صفحات سورية

بعد اغتيال العميد محمد سليمان.. من هو الضحية السورية التالية؟

null
الطاهر إبراهيم
أيا يكن القاتل المجهول الذي قتل العميد “محمد سليمان”، لحسابه أو لحساب غيره! وأيا تكن الأسباب التي دفعت هذا القاتل لينهي حياة القتيل!. وأيا كانت الجهة التي تقف وراء القاتل ليقتل لحسابها، لأسبابها الخاصة. فإن الأمر لن يمر على قادة النظام السوري مرور الكرام، وعلى هذه القيادة أن تعيد حساباتها في كل شيء يتعلق بملابسات القتل وحيثياته.
من المقدمة السابقة تثور أسئلة عدة يتوجب على من يتصدى لتحليل ما يحدث على الساحة السورية أن يسألها ويحاول أن يجيب عليها، من مثل: من باشر قتل العميد “محمد سليمان” لحسابه؟ وإذا كان القتل نفذ لحساب جهة أخرى ولم يكن القاتل إلا الأداة التي نفذت القتل، فمن هي هذه الجهة؟ وسواء أكان القاتل يعمل لحسابه أو هو أداة لتنفيذ القتل، فما هي الدوافع التي حدت بالقاتل أو بالمجموعة المخططة لتصفية العميد “سليمان”؟
وإذا كان النظام عادة ما يتهم إسرائيل في كل اغتيال يحدث في لبنان لدفع التهمة عن نفسه. وإن عادة إسرائيل ألا تنفي التهمة عن نفسها في حوادث مشابهة – كما هو الحال مع اغتيال عماد مغنية – وقصارى الأمر أنها تسكت. إلا أنها في حالة العميد “سليمان” فقد نفت بلسان المتحدث الرسمي باسم رئيس وزراء إسرائيل “مارك ريجيف” أن تكون وراء القتل فقد قال: ((إننا لم نفعلها. هذا خروج على القواعد. بالطبع الاغتيالات تحدث – هل هذه إشارة إلى قتلها عماد مغنية؟ – لكن اغتيال عميد في الجيش السوري في بلده، هي أقرب إلى إعلان حرب، ونحن لا نريد حرباً مع سوريا، نحن مشغولون بالحديث معهم)).
وإذا فرضنا جدلا أن القيادة السورية غير مشتركة في القتل، – هذا هو اعتقادنا كما بيناه في مقال سابق – (وهذا الفرض أسوأ مما لو كان النظام هو من قتل العميد “سليمان”، لأنه يظهر وكأن النظام “نائم على أذنه” يُقْتَل أحد أهم ضباطه وهو لا يدري عن الأمر شيئا؟). فإن هذا الفرض يكشف إلى أي مدى أضحت هذه القيادة بعيدة عما يدور في صفوف قيادات النسق الثاني في النظام. وهذا يطرح سؤالا آخر يدور حول مقدار سيطرة الرئيس “بشار أسد” ومعاونَيْه: “ماهر أسد” قائد الحرس الجمهوري و”آصف شوكت” صهر الرئيس، رئيس شعبة المخابرات العسكرية، على ما يجري في سورية؟
ويأتي تصريح “بثينة شعبان” حول ملابسات اغتيال العميد “محمد سليمان”، مستشار الرئيس الأسد الأمني ومستودع أسراره: “أن الذي اغتيل في طرطوس مجرد قتيل وضابط عادي”، ليلقي بظلاله على الحدث ويزيده غموضاً، ويعيد خلط الفرضيات التي تم تداولها حول مقتل العميد “محمد سليمان”.
ويصبح الأمر أكثر خطورة، إذا اقتضى حدوث هذا الاغتيال، أنّ نواةً تتشكل داخل قيادات النسق الثاني في النظام، لسحب البساط من تحت أقدام المجموعة الحاكمة ومِن ثمّ القفز إلى السلطة. وفي هذا السياق نذكّر بما كتبه الباحث الإسرائيلي “كوليك أمير” في معهد “أبحاث الأمن القومي” في مقالة نشرها له المعهد في عدد “أغسطس” الجاري خلص فيه إلى نتيجة هامة عندما قال: ((إن الاغتيال يحمل معنىً مقلقاً، إذ إنه يؤشر إلى احتمال وجود جهات حول الرئيس لا تدين له بالولاء، وبوجود صراعات على القيادة)).
لا يستبعد المراقبون النتيجةَ التي توصل إليها الباحث الإسرائيلي “كوليك أمير” إذا علمنا أن قيادات النسق الثاني في النظام هي التي تتعرض للخطر المباشر الجسيم لأنها تحمل وظيفة حماية النظام ممن يتربص به من الدوائر. وهي بعد ذلك تجد أن المنافع تُغْدَق على غيرها ممن يحيط بهرم السلطة، ولا ينالها هي منها إلا النذر اليسير. ما يجعلها تحمل في نفوسها فكرة “أن تشب عن الطوق”، لتكون هي التي تقبض الثمن.
وإذا سلمنا بوجاهة بعض هذه الأسئلة، وأن هناك من يعمل داخل النظام السوري لحسابه الخاص، فردا كان أو جماعة، فإن الذين يقومون بهذا العمل يقتضي منهم ذلك إزاحة بعض أعمدة النسق التي تحيط بدائرة القيادة وتدافع عنها أسميناها “النسق الثاني”. وإذا كان ذلك كذلك، فمن هو الضحية التالية المستهدفة بعد العميد “محمد سليمان” إذن؟
يبقى أن نقول أنه إذا كانت المناصب مغرية، إلى الحد الذي يجعل أصحابها ينسون الآلام والرعب الذي يزرعونه في نفوس من يأتي في طريقهم فيعتقدون أن لا استقرار النظام الحكم إلا في شطب هؤلاء، ما يجعلهم يزيحونهم بكل قسوة. فمما لا شك فيه أنه سيأتي اليوم الذي سيدفع فيه هؤلاء الثمن. وسيكونون هم الضحية التالية كما حصل مع العميد “محمد سليمان”، وسيقال في حقهم بعد أن يزاحوا من الطريق كما أزاحوا غيرهم: (من ينام “هكذا” نومات فسيرى “هكذا” منامات). فهل من متعظ بمصارع الآخرين؟
كاتب سوري
أخبار الشرق – 18 آب/ أغسطس 2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى