا كانت. ويعتبر سلوكه في مواجهة التعدي دفاعا شرعيا عن النفس. هذا باﻹضافة إلى الحقوق الواردة في الميثاق العالمي لحقوق اﻹنسان وتعزيزا لها.
[5]
تضمن وثيقة حقوق المواطن استقلال القضاء عن سلطة الدولة كما تضمن نزاهته بحمايته من أن يكون مصدرا للمنفعة الفردية لأعضاء هيئاته. كما تعتبر نفقات التقاضي وكلفته حقاً متساوياً للمواطنين جميعاً يقتضونه كجزء من المقابل المشروع لما يؤدون من الضرائب.
تعتبر النيابة العامة جزءاً ﻻ يتجزأ من السلطة القضائية، تسري عليهما القواعد والأحكام ذاتها ما يؤدي إلى إخراجها من عباءة السلطة التنفيذية.
ﻻ يجوز تشريع قوانين أو نظم قضائية خاصة بفئات اجتماعية أو وظيفية بعينها مثل محاكمة الوزراء أو الرؤساء لما في ذلك من إسقاط لمبدأ المساواة بين المواطنين، وإن جاز النص على إجراءات برلمانية خاصة تمهد لوقوف هؤلاء أمام القضاء. يخضع العسكريون [في الجيش الوطني] لنظام قضائي خاص بهم وﻻ يطبق على سواهم.
[6]
باستثناء الأعضاء المنتخبين للبرلمان وما في حكمه من مجالس محلية، ﻻ يجوز إضفاء حصانة قضائية على أي منصب أو وظيفة عامة.
بعد إقرار “وثيقة حقوق المواطن” تكون المسألة هي تمكين المواطنين من ممارسة تلك الحقوق والدفاع عنها.
ماذا يعني التمكين؟ يعني تضييق مساحة سيطرة السلطة على المقومات الأساسية لحياة المواطنين، فتوسيع اعتماد المواطنين على السلطة المستبدة وتعويدهم عليه، هما أهم ركائز الاستبداد. ما نرى شاهداً عليه في سلوك الكثير من الحركات الاحتجاجية المطلبية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة. حيث تلجأ إلى مناشدة الرئيس (أو المحروس نجله) التدخل لتحقيق مطالبها، وكأن الحكم ليس هو المشكلة.
يحتاج مسعى التغيير إلى استعادة قيم أربع لها امتدادات عميقة في وجدان المجتمع: روح التطوع، وروح التبرع، والعمل الخيري العام. إلى جانب اعتزاز الناس بقدرتهم على المبادرة إلى خدمة أنفسهم. مستقلين عن الدولة.
يصدر الكتاب قريبا في القاهرة
[في حالة تأخير النشر، برجاء تغيير هذه الإشارة
إلى صدر مؤخرا في القاهرة] (أيلول 2010)

(الحقوق محفوظة:(c) مصطفى الحسيني 2010 البريد الإليكتروني: mostafaalhosseiny@ya)
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى