صفحات العالم

عبرة الموصل

ساطع نور الدين
ليست الصدفة التاريخية هي التي تؤدي الآن إلى إفراغ الموصل من مسيحييها، وأحداث تغيير ديموغرافي جوهري في البنية الاجتماعية العراقية، يشبه الى حد بعيد التغييرات الجذرية التي طرأت على التركيبة السكانية اللبنانية طوال العقود الثلاثة الماضية، وأسفرت عن ظهور بوادر قيام دولة إسلامية في لبنان في فترة قد لا تصل الى ثلاثة عقود.
والغريب في هذا التغيير العراقي الخطير، هو ان الاحتلال الاميركي الذي كان السبب والنتيجة، لا يشعر اليوم بقلق خاص، ولا يعلن تعبئة شاملة دفاعاً عن أحد مكونات المجتمع الذي فككه الأميركيون على مدى السنوات الخمس الماضية، بطريقة لم يسبق لأي استعمار أجنبي أن فعله في التاريخ. ثمة لا مبالاة أميركية واضحة، وهي تستند الى حقيقة أن مسيحيي العراق لم يتعاونوا من المحتلين أكثر من الأكراد أو الشيعة، أو السنة في مرحلة متأخرة، ولم يتعاملوا مع الغزو الأميركي باعتباره تحريراً لبلادهم من الدكتاتورية.
لا يعني ذلك أن الأميركيين لن يتأثروا لغياب ذلك العنصر العراقي المسيحي، الذي سبق أن كانت هجرته الى الخارج بعد الغزو عام ٢٠٠٣ ، هي الأسرع والأكبر بالنسبة إلى عدد السكان، حيث فر اكثر من نصف المسيحيين البالغ عددهم نحو مليون نسمة من الحملات الطائفية والمذهبية الطاحنة التي استهدفتهم حيناً، كما أنها اخذتهم في الطريق أحيانا، لا سيما في السنوات الثلاث الماضية. لكن الملاحظ هنا هو أن المستعمر الأميركي لم يبن مشروعه العراقي على أساس الأقليات التي يزخر بها المجتمع العراقي، كما حصل في التجارب الاستعمارية السابقة، لكنه توجه فوراً الى الأغلبيات الحاسمة التي يمكن ان تحفظ له مصالحه على المدى البعيد… وهو ما أدى إلى ضياع بعض الطوائف والفرق الدينية الصغيرة التي لم يكن لها أي وجود خارج العراق.
المهم الآن أن مسيحيي العراق دفعوا ويدفعون الثمن الباهظ لهذه التجربة، ولن تمر سنوات قبل ان تصبح بلاد الرافدين خالية من تلك الطائفة العريقة التي سكنتها منذ فجر المسيحية، وعايشت جميع العصور والأمبراطوريات التي انطلقت من بغداد او اعترفت بموقعها المؤثر في التاريخ العربي والإسلامي. وهي حقيقة لا يمكن للاحتلال أن يتفاداها، والأسوأ من ذلك أنه يلقي على الدولة العراقية الحديثة التكوين مسؤولية الحفاظ على هذا الوجود المسيحي القديم.
السؤال عما إذا كان الإسلاميون السنة أم الأكراد هم الذين يشنون هذه الحملة على مسيحيي الموصل خاصة والعراق عموماً، وكلٌ لأسبابه الدينية أو السياسية الخاصة، لم يعد مهماً. ولا يقلل من خطورة تلك الحملة ان يقال مثلا إنها انتخابية الطابع، يثيرها الاشتباه الإسلامي بأن المسيحيين يطالبون بحصة اكبر من حجمهم في مجالس المحافظات، او التوتر الكردي الهادف الى توسيع النطاق الجغرافي لإقليم كردستان الشمالي.
ثمة طائفة عراقية مهددة بالزوال، وليس بالخروج من صناديق الاقتراع. ثمة عبرة يفترض ان تستخلصها جميع الأقليات المشرقية… وبينها اللبنانية طبعا.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى