صفحات أخرىمسعود عكو

تعدد الزوجات بين الشريعة والمجتمع

null


مسعود عكو

مجرد الخوض في غياهب التشريعات الإسلامية، والقوانين الدينية المسننة من خلال القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والاجتهاد، والقياس، والتي من شأنها تنظيم الحياة في المجتمع الإسلامي، يعتبر مسألة في غاية الصعوبة، والحساسية؛ فقد تواجه بسلسلة من الاتهامات بخرق الشارع الديني تصل حتى التكفير،
وتطبيق العقوبة الرادعة بحق ذلك الباحث، والتي يجب أن لا يتخذ برأي واحد في التشريع لما للقرآن، والسنة من صفة التفسير الملائم لكل وقت، ولكل زمان، فالذي كان يعمل به في بدايات الإسلام، وبعد أن تم ضبط المجتمع، وفق الأحكام الإسلامية قد لا يجدي نفعاً الأن، أو بمعنى أدق يجب أن يفسر بطريقة أخرى أكثر تلائماً مع واقعنا اليوم.

سلسلة من الأحكام الشريعة، والمباحات التي كانت سارية المفعول في زمن الرسول، وحتى خلفائه الراشدين، واجهت وقف العمل بها، وذلك لتطور المجتمع الإسلامي، أو لوجوب ضرورات تبيح تلك المحظورات، أو عدم نفعها للمجتمع الإسلامي من وجهة نظر الفقهاء، فاسترسلوا في حجبها، ومن ثم منعها تدريجياً.

الأمثلة كثيرة في هذا المنوال، وقد يكون زواج المتعة، والذي حرمه الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحد أعظم الأمثلة رغم أنه مباح عند الطائفة الشيعية من المسلمين، ولكنه محرم عند كل المذاهب السنية على أجمعها، ووقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضاً، العمل بعقوبة قطع اليد إلى الرسغ للسارق، وذلك في عام الجوع، والذي أرهق المسلمين، ومات في ذلك العام الكثير من الصحابة، فأوقف خليفة المسلمين أحد أهم الأحكام الشرعية في الإسلام، والتي قال فيها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، كما أن معظم المسلمين في العالم قد أوقفوا العمل باقتناء العبيد، والآمات رغم أنه جائز شرعاً، ولم يحرم الرق بنص قرآني واضح، أو حديث نبوي صريح مع ذلك فقد منع اليوم.

تعدد الزوجات

تعدد الزوجات هو أن يجمع الرجل بين أكثر من زوجة في وقت واحد، تعدد الزوجات جائز في الكثير من الشرائع مثل الإسلام، وبعض الطوائف المسيحية، واليهودية. في حين تبيح قوانين بعض الدول تعدد الزوجات فإنه ممنوع في دول أخرى، وأحياناً قد تصل العقوبة للسجن. يختلف العدد المسموح به من الزوجات من ديانة لأخرى، ففي حين يحدده الإسلام بأربع زوجات، فإن بعض الديانات لا تضع حداً على عدد الزوجات مثل طائفة المورمون. يختلف انتشار تعدد الزوجات في -الديانات التي تبيحه- بحسب الثقافة العامة من دولة لأخرى، فمثلاً يعد تعدد الزوجات ممارسة شائعة في دول الخليج العربي بينما هي قليلة الحدوث في دول شمال أفريقيا برغم أنه مباح قانوناً.

التعدد في اليهودية

ظل تعدد الزوجات، وبدون حد الأربعة مسموحاً به حتى العصور الوسطى، حيث أصدر الحبر غرشوم الأشكنازي (960-1040م) التحريم في بداية القرن الحادي عشر. جاء التحريم في سياق الإصلاحات التي قام بها غرشوم في القوانين اليهودية، والتي اتفقت عليها أكثرية المجتمعات اليهودية بما في ذلك الطوائف التي تتبع المذاهب اليهودية السفاردية (أي اليهود الذين عاشوا في البلدان الإسلامية)، ما عدا يهود اليمن. حسب تعليمات غرشوم يمكن للرجل التزوج من امرأة أخرى إذا اقتنع مائة من الحاخامين بأن الظروف تلزمه بذلك. وتكون الظروف التي يمكن إيرادها أمام الحاخامين، على سبيل المثال: رفض الزوجة غير المبرر للطلاق، غياب المرأة لمدة طويلة أو مرض تمنع منها الموافقة على الطلاق. في الدول التي تحظر قوانينها تعدد الزوجات يحترم الحاخامون اليهود القوانين المحلية، ولا يسمحون بالتزوج من امرأة ثانية إذا كان مخالفة للقانون المحلي.

التعدد في العهد القديم

يذكر أن عدداً من الأنبياء مارسوا تعدد الزوجات. يعقوب تزوج امرأتين، وأكثر داود من النساء، وكان لسليمان ألف امرأة حسب العهد القديم. كذلك يذكر أن المرأة تمكنت من إرسال جاريتها إلى زوجها في حالة العجز عن الحمل. هكذا أرسلت سارة جاريتها هاجر إلى إبراهيم لتلد إسماعيل (سفر التكوين 16:2،3)، وأرسلت كل من ليئة وراحيل جاريتيهما زلفة وبلهة إلى يعقوب (سفر التكوين 30). في مثل هذه الحالة كان مولود الجارية يعتبر ابناً لسيدتها، كما حدث لمواليد زلفة وبلهة، أما سارة فتنكرت لإسماعيل بعد ولادته. حسب الشرعية اليهودية لا يمكن تعليم السلوك الصالح من الكتاب المقدس مباشرة، إذ حق للمؤمنين القدماء ما لا يحق للمؤمنين في عصرنا.

التعدد في المسيحية

تمنع الطوائف المسيحية الكبرى (الكاثوليكية، والأرثوذكسية، والبروتستانتية التقليدية) تعدد الزوجات، بينما قامت طائفة المورمون في أمريكا بالسماح به بدون أي حد من ناحية عدد الزوجات.

التعدد في علم النفس

بعض علماء النفس الغربيين يرى أن الميل إلى التعدد فطري عند الرجل، وهناك دراسة أمريكية حديثة تقول: إن السائد لدى علماء النفس، والاجتماع الغربيين هو أن الرجل يميل تكوينياً إلى تعدد الزوجات، ونظام “الزوجة الواحدة” يتعارض مع طبيعته التكوينية، وأن الرجل “خائن على طول التاريخ”، فقد اندلعت في المحافل العلمية الأمريكية أخيراً سجالات حامية حول ما إذا كانت الغيرة، والعشق والجاذبية الجنسية سمات موجودة أساساً داخل المخ البشري أم أنها نتاج للثقافةً والتربية.

كما أظهرت دراسة لأكثر من “16” ألف شخص من كل قارات الأرض، أن الرجال في أي موقع؛ عزاباً كانوا أم متزوجين، يرغبون أكثر من النساء في أن يكون لهم أكثر من شريك جنسي واحد، فأتت الدراسة مؤيدة لمقولة النساء “بأن الرجال لا أمان لهم”.

لكن هذه النتائج ليست صحيحة دائماً، ومشكلات العلاقات العائلية في عصرنا ليست مشكلات يسيرة، وسهلة بحيث يمكن حلها من خلال استفتاء، أو بحث، أو من خلال المؤتمرات، وعلى ذلك المستوى من الطرح الفكري لفئة معينة من البشر.

ورغم أن غالبية العلماء لا يجادلون في أن التطور قد لعب دوراً في تشكيل السلوك البشري، فإن الفكرة القائلة إن النزعة نحو إقامة علاقات متعددة موجودة في تركيب دماغ الإنسان، ولذلك فإنها “طبيعية” لا يستطيع مقاومتها، حتى يتمكن من تبرير أفعاله، هذه الفكرة جوبهت بهجوم شديد من قبل بعض العلماء الذين يؤكدون على أولوية الثقافة في تشكيل السلوك الإنساني، وموجبات الخيانة يخلقها المحيط الاجتماعي في الرجل لا الطبيعة.

التعدد في الإسلام

أحل الإسلام للرجل أربعة زوجات في عصمته في آن واحد، ولا شيء يمنع الرجل المسلم من تطليق زوجة، أو استبدالها بأخرى متى شاء، وفي أي وقت كان حيث لا يوجد رادع شرعي لهذا الطلاق، لذا يعد تعدد الزوجات أحد أهم المشاكل التي تؤرق الشريحة الأنثوية من المجتمع المسلم، وأيما امرأة تخشى في أية لحظة أن تكون بين ليلة، وضحاها ضرة لامرأة أخرى، وقد يكون من أهم الأسئلة التي تتوجه بها جماعات الدفاع عن حقوق المرأة إلى الشارع المسلم ليعطي التفسير الملائم، والمنطقي لذلك، ويكون الجواب المباشر لهذا السؤال هو الآية القرآنية الكريمة {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ – النساء3}.

الآية واضحة، وصريحة بقول الله “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” إذاً هناك احتمال عدم العدل بين الزوجات سواء في الجنس، أو المسكن، أو الملبس، أو المبيت، وهي شروط تعدد الزوجات. بالإضافة إلى الحاجة إلى تعدد الزوجات من ناحية زيادة المتعة الجنسية لطالبها، أو لأسباب فيزيولوجية تتعلق بعدم قدرة المرأة على الحمل مع التأكيد بأنها السبب في عدم الإنجاب، لذا يباح للرجل التعدد، وليس للمرأة حق في هذا التعدد لأنه محرم عليها، ولكن يحق لها الطلاق إذا كان الزوج عاقراً، رغم تلك الشروط يحق للرجل التعدد حتى ولو لم تكن هناك أسباب مباشرة تطبيقاً لقول الله عز وجل “فانكحوا ما طاب لكم من النساء”.

ويفسر ابن كثير، والجوزي بأن أساس العدل هنا هو العدل العاطفي، والذي يستحيل أن يقوم به كائن بشري لما لعدم سيطرة الإنسان على عواطفه تجاه أي قريب له، فلا يمكنه أن يساوي بين أبناءه، أو أخوته، أو أخواته فلأحدهم بكل تأكيد انحياز أكثر من العاطفة، إذا هناك عنصر بطلان هذا التعدد رغم أنه مباح قرآنياً.

كما يقول الإمام القرطبي “أخبر الله تعالى بعدم استطاعة تحقيق العدل بين النساء في ميل الطبع في المحبة، والجماع، والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض”.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل” رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي.

من جهة أخرى أوضح الله جل وعلا العقد الاجتماعي الذي يحلل الزواج بين الذكر والأنثى بأكثر من آية في الذكر الحكيم كالآية {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ – الروم21} واشتراط هذا الزواج بوجود هدية مادية يسمى مهراً بالتراضي بين الطرفين كتفسير لمعنى كلمة نحلة في الآية الكريمة {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً… – النساء4} وبما أن الزواج عقد اجتماعي بين ذكر وأنثى لذا يستوجب شرعاً كأي عقد بين طرفين، وجوب احترام العهود، والمواثيق انطلاقاً من الآية الكريمة {…وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً- الإسراء34} فكما هو حرام البيع على بيعة المسلم والخطبة على خطبته، لأن هناك عهد بين الطرفين، وقياساً على هذا المبدأ فإنه يكون الزواج من امرأة أخرى باطلاً لأنه خالف شروط العقد، ويكاد أن يكون مستحيلاً موافقة المرأة في بداية الزواج عندما يقول لها خطيبها بأنني سأتزوج عليك، وإن وافقت فلا بطلان في ذلك فسيكون موافقتها كأحد شروط زواجهما، ويعطي بذلك الحق الشرعي في تعدد الزوجات لهذا الرجل لأنه قد أخذ موافقة زوجته الأولى قبل الاقتران بها. وإذا عدد الزوج بعد الزواج يعتبر الزواج الثاني باطلاً لأنه خالف العقد مع زوجته الأولى، قياساً على الوصف السابق.

المجتمع انقلب على شروط تعدد الزوجات، وبدأ أكثرية المسلمين المعددين للزوجات بمنح أنفسهم الحق في التعدد طالما لهم القدرة المادية بالذات، ونسوا تماماً الشروط الأخرى في التعدد، وبدأ يروق لأي ذكر مسلم الجمع بين أكثر من امرأة حتى ولو كانت الشروط الشرعية في ذلك غير مكتملة، مكتفياً بتوافر شرط الحالة المادية التي تمكنه من فتح بيت آخر، وأجزم لولا الأحوال المادية، وصعوبة الصرف على أكثر من أسرة لرأيتم أغلبية المسلمين معددي زوجات، وقد يكون للتعدد فائدة وحيدة، وهي تقليص عدد العوانس، إلا أنه بحد ذاته ليس حلاً لهذه المشكلة الاجتماعية، فالمعدد عادة يبحث عن من هي أصغر سناً، وأكثر جمالاً من زوجته الأولى.

تشتت قضية تعدد الزوجات بين الشريعة والمجتمع، فالشرع أباح التعدد بشروط، ولكنه لم يحرمه رغم أنه توجد دلائل كثيرة جداً على وجوب عدم التعدد فبداية الخليقة كانت من ذكر واحد وأنثى واحدة، وإلا لكان الله جل وعلا خلق آدم، وخلق معه أكثر من حواء، وذلك ليتضاعف بزواجهم عدد البشرية التي كانت انطلاقتها من شخصين اثنين فقط. فالحكمة واضحة من وجود رجل مع امرأة واحدة، وواضح باللغة العربية كلمة أزواجاً، ومفردها زوج أي فرد وفرد (فردين) وليس فرد إلى اثنين، أو أكثر.

كما أن خرق الرجل لعقد الزواج الشرعي مع زوجته يعتبر نقضاً للعهد، وسيسأل يوم القيامة عن هذا العهد لأنه سيكون عنه مسؤولاً، كما أن التعدد لمجرد الهوى، والإعجاب بأنثى أخرى يشكل بحد ذاته مشكلة للأسرة التي هي الخلية الرئيسية، والأولى للمجتمع، ووجود المزيد من الضُرر يؤدي إلى خلق أجيال تكره بعضها بعضاً لما لتربية الأم المتأثرة نفسياً لدرجة كبيرة من جراء الزواج عليها، فكيف ستربي امرأة أطفالها وهي ذاخرة بحقد امرأة أخرى شاركها بزوجها، وقد تكون في أية لحظة من اللحظات مطلقة جراء الغيرة بين الأنثيين؟؟؟

إن سن قانون منع تعدد الزوجات لن يفرز أية مشكلة، والسلطات من حقها أن تشرع القوانين التي تتوافق مع المصلحة العامة، فإصدار قرار كهذا سيكون جيداً في حال وجود اختلال في نسب الذكور، والإناث. ومن الناحية الشرعية يحق للسلطة الحاكمة أن تتخذ الإجراءات التي تتفق مع المصلحة العامة، حيث سنت بعض الدول الإسلامية قوانين تمنع تعدد الزوجات كتونس، وحكومة إقليم كردستان العراق يذكر أن البرلمان الكردستاني أقر تعديلاً على قانون الأحوال الشخصية بناءاً على طلب من لجنة الدفاع عن حقوق المرأة في البرلمان الكردستاني، يقضي بمنع عقد الزواج بامرأة ثانية تحت طائلة عقوبة السجن لسنتين وغرامة قدرها ثلاثة ملايين دينار عراقي، وذلك لما لهذا التعدد من أثار سلبية على المجتمع، كما أن إندونيسيا والتي تعد أكبر بلد مسلم في العالم من حيث تعداد السكان، أصدرت المحكمة الدستورية فيها حكماً يمنع بموجبه تعدد الزوجات، وأستثنى فقط الوزراء، وكبار المسؤولين، وحكام الأقاليم. مبرراً الحكم أن الزوجة يجب أن تستوفي شروط الزواج عليها بأخرى، وذلك بأن تكون عاقراً، أو تكون في سن الشيخوخة، أو تكون مريضة، أو توافق هي على اقتران زوجها بزوجة أخرى.

يبقى الجميع محكومون بالقرآن الكريم، حيث يبيح الله عز وجل لهم جواز تعدد الزوجات، كما أن الله جل وعلا يجزم بأنه لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء، ولو حرصوا، وكذلك يقول “وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” فلماذا إذاً أحل جلالته للمسلمين أربعة أزواج، وهو يعلم أنهم لن يعدلوا، ولو حرصوا؟؟؟ الله أعلم!!!

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى