صفحات سورية

ملامح إستراتيجية أمريكية جديدة في المنطقة والعالم

null
ميخائيل عوض
المتغيرات الإستراتيجية العالمية وانعكاساتها على العرب والمسلمين

تتقاطع المؤشرات، والأحداث، والوقائع، وتشير إلى حقبة تاريخية جديدة يتحفز لها العالم برمته، وفي الأخص قلبه منطقة الشرق الأوسط، والعالمين العربي والإسلامي.
المؤشرات، والأحداث تعطي الدراسات، والأبحاث التي كان قد سطرها الكثير من الباحثين وتنبأت بمتغيرات جوهرية قيمة متعاظمة، وتفيد أن متغيرات كثيرة حصلت، وفي طريقها لإرساء قواعد وضوابط تفاعل بين الأمم والقارات، والمناطق على نحو مغاير لما شهده العالم لقرون طويلة.
تبدو أهم المعطيات الدالة على المتغيرات القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فالولايات المتحدة مازالت دولة قائدة، تترك تطوراتها وخياراتها الإستراتيجية الواعية أو الاضطرارية بصمات وتأثيرات عملية على كل ما يجري في العالم وخاصة في منطقتنا وبيئتها.
مؤشرات الولايات المتحدة الأمريكية :
–    الصعود المشغول للمرشح اوباما، وحصول ما يشبه الإجماع عند المراقبين، ومؤرخي الانتخابات الرئاسية، واستطلاعات الرأي على رجحان احتمال توليه الإدارة الأمريكية.
–    عزلة إدارة بوش بعد إقصائها عن السياسات الخارجية والعسكرية من قبل  المؤسسة الحاكمة الممثلة بوزير الدفاع غيتس، والشروع بتطبيق تقرير بيكر هاملتون.
–    الحيوية الشعبية الأمريكية في الانتخابات الرئاسية، ودور المهمشين والشباب، وظاهرة التمويل الشعبي لاوباما بدل الشركات ورؤوس الأموال..
–    تراجع وانحسار نفوذ المحافظين الجدد، وتصدعهم، ونهوض حملة شعبية وإعلامية واسعة ضدهم، وضد اللوبيات وفي طليعتها الايباك.
–    ضغط الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها سياسات الإدارة الأمريكية البوشية، وبلوغها مرحلة التأثير على الانتخابات والتوجهات الأمريكية، وتضافرها لمرة نادرة مع قضايا السياسات الخارجية والتورط العسكري خاصة في الشرق الأوسط.
–    سيادة مناخ عام لدى النخب الأمريكية يجزم بتراجع السيطرة الأمريكية على العالم، وسقوط النظام الأحادي القطبية، وقيام نظام عالمي متعدد، وصعود ظاهرات الإقليمية الجديدة، منها دراسات لرتشارد هاس ” سقوط الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط”، واولبرايت، وكونداليز رايس ” محاضرتها نهاية 2006 عن السياسات الخارجية في عالم مضطرب ” ومقال كسينجز ” الثورات الثلاث”، وجيمي كارتر،  ونبوءة ايمانويل فاليرشتاين أن يعيد العراق هيكلة أمريكا نفسها، والاهم تقرير بيكر هاملتون الذي أعدته نخبة أمريكية تمثل المؤسسة الحاكمة وقد خلص إلى توصيات تقر بتراجع الهيمنة والنفوذ الأمريكي وباستحالة تحقيق الهيمنة على الشرق بالقوة العسكرية والعدوانية، وتضع إستراتيجية جديدة للإدارة الأمريكية في العراق، وفلسطين، ومع العرب والمسلمين.
–    حصول متغيرات نوعية في توازن القوى الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في المؤسسة الحاكمة والمقررة وتكتلاتها الاقتصادية، لجهة تراجع حجم ووزن قطاعات نصبت بوش رئيسا، منها قطاع الهاي تكنولوجي الذي انهار وتحول السبق فيه لصالح أسيا و أوروبا، وانفجار فقاعة الأسهم وتراجع حضور ول ستريت، وانفجار الفقاعة العقارية وإفلاس كبريات المصارف، وصناديق التمويل، والرهونات العقارية وتدهور في موقع وسلطة قطاع المال والمصارف، التأمين، إلى استنفاذ قطاع التصنيع الحربي فرصته بعد أن كلفت الحروب والمغامرات الأمريكيين مبالغ هائلة دون أن ينعكس إنعاشا للاقتصاد، وتاليا سقوط نظرية تصدير الأزمات ومعالجتها بالحروب فسمة الحروب الجارية هي تورط أمريكي أحادي مقابل قوى مقاومة وفي حروب لا متناظرة مؤداها  تدمير الثروة والمدخرات الأمريكية والمزيد من المديونية، والتوترات الاجتماعية.
–    في تطورات نظم العولمة، وفروعها الاقتصادية، والياتها، جرت متغيرات هيكلية على النبى الاقتصادية العالمية وفروع الاقتصاد ودور القطاعات، والقوى، فقد أنشأت الشبكة العنكبوتية مراكز قوة اقتصادية طرفية، على حساب احتكار المركز لقرون سبقت، فالقوة الاقتصادية تتحقق بفعل الجغرافية الاقتصادية، والموارد، والأسواق والأموال، واقتصاد البشر والشباب” في الغرب عجز بيولوجي، وعجز عن احتكار التكنولوجيا” ما ينعكس تغييرا في توازنات القوى العالمية، فمنطقة كالخليج، واقتصاديات آسيا، أو ما يصطلح عليه اقتصاديات دول الجنوب باتت الأقوى والأقدر على الاستمرار والتطور، والنمو، ومواجهة الأزمات وتجاوزها، بما في ذلك تمويل اقتصاد دول الشمال والحؤول دون انهيارها الدراماتيكي”65% من عجز الموازنة الأمريكية تحملتها آسيا والخليج هذه السنة”، وشركات النفط الأمريكية فقدت شعبيتها بسبب مسؤولياتها عن الحروب، والإعفاءات الضريبية، وتدمير شبكات الأمان الاجتماعية، والإفساد في الإدارة الأمريكية، وعن السياسات الأمريكية لإدارة بوش ممثل تلك الشركات، والارتفاعات الجنونية لأسعار النفط، والمواد الغذائية وكذا ممثليها في الإدارة.
–    في الولايات المتحدة ذاتها يجري الحديث عن متغيرات في توازن القوى الاجتماعية فمع نفاذ هيمنة العنصر الانكلو ساكسوني، وافتقاده للجاذبية، والقدرة على احتكار السلطة، ومع اختلالات الاقتصاد الأمريكي، ونتائج السياسات الاجتماعية التي كشفها إعصار كاترينا، والاعفاءات الضريبية للشركات وكبار المتمولين والمضاربين، وتصفية شبكات الأمان الاجتماعي وتخلف التعليم، والصحة، والبنى التحتية، والحجم الفلكي للمديونية، اكتسب تقرير ديفيد ولكر مراقب الدولة قيمة ومصداقية عالية” التقرير الذي قرر أن أمريكا تقف على منصة محترقة كالتي وقفت عليها روما عشية انهيارها”.
ما هو طاف على السطح في أمريكا، وقد أطلق عناصره الكثيرة، ولفت النظر إليه، صعود اوباما الصاروخي، كان قد تأسس منذ زمن، وكان قد تنبأ به الكثيرون، وكتبوا عنه باستفاضة عند انتهاء الانتخابات الأمريكية عام 2000 والآلية التي حسمت بها، وصفها المتابعون “تلك ساعة التأريخ لبداية سقوط النموذج الأمريكي” وذهب آخرون إلى اعتبارها مؤشرا قويا على تفككك الولايات المتحدة على الطريقة السوفييتية، كذلك اعتبرت أحداث 11 أيلول بمثابة نذير بيوم القيامة، ومؤشر قاطع على تداعي وبداية سقوط الإمبراطورية الأمريكية بدءا من انهيار وتداعي رموز قوتها” البنتاغون، وبرجي التجارة العالمية” .
في البيئة ا لعالمية وتوازن القوى مؤشرات ذات أهمية منها:
–    الصعود السريع لآسيا وعمالقتها الثلاثة/ روسيا/ الصين/ الهند، وتفاعلها مع اليابان، وتشكيلها منظمة شنغهاي التي تتسع، وتأخذ طابع القوة الإقليمية المنسقة، ما يجعلها قادرة على احتلال الموقع الأول عالميا على الصعيد الاقتصادي والعسكري.
–    صعود دول طرفية من الجنوب،كالهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، وتقدم دور وفاعلية النفط والمال والسوق العربية والإسلامية.
–    تداعي الهيمنة الأمريكية على أمريكا الجنوبية وتسارع تحررها وانعتاقها، وتشكلها في ظاهرة إقليمية متنازعة مع أمريكا ودورها ووسائط سيطرتها التقليدية.
–    تكاثر المؤشرات على إعادة تعويم وتعزيز دور الاقتصاد التقليدي، الإنتاجي “الزراعة والصناعة” وبيئاتها العملية في بلدان الجنوب على حساب قطاعات الاستهلاك والخدمات التي ميزت الاقتصاديات الأمريكية والأوروبية لأربعة عقود بعد أن استنفذت قدراتها واستهلكت مدخرات ومنتجات العالم، وناتج ثورات التكنولوجية والتقانة.
–    استنفاذ تأثيرات انهيار الاتحاد السوفيتي والتحاق بلدان العالم بأمريكا، وما وفرته من الفورات المالية، والعلمية، والموجة الليبرالية والتخصيص.
–    استيقاظ الجنوب الاستهلاكي ومزاحمته على الموارد وبدء رحلة نضوب الموارد النفطية والغذائية ودورات الاضطراب التي دخلتها معظم بلدان العالم .
–    تأكدت هزائم أمريكا وسياساتها واستراتيجياتها التي اعتمدت مع إدارة بوش، وتراجعت
قدرة أمريكا وأوروبا على تحمل أعباء استمرار المغامرات والحروب التي فقدت مبرراتها وجدواها وأخذت تنقلب نتائجها في صالح الشعوب وقوى التحرر، وكرست ظاهرة انتفاء الأمم الإمبراطورية” مقال الثورات الثلاث لكيسنجر”.
– يتوقع الكثير من المتابعين للانتخابات الأمريكية، والحيوية السياسية فيها، ودرجة انخراط الشعب الأمريكي، وخطاب اوباما التغييري، أن تكون هذه الانتخابات مناسبة لدورة أمريكية جديدة تشهد على تبدلات حادة في الاستراتيجيات الأمريكية بإزاء الخارج وفي الداخل، نلفت إلى ما جاء في مقال تحت عنوان: مع أوباما هل تبدأ دورة تاريخية جديدة لجيري هارت سيناتور ديمقراطي سابق، يقول: أدت هيمنة قضايا العرق والمرأة على الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية، إلى صرف النظر عن القضية الأهم فيها على الإطلاق، ألا وهي احتمال تدشينها لدورة جديدة من دورات التاريخ الأميركي. وعادة ما ارتبطت فكرة الدورات التي تتحرك في نطاقها السياسات الأميركية، بالمؤرخ آرثر شيلزنجر، إلا أنها تعود في الواقع إلى عهود سابقة له بكثير. فقد لاحظ رالف والدو إميرسون أن تاريخنا السياسي يتأرجح ما بين لحظات الذاكرة والأمل والمحافظة والتجديد والابتكار. بينما كان يعتقد هنري آدامز بوجود فترة 12 عاماً هي التي حددت إيقاع بندول الساعة الفاصلة بين فترات الآباء المؤسسين. وفي استعارة له من والده المؤرخ، قدّر شيلزنجر أن تكون مدة الذبذبة الفاصلة بين حقب النشاط العام، وتلك المعبرة عن المصالح الخاصة، ما يقارب الـ30 عاماً على وجه التقريب. لكن ما هو أكثر أهمية من طول هذه الفترات أو قصرها، هو أن التذبذب بين ما أطلق عليه شيلزنجر اصطلاحي “فترات الإصلاح” و”فترات المحافظة”، له وجود فعلي في الواقع. وفيما لو حددنا اعتباطاً عهد الرئيس الأسبق فرانكلين دي روزفلت ما بين 1932-1968 وعهد الرئيس رونالد ريجان ما بين الأعوام 1968-2008، فإن دورة جديدة من دورات التاريخ السياسي الأميركي توشك على الانطلاق الآن.
ينبغي لمساعي السيناتور باراك أوباما، الرامية لبدء الدورة السياسية المقبلة من التاريخ الأميركي، أن تشمل ثلاثة عناصر أساسية. أولها تحديد مفهوم جديد للأمن القومي،ثانيها ضرورة انتقال الاقتصاد الأميركي من النمط الاستهلاكي إلى الإنتاجي. وثالثها إعلاء مسؤوليتنا الأخلاقية إزاء صيانة الحياة في كوكب الأرض، وجعله متاحاً لخير الجميع ورفاهيتهم.
وفي وسع هذه الأفكار وسواها أن توفر التفويض الشعبي اللازم لبدء دورة جديدة من دورات السياسة الأميركية المقبلة، وكم صدق الأميركيون ذلك أنهم قد أدركوا بمحض غريزتهم، أن السياسات القديمة والأحزاب والسياسات البالية، قد افتضح أمرها وأنها لم تعد تمت بأدنى صلة إلى حقائق حياتنا الثورية المتحولة دوماً، وإلى مستقبل بلادنا. على أنه يلزم القول ختاماً إن دورة التاريخ الأميركي الجديدة هذه لم تتحدد معالمها بعد، وإنها لا تزال بانتظار قائد قومي ملهم وقادر على رسم دور جديد للحكومية الأميركية في الداخل، فضلاً عن تحديد مكانة أميركا ودورها في المسرح الدولي لعالم القرن الحادي والعشرين” يمثل هذا المقطف ذروة التفكير بدنو حقبة جديدة أمريكية وما تخلقه من تأثيرات عالمية.
مؤشرات في المنطقة العربية:
–    تسارعت الجهود لإطلاق عجلة التفاوض مع إسرائيل على أساس الاشتراطات السورية، وهذا ما كان ليحصل في إسرائيل لولا تغطية من المؤسسة الحاكمة الأمريكية، ووجود قوى دافعة ليست إسرائيلية فحسب، إلى دخول إسرائيل مرحلة التوتر السياسي تمهيدا لتغيير في إدارتها تتناسب مع ما سيكون في الإدارة الأمريكية، والاستراتيجيات الجديدة.
–    تسارعت جهود الانفتاح الأوروبي وخاصة الفرنسي على سورية وأيضا ما كان ليكون لولا ضوء اخضر من المؤسسة الحاكمة الأمريكية، أما القول أنها محاولة ساركوزية لاحتلال مكانة في منطقة الفراغ، أو للاستثمار في الانكفائية الانتخابية الأمريكية فهذا يحتاج إلى تدقيق ونقاش معمق.
–    العروض السخية الأوروبية الأمريكية لإيران وفيها إقرار واعتراف بدور إقليمي اقتصادي، وسياسي، وعسكري وازن ومقدمات قبول لها في النادي النووي الدولي.
–    المفاوضات الجارية بين البتناغون وإيران للتهدئة في العراق، واستعجال توقيع معاهدة أمريكية عراقية، والسماح للشركات العالمية باستثمار النفط والغاز.
–    الارتباكات الحادة في السياسة الأمريكية في لبنان، وعجز فريقها العربي وعزلته.
–    الهدنة الفلسطينية الإسرائيلية في غزة وما تقرره في موازين القوى والإقرار بدور حماس والمقاومة على حساب وحدانية الاعتراف بسلطة أبو مازن.
–    التركيز الأمريكي على إفريقيا، اقتصاديا وامنيا، وعسكريا.
–    مشاريع اطلسة المنطقة العربية وخاصة الصراع العربي الصهيوني من خلال الاتحاد من اجل المتوسط، ووضع استراتيجيات لحل الصراع العربي الصهيوني بضمانات أمنية وعسكرية أطلسية، وأوروبية” إسرائيل ومستقبلها مشكلة أوروبية أكثر منها أمريكية و25% من الإسرائيليين يحملون الجنسية الأوروبية”.
–    تراجع الحملة الأمريكية، والعالمية على سلاح حزب الله في لبنان، والسعي للتقارب معه ومحاولة تكليف المهمة لدولة لبنانية مركزية قوية ولجيش يرتبط بالاستراتيجيات العسكرية والأمينة الأوروبية والأمريكية، واعتماد تكتيكات سحب الذرائع في قضية عودة الأسرى والشهداء، ونقل المزارع إلى سلطة الأمم المتحدة.
–    ما تعيشه تركيا من حالة مخاض، وكذا باكستان بعد هزيمة مشرف في الانتخابات.
هذه وتلك من مؤشرات، وأحداث، وسياسات، واقعة عمليا تفتح الأفق واسعا أمام نقاش ذو طابع استراتيجي للتعرف إلى سيناريوهات المستقبل القريب والمتوسط في المنطقة العربية والإسلامية، بدءا من التعرف إلى العناصر الأساسية في الاستراتيجيات الأمريكية والغربية للمنطقة والعالم ونرصد منها التالي:
–    يعني وصول اوباما إلى الإدارة الأمريكية تغييرا حادا في السياسات والاستراتيجيات الأمريكية في أمريكا، وفي العالم، وخاصة في المنطقة العربية والإسلامية وفي حال لم يصل بسبب مؤامرة تنفذها كتل معارضة في المؤسسة الحاكمة الأمريكية فستتشكل ظاهرته قوة حاضرة حافزة لسياسات جديدة ومعيقة لاستمرار السياسات والاستراتيجيات القديمة “الشائع في الرأي العام الأمريكي أن نجاح اوباما في الانتخابات سيؤدي إلى اغتياله أما نجاح ماكين فسيؤدي إلى تفكك أمريكا “.
–    تصعيد اوباما في الانتخابات الأمريكية يقف ورائه قوة صلبة في المؤسسة الحاكمة قد أسست لمشاركة السود والهسبانك، والمهمشين منذ ترشيح أول اسود، وما أعطي لباول من مواقع ودور كوندي اللافت في إدارة بوش، ما يفيد بأن المؤسسة الحاكمة أدركت الحاجة التاريخية لتجديد المشروع الأمريكي عبر قوى اجتماعية صاعدة.
–    يمثل تقرير بيكر هاملتون رؤية إستراتيجية شاركت في صياغتها الكتلة الصلبة في المؤسسة الحاكمة وممثليها، وتشكل مرشدا لسياسات الإدارة الجديدة أكانت ديمقراطية أم جمهورية مع رجحان أن تكون ديمقراطية لأنها الوجه الأكثر قابلية لتخديم الاستراتيجيات الجديدة.
تتحدد الخطوط الإستراتيجية للسياسات الأمريكية للعقد القادم على النحو الآتي:
*- تركيز الجهد باتجاه إفريقيا لإسقاطها تحت الهيمنة بسبب: موقعها الهام، وثرواتها بما فيها النفط، ولكونها قوة رخوة يمكن السيطرة عليها بيسر وبكلفة اقل مما تستلزمه منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، وهذا ما يفسر اختيار اوباما، ذو الأصول الإفريقية، والمولد من أب مسلم شيعي” حسين” كما كان اختيار بوش الابن، مدروسا لإتمام إستراتيجية السيطرة على الخليج العربي عبر وريث بوش الأب، وفكرة تحرر أمريكا من هيمنة نفط الشرق الأوسط قديمة ولها أنصارها الكثر منهم “توماس فريدمان”، ومطلوب أيضا التعويض عن عجز أمريكا في الشرق الأوسط، وقطع الطريق على الصين التي بلغت مرحلة متقدمة في السيطرة على ثروات ونفط إفريقيا، والصين تمثل خطرا كبيرا على الموقع الأمريكي العالمي والاقتصادي.
*- في الخليج، تقوم الإستراتيجية الجديدة على العناصر التالية:
– احتواء إيران عبر:  قبولها قوة إقليمية، وإفساح المجال لها في آسيا الوسطى، وقبولها شريكا ثانويا في العراق، وبعض الخليج لتخفيف اندفاعتها وإشراكها في النظام الإقليمي ومستلزماته.
–    التحول إلى إستراتيجية التفاوض، والتعاون الاقتصادي والأمني مع تصعيد الحملة الإعلامية والأمنية والسعي للعبث في بنيتها ” تقرير نيويوركر لسيمور هرش” و الرهان على ” الليبرالية “والقوى الاقتصادية الموالية، ففي إيران قاعدة حقيقية مجسدة بتيارات في المؤسسة الدينية، وفي البازار وغياب الرؤية لنموذج اقتصادي خاص.
–    تحصين الخليج، بالقواعد، والسلاح، وتعزيز دور دول مجلس التعاون الخليجي.
–    تظهير الخطر الإيراني على آسيا، وخاصة على روسيا من خلال تصعيد الاختلالات في الجمهوريات الأسيوية، وتصيعد بؤر التوتر لإشغال إيران واسيا معا.
–    السعي لعزل إيران عن الصراع العربي الصهيوني بمحاولة سحب ذرائع حزب الله في لبنان، احتواء حماس عبر السعودية ومصر، وفك الحصار، وإغراءات لسورية.
–    العمل على إعادة هيكلة تركيا لتكون قوة إقليمية صلبة موالية للغرب للتأثير على صعود إيران والتوازن مع سورية.
–    تصعيد التعارضات الاثنية واعتماد المنصة المذهبية والاثنية، والكردية، لإقامة قاعدة أمريكية دائمة قادرة على التأثير” بديل لإسرائيل أو رديف قوي”.
–    انجاز معاهدات مع العراق، أمنية وعسكرية، واقتصادية قبل الرحيل، وتكبير دور عرب أمريكا وتركيا ما أمكن لخلق حالة توازن مع إيران، ومع سورية، والسعي لإبقاء العراق بطن رخو وفي حالة اضطراب” أكثرت رايس التصريحات عن عراق عربي في الاونه الأخيرة”.
–    استبدال الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق بوجود محوري في المنطقة الكردية، الكويت، السعودية، الأردن، وبحر العرب، والخليج.
*- بإزاء سورية، والصراع العربي الصهيوني:
–    سحب الذرائع الوطنية والقومية من خلال السعي الحثيث لانجاز تسوية تلامس حدود 4 حزيران على الجبهات الثلاث، لبنان، سورية فلسطين، وفي الحد الأدنى في الجولان ومزارع شبعا، وقد جاء كلام ساركوزي في الكنيست الصهيوني خير دليل ” خاصة القول بالدولة الفلسطينية، والقدس عاصمة لدولتين ومعالجة قضية اللاجئين”، فانجاز التسوية مرهون بقبول المنطقة لاطلستها، وقبولها الحمايات والضمانات الدولية وخاصة الأوروبية لأمن إسرائيل والدويلة الفلسطينية.
–    احتواء سورية دبلوماسيا، واقتصاديا، بتطمينها، وتخفيف الحصار والاستعداء، وصولا إلى إعادة تفعيل عقد الشراكة الأوروبية المجمد، وتعزيز الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية مع أوروبا، والغرب، وانخراطها في الشراكة من اجل المتوسط.
–    استرضاء سورية في الملف اللبناني، والملف العراقي، والسعي لإصلاح العلاقات مع النظم الرسمية العربية الأمريكية الولاء، تمهيدا لتفعيل الجامعة العربي إن أمكن كإطار إقليمي في سياق الجهد الأمريكي الأوروبي لتطوير الإقليمية الجديدة والاستثمار فيها.
–    الرهان على التوترات الاجتماعية والاثنية في سورية، ومن خلال تأثيرا الأزمات اللبنانية، وتوتير المناطق الرخوة المحاذية للحدود ” العلوي السني في الشمال، وتحويل الشمال اللبناني لبيئة مستدامة التوتر” والعودة إلى نغمة حقوق الإنسان والديمقراطية، … والسعي للاستثمار في خطط التطوير والانفتاح الاقتصادي وتعزيز الاستثمارات الدولية، والخليجية الموالية، والهدف السيطرة بالوسائل الناعمة، والنموذج إسقاط الاتحاد السوفيتي وبلدان التوجه الاشتراكي من الداخل وعبر أدوات وقوى محلية، أو انجاز الشروط الموضوعية الكفيلة بجعل سورية قوة موالية للغرب ومشاريعه.
–    الرهان على إضعاف أوراق سورية عبر استمالة القوى الوطنية والمقاومة والنخب الحليفة لها “باسترضائها أو بسحب ذرائعها” وفي هذا السياق تفسر الهدنة مع غزة، واستعجال ملف الأسرى، ومزارع شبعا في لبنان، والسعي المركز لإقامة دولة مركزية في لبنان عمادها الجيش الموالي لأمريكا.
–    توفير بيئات ومبادرات، ومناورات تعيد تصعيد الدور المصري، والسعودي لمشاركة السوري وحلفائه” تفويض مصر بالهدنة الفلسطينية، وبالتفاوض على مزارع شبعا”.
–    تركيز الحملات الإعلامية على عناصر وأجهزة في سورية بعينها، وإشاعة مناخات عن خلافات سورية إيرانية، وسورية مع حزب الله في ملفات العراق، التفاوض، فلسطين، لبنان، العلاقات العربية العربية، سورية وفرنسا….
بالإجمال يمكن رصد المتغيرات في الاستراتيجيات الأمريكية على النحو الآتي:
–    في الشرق العربي والعالم الإسلامي: تراجع الرهان على القوة الصلبة، والاحتلالات، والسعي لتبريد الأزمات، والتوقف عن افتعال الحروب، وتراجع حرب الحضارات، والحرب على الإسلام، والإرهاب والحرب الثقافية والعمل على امتصاص النقمة الشعبية العربية والإسلامية، عبر تبريد الجبهات المسلحة وتهدئتها.
–    استبدال القوة الصلبة بالقوة اللينة والرهان على العلاقات الثقافية، والدبلوماسية، والدبلوماسية الشعبية، واختراق المجتمعات ” بأدوات كوكالة التنمية الدولية” وتفعيل المصالح الاقتصادية وتصعيد دور القطاع الخاص، وقطاعات الخدمات والاستهلاك، وخاصة القوة الليبرالية والاستثمارات الأجنبية في الدول التي كانت تسمى دول الشر.
–    تعزيز وتعميق التداخل والتفاعل والروابط الاقتصادية وإلحاق الاقتصاديات مرة ثانية بالاقتصاد الأمريكي والغربي والحؤول دون التوجه شرقا وباتجاه آسيا القوة الصاعدة، أو الاعتماد على الذات، أو الأسواق الإقليمية المتحرر من السيطرة الغربية.
بين أهم المعطيات الإستراتيجية والمتغيرات ذات الشأن والانعكاسات المباشرة على المنطقة العربية ظهور رؤية تتعمق وقد تصبح إستراتيجية حاكمة في سياسات الغرب عموما وأمريكا خاصة تكمن في : قبول القوى الإقليمية الصاعدة، والتعايش معها، وقبول صعود قوى جديدة، والسعي لاحتوائها، والرهان عليها .
قد تتوفر فرصة تاريخية نادرة لم يسبق أن توفرت للعرب، أو بعضهم في بلاد الشام والرافدين، فقد تحولت المصالح الغربية عينها التي حالت دون تشكل اطر وحدوية في المنطقة، إلى رغبة في وحدتها، اقله عدم الممانعة في وجود قوة قادرة على الإمساك بالمنطقة، يسهل التعامل معها بديلا عن الفوضى وخطر صعود الراديكالية، أو فرض إيران هيمنتها على الشرق العربي، فصعود إيران مرهون بهيمنتها على الشرق العربي والخليج ما يشكل عقدة كبيرة للغرب، وللعالم مستقبلا، وتبدو تركيا عاجز عن موازنتها، وغاب دور العراق الحاجز بعد صدام حسين الذي كان صماما مدعوما من عرب أمريكا والعالم، فاستمرار حالة التوتر، والفوضى، تجعل الحركات الراديكالية وحدها القادرة على الاستثمار في الفوضى ما يعني تشكيل قوى وعناصر وبيئات تهدد مصالح الغرب، وموارده، واستقراره، وفي الإجمال يكمن السبب الرئيسي بعجز الغرب وهزيمته في مواجهة شعوب المنطقة وقواها المقاومة والممانعة.
فالمنطقة تشكل عصبا حيويا للتأثير على توازنات القوى الدولية، والغرب مازال يملك قدرات وإمكانات، ولن يقبل بهزيمة درامية تؤدي إلى إعادة هيكلة العالم بما في ذلك إعادة هيكلة دول الغرب نفسها، لذلك يسعى لتغيير في استراتيجياته وأدواته للسيطرة وإطالتها، بالاعتماد على المصالح والعلاقات الاقتصادية، وموقعه في الاقتصاد العالمي يمثل وسيلة فاعلة لاحتواء المتغيرات والسيطرة على نتائجها والتخفيف من تأثيراتها.
ما كان في بداية القرن الماضي مضرا للغرب، وقد عمل على منع حصوله، قد يكون أهون الشرور في الحقبة الراهنة والمستقبل، لاسيما بعد نفاذ قدراته على الحؤول دون حصوله، فما المانع من التعايش معه، والسعي للاستثمار فيه.
هذا قد يكون جديد نوعي، فعجز الغرب عن احتلال المنطقة وإعادة هيكلتها، وعجزه عن الاستثمار في الفوضى، وصعود قوى إقليمية قطبية، وتجذر حالة العداء، وصعود قوى راديكالية، واهتزاز واهتراء الأدوات والقوى التي كان يستند لها، وتراجع أدوات سيطرته التاريخية وعجزها ” إسرائيل- القطرية- الأقليات- النخب والأسر الحاكمة- الشراكات الأمنية والعسكرية والاقتصادية – احتكار العلوم والتكنولوجيا- القيم الحضارية والعصرية-  المركز الاقتصادي- الصراع الدولي ومحاوره- النظم وغياب المبادرة والمشاركة الشعبية ” فالمتغيرات الحاصلة فعلا قد تدفع بالغرب للتعامل مع الجديد النوعي على قواعد أخرى بقصد احتواء المنطقة وإعادة هيكلتها وهيكلة قواها على قواعد وبنظم وبنى جديدة يفترضها مجدية، وبينها القبول والمساعدة أو الامتناع بسبب العجز أو الرؤية عن مقاومة تشكل محاور قوة ما فوق قطرية في بلاد الشام والرافدين تفيده قوة بطابع عربي في محاولة لتصعيد التعارض مع القوميات والأمم المجاورة” كلام رايس في العراق، وسعيها لدور عربي في العراق، والحديث عن عروبته”.
والجدير ذكره أن الغرب كان قد سعى دائما لإقامة نظم امن إقليميه موالية أو متعايشة كما فعل في مواجهة الناصرية والمد القومي” حلف بغداد” ثم حاول في مواجهة سورية وإيران في حلف الاعتدال العربي، وحلف الدول السبعة السنة، ومشروع الشرق الأوسط، ثم الاتحاد من اجل المتوسط .
اغلب الظن أن مصالح  الغرب تسير باتجاه تسهيل قيام قوة إقليمية عربية وازنة ويشترط أن تكون موالية أو غير معادية، أو بالحد الأدنى عاقلة تقيم للمصالح دورا حاسما في علاقاتها، هذا أيضا يفسر السعي الفرنسي للانفتاح على سورية، وتلبية شروطها في التفاوض مع إسرائيل.
إذا صحت هذه الرؤية، وتأكدت معالمها يصبح من الضروري جدا على سورية، ومحور الممانعة والمقاومة، التعامل مع الواقع، ومع سيناريوهات المستقبل برؤية واستراتيجيات جديدة تتفاعل مع المعطيات، لتحقيق أهدافها وفرض قوتها ومصالحها.
وهنا نقترح مناقشة مستفيضة لقضايا كمثل:
الجهود والرعاية الدولية جدية لانجاز تسوية للصراع العربي الصهيوني:
1-    إسرائيل دخلت الأزمة الوجودية، وفقدت كل عناصر قوتها التاريخية الإستراتيجية والتكتيكية، وباتت ناضجة لتسوية تلامس حدود 4 حزيران، وكذلك الغرب برمته فقد صارت إسرائيل مشروعا فاشلا كلفته أكثر بكثير من جدواه، هي عاجزة عن حماية نفسها وحماية مصالح الغرب، والغرب لم يعد قادرا على تحملها وتحمل أعبائها.
السؤال بالنسبة لسورية وللعرب: هل من مصلحة حقيقية بتسوية للصراع على أساس حدود 4 حزيران؟ وما هي الثمار المرجوة؟، وأية سياسات واستراتيجيات مطلوبة في هذه الحالة؟ وهل يقتصر الهدف على استعادة أراضي 67 أم يتوجب السعي لانتزاع تشكيل منظومة امن إقليمية عربية من طابع جديد كاتحاد كونفدرالي أو ما شابه لبلاد الشام والرافدين محوره سورية؟.
2-    أمريكا والغرب، يريد، وهو في طور الانكفاء والهزيمة في المنطقة والتحول إلى إفريقيا، وكلاء قادرون على ضبط الساحات المتفجرة، وتلبية مصالحه في وقف الهجرات ” واحتواء التطرف، والإرهاب، والحد من لهيب بذر التوتر” واحتواء صعود قوى إقليمية ومشاغلتها، وإجهاض الراديكالية الشعبية، هل لسورية مصلحة؟ وأين تتقاطع مع مصالح الغرب؟ وما هي إمكانياتها  العملية للاستثمار في الواقع الجديد؟ أية سياسات وأية مبادرات مطلوبة؟؟؟.
3-    الغرب وأمريكا يستعيض عن الاحتلال المباشر، والغزوات، بسعي للسيطرة بطرق واليات حديثة “الاستعمار الجديد” عبر الشبكة العنكبوتية، والعولمة وقواعدها ومؤسساتها، واليات الاقتصاد العالمي، و أولوية المصالح والتبادل الحر من جهته، والتدخلية الناعمة، ولعب دور القائد القاطر وليس المتحكم قسرا، هل يمكن لسورية إن تتساوق مع الجديد؟ كيف تدير الصراع؟ ومن اجل ماذا؟ وبأية وسائل وتوجهات؟ أي نموذج اقتصادي تعتمد؟ أي ضوابط للاستثمارات الأجنبية؟ أية علاقات اقتصادية مطلوبة، وممكنة؟
4-    العالم المتعدد القطبية متنافس، غير محترب، تلعب فيه المصالح الاقتصادية وقطاعاتها كأدوات للصراع، والمنطقة جغرافيا اقتصادية حاكمة يتطلع الغرب لقوى فيها متحالفة جديدة غير تلك التي هرمت وأصبحت عاجزة وتحولت إلى عبئ فمن غير المستبعد أن تلجأ أمريكا مرة أخرى إلى الجيوش وتطوير دورها في قيادة النظم وتوليد الطبقات السياسية الجديدة الحليفة، ماذا يمكن أن تستفيد سورية من تلك المحاولات؟ وكيف تكون قادرة على التفاعل مع تغييرات ينشدها الغرب في النظم العربية الموالية قد تفتح ثغرات تفسح بالمجال لمتغيرات نوعية ” مصر- الأردن- اليمن- السعودية” فالمرحلة شبيه بمرحلة الخمسينات والستينات مع تبدل القوى والظروف؟ .
باختصار:
المنطقة وخاصة بلاد الشام والرافدين تحتل مرتبة متقدمة في الحدث الإقليمي والدولي، وتتسبب بإعادة هيكلة السياسات، والاستراتيجيات الغربية والأمريكية، وتبقى إلى حين بيت قصيد المشروع الغربي وتحولاته.
أدوات السيطرة الغربية السابقة تنهار، وتفقد قدراتها، والغرب جاد بعدم الانسحاب من المنطقة خالي الوفاض.
أمريكا تتحفز لتغيير جدي في استراتيجياتها وأدواتها في المنطقة، يمكن تلمسها والتعرف اليها،  وتجري عملية تأهيل المنطقة الآن، وقبل الانتخابات الأمريكية بحيث تكون الانتخابات وتركيب الإدارة الجديدة صفارة إطلاقها ووضعها موضع التنفيذ.
الزمن ينفذ، والمتغيرات حاسمة وسريعة، والعمل بروية ورؤية جديدة بات واجبا فورا وبلا إبطاء.
بيروت 3-7-08

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى