صفحات مختارة

: ألـــف بـــاء الــحــكـــم “في السلطة، تاريخ نموها الطبيعي” لبرتران دي جوفنال

خالد غزال
احتاج المجتمع البشري منذ نشوئه الى السلطة وسيلة للمساعدة في ادارة شؤون البشر وتدبيرها، وقد تنوعت السلطة وتعددت اشكالها وفقا لدرجة التطور الاجتماعي وطبيعة تركيبة المجتمع، فتحولت من فردية الى سلطة ملكية، وصولا الى سلطة ذات طابع ديموقراطي. لا تزال المناقشة حول السلطة في طبيعتها وحدودها ومدى تناسبها مع الواقع والقيم الاخلاقية والعدالة الانسانية مطروحة بقوة في جميع الانظمة السياسية، أديموقراطية كانت ام استبدادية، ولا يتوقع لهذا السجال ان يتوقف، بل على العكس تطرح التطورات السياسية والاجتماعية ومعها الثورة التكنولوجية ومفاعيل العولمة على جميع المجتمعات مناقشة متجددة للسلطة من جميع جوانبها. يشكل كتاب برتران دي جوفنال “في السلطة، تاريخ نموها الطبيعي”، ترجمة أنطون غطاس كرم (دار النهار للنشر)، مساهمة جادة حول طبيعة السلطة وتطور مسارها منذ القدم حتى اليوم.
في رصد بعض العوامل الرئيسية لتمكين السلطة من السيطرة، يعتبر الكاتب ان علاقة جدلية تقوم بين السلطة والحرب، حيث يعطي كل طرف الاخر قوة يحتاج اليها. فالتهديد بالحرب واستنفار البلاد تحت وطأة التهديد بالأخطار المقبلة يفرض اعطاء السلطة القائمة امتيازات استثنائية في توظيف مقدرات البلد للتجييش المطلوب واستحواذ الحكم القائم على صلاحيات خاصة تضرب بعرض الحائط القيود التي تكون مفروضة على السلطة بموجب فصل السلطات، وتؤدي الى الغاء الكثير من المكتسبات التي يكون الشعب حققها في سياق نضالاته من اجل الحرية والسيادة. باتت ذريعة مواجهة الاخطار العامة من افضل الوسائل لتقوية سلطة الدولة وتوسيع نطاقها بما يتجاوز القوانين الناظمة لها.
يتطرق دي جوفنال الى ابرز النظريات او المفاهيم المتعلقة بالسلطة ويضعها ضمن ثلاث منظومات رئيسية، تتناول السلطة الابوية التي تعتبر الاولى في التاريخ البشري منذ القدم وحتى القرن التاسع عشر. يعتبر المفكرون السياسيون والاجتماعيون ان الاسرة هي اصل المجتمع والخلية الاولى في البناء الاجتماعي، وبحكم وضعها خضعت لسلطة الاب على وجه الاجمال، كما خضعت في بعض المجتمعات الى سلطة الام. وعندما تطورت هذه المجتمعات اتخذ تطورها الشكل التجميعي للاسر في قبائل وعشائر وتجمعات كرست السلطة الابوية هذه المرة لشيخ العشيرة او القبيلة او الجماعة. كان لتداول السلطة في هذه المجتمعات اعرافه الخاصة التي توافق عليها  المعنيون في هذه الفئات،  وترتب على هذا النوع من السلطة مفهوم سياسي نظري اطلق عليه اسم “السلطة البطريركية”، وهو تعبير يستخدم اليوم في وصف طبيعة السلطة القائمة في مجتمعات العالم الثالث.
المنظومة الثانية للسلطة تلك المستندة الى السيادة الالهية في تشريعها وتبرير وجودها. يستمد الحاكم، أدينيا كان ام مدنيا، سلطته مباشرة من الله، مما يعني امتناع الشعب عن محاسبته او استبداله. صنفت هذه السلطة بأنها مطلقة نظرا الى عدم وجود مؤسسات تحد من اطلاقيتها، وامتدت السلطة القائمة على الحق الالهي قرونا، وعرفتها المجتمعات الغربية التي سادت فيها سلطة البابوات المسيحيين الذين لعبوا دورا اساسيا في تعيين الحاكم او عزله وإسباغ المشروعية عليه او نزعها عنه. كما عرفتها ايضا المجتمعات الاسلامية منذ سيطرة الامويين على السلطة في العصر الاسلامي الاول وصولا الى العصر العثماني، وذلك تحت اسم الخلافة المستمدة شرعيتها من الله. لعب الاصلاح الديني على يد لوثر في القرن السادس عشر دورا مركزيا في تحطيم هذه السلطة ونزع المفهوم الالهي عنها لمصلحة السلطة المدنية. افاد العديد من ملوك اوروبا من اطروحات لوثر ومارسوا تحديا لسلطة الكنيسة وصراعا مع مؤسستها استمر حتى القرن التاسع عشر. اما في المجتمعات الاسلامية، فظلت المناقشة خجولة في عصر النهضة الاول، ولم تستطع ممارسة تأثير في المجتمعات الاسلامية ما عدا الغاء الخلافة على يد مصطفى كمال في تركيا. في كل حال يشهد العالم الاسلامي اليوم ردّة الى خلف تعود الى قرون من الماضي حيث يؤدي انبعاث الاصولية وقيام انظمة اوتوقراطية الى احياء مناقشة تدفع بضرورة قيام السلطة استنادا الى الحق الالهي.
اما المنظومة الثالثة للسلطة فهي المستندة الى السيادة الشعبية، حيث تنبع السلطة من الشعب مباشرة وتخضع لمحاسبته بما في ذلك استبدالها. يطلق على هذه السلطة مفهوم الديموقراطية الذي تنوعت معطياته ومبادئه وفقا للتطور الاجتماعي والسياسي في البلدان التي اعتمدته. ترتبط نظريات الديموقراطية بعصر النهضة اولا وبالاصلاح الديني الذي عرفته اوروبا منذ القرن السادس عشر. لكن تكوّن النظرية ودخولها سلاحا في الحركة السياسية والشعبية انتظر عصر الانوار في القرنين السابع عشر والثامن عشر على أيدي مفكرين وفلاسفة من امثال جون لوك وفولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو وغيرهم من الذين اعطوا مفهوم الديموقراطية ابعاده السياسية بما هي نظرية في حقوق الانسان والحرية والعدالة والمساواة. تبلورت نظريات الديموقراطية لاحقا وتكرست في فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وفي قيام مؤسسات الرقابة الشعبية. دفع فلاسفة الانوار ثمنا باهظا في نشر افكارهم من خلال تصدي السلطة الكنسية والحكام المستبدين المتواطئين معها ونال كثير منهم اضطهادا ماديا ومعنويا.
لكن الفكر السياسي سبق له وعرف نوعا من النظرية في السلطة تدعو الى أن يتولاها الفلاسفة بصفتهم اعقل البشر واكثرهم ادراكا، وهي مفاهيم قال بها افلاطون في العصر الاغريقي واعاد تأكيدها الفيلسوف الاسلامي الفارابي. لم يجد هذا النمط من الدعوة اي تناقض بين تعاون الفيلسوف والطاغية، حيث يرى الفيلسوف ان القوة المستبدة تتوافق مع الهدف الذي يسعى اليه الفيلسوف في نشر افكاره وتحقيقها. اذا كانت النظرية ظلت هامشية ولم يتسنَّ لاي فيلسوف ان يتولى السلطة للتحقق من كيفية ادارته لها، الا ان التاريخ يشهد على تأييد فلاسفة لسلطات استبدادية، وقد ظل هؤلاء على تأييدهم للسلطة الى ان كفت السلطة نفسها عن الاخذ بمبادئهم فتحولوا الى شتمها والدعوة الى الخلاص منها.
تميل المجتمعات المتقدمة اليوم الى تقليص السلطات والحد من سيطرتها على المجتمع، ويتركز نشاط القوى السياسية على مزيد من الحريات وتحقيق الديموقراطية على اوسع نطاق. هذا في المجتمعات المتقدمة. اما في عالمنا العربي، فلا تزال السلطة موزعة بين كونها بطريركية او فردية او عائلية او عشائرية، كلها تقوم على الاستبداد ومصادرة المجتمع ببشره ومؤسساته وتكريس موارد البلاد في خدمة سلطتها ومن خلال بناء اجهزة امنية تقوم وظيفتها الرئيسية في تأمين سلطة الحاكم وقمع الشعب والتصدي لكل معارضة له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى