الأزمة المالية العالميةبيانات وتقارير

بيان التيار الاشتراكي الأممي حول الأزمة الاقتصادية العالمية

1.    موجات الذعر غير العادية التي اجتاحت الأسواق المالية العالمية في الأسابيع القليلة الماضية، ملأت الناس العاملين العاديين في أنحاء العالم بمزيج من الغضب والحيرة والخوف. وقد أصبح جلياً للجميع أن النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم لا يعمل، وأننا نواجه نقطة تحول تاريخية كبيرة. لكنْ، ما ليس واضحاً هو ما ستكون العواقب وما يمكن القيام به لمواجهتها.
2.    أكّد الانهيار المالي بين أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2008 أن العالم يواجه أزمة اقتصادية كبيرة. تطوّرت هذه الأزمة من خلال سياسات النظام الاقتصادي النيوليبرالي الذي تم إرساؤه في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، وخاصة مع تحرير الأسواق المالية وزيادة قدرتها على الدخول في مضاربات على نطاق واسع وعبر الحدود الدولية. ومع ذلك، فإن الأسباب الحقيقية لأزمة الائتمان تكمن في الأزمة المزمنة في الربحية التي تواجهها الرأسمالية العالمية منذ نهاية ستينات القرن الماضي. أمّا الانتعاش في معدل الربح خلال أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، بفضل إعادة هيكلة رأس المال والزيادة الحادة في معدل الاستغلال، فقد كان جزئياً. ومنذ أواخر التسعينات، سعى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة لمنع حدوث أزمة اقتصادية كبيرة، فقام بإغراق الاقتصاد الأميركي والعالمي بالقروض الرخيصة. أمّا العمّال الذين واجهت أجورهم الحقيقية فترة من الركود أو تقلّصت في معظم الاقتصادات الرئيسية، فقد تم تشجيعهم على الاقتراض من أجل الحفاظ على الطلب على السلع والخدمات. وكان انفجار فقاعة المضاربة، المرتكزة على سوق الإسكان، الصاعق، الذي فجّر بداية أزمة الائتمان في آب/أغسطس 2007.
3.    خلافاً للانهيارات المالية السابقة في العصر النيوليبرالي – كالمكسيك 1994، شرق وجنوب شرق آسيا 1997، روسيا 1998، والأرجنتين 2001 – فإن الانهيار الحالي نشأ في قلب النظام الرأسمالي، في الولايات المتحدة. وهو آخذ في الانتشار ليؤثر على الاقتصاد العالمي بأسره. فالبنوك الأوروبية كانت من أهم الزبائن في سوق الرهون العقارية الذي أُعيد تعليبها على شكل مشتقات مالية مركّبة أصبحت اليوم سامّة. وقد بدأ امتصاص الاقتصاديات المصدّرة الكبرى – ألمانيا، اليابان، الصين – إلى الأزمة في وقت تتقلّص فيه الأسواق لسلع تلك الدول. ويتراءى في الأفق ركود عالمي على نطاق ما حصل في منتصف السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي.
4.    الأزمة تزداد حدة نتيجة الزيادة الحادة في معدلات التضخم، وخاصة بالنسبة للطاقة والسلع الاستهلاكية الأساسية. هذا كان نتيجة الازدهار في الاقتصاد العالمي بدفع من فقاعة الائتمان في منتصف سنوات الـ2000، والذي تعزز عن طريق أنشطة المستثمرين المضاربين في أسواق النفط وغيرها من السلع الأساسية. ارتفاع معدل التضخم يقوم بفرض انخفاض مستويات المعيشة على الصعيد العالمي، ويهدد استمرارية حياة الكثير من الفقراء في دول الجنوب.
5.    استجابة الدول الرأسمالية المتقدّمة – والولايات المتحدة بصفة خاصة – كانت في السعي إلى تعزيز النظام المالي من خلال تدخل الدولة على نطاق واسع، بما في ذلك تأميم أو إجراء عمليات إنقاذ حكومية للبنوك الكبرى والمؤسسات المالية الأخرى. هذه السياسات حفرت فجوة هائلة في الإيديولوجية النيوليبرالية للسوق الحرة. ولكن الهدف من هذه التدخلات لم يكن حماية فرص العمل أو مستويات المعيشة أو منازل العمّال العاديين، بل الحفاظ على النظام الرأسمالي وحماية رؤساء البنوك الكبيرة المتبقّين بعد عمليات الدمج وإعادة التنظيم المترتبة عن قيامهم بالمضاربة المقامِرة. في المقابل، على الاشتراكيين والنقابيين والناشطين المناهضين للعولمة أن يطالبوا بالتأميم من دون تعويض على المصارف، من أجل تحويلها إلى أدوات تلبّي احتياجات الناس العاملين والفقراء.
6.    بدلاً من ذلك، يعتزم حكّامنا، ببساطة، رمي عبء الأزمة على أكتاف العمّال والفقراء. هذا واضح في تحذيرات البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا حول ‘الآثار الثانوية’ للتضخم. هم يقولون للنقابيين ألاّ يحاولوا السعي لزيادة الأجور للتعويض عن ارتفاع كلفة المعيشة. ويتعزز ذلك من خلال سياسات أخرى – في بريطانيا على سبيل المثال من خلال وضع سقف اثنين في المائة (2%) لرفع أجور القطاع العام. ومع ذلك، لا أحد يدّعي أن الزيادات في الأجور كانت مسؤولة عن الارتفاع في التضخم – بل، في كثير من البلدان، جرى الضغط على الأجور قبل تسارع ارتفاع الأسعار. جزئياً، وبفضل الضغوط التي تؤدّي إلى انخفاض الأجور، تمتّعت الشركات بأرباح ازدادت باطراد في منتصف سنوات الـ2000. هذه الأرباح يمكن استخدامها الآن لتغطية زيادة الأجور اللازمة لحماية مستويات المعيشة. وإذا كانت ردّة فعل أرباب العمل هي رفع الأسعار مجدداً، فالجواب يكمن في وضع الاقتصاد تحت السيطرة الشعبية والديمقراطية. وعلى الحركة العمالية أيضاً أن تتحدّى مؤسسات مثل، في أوروبا، قرار أوروبا الموحدة وقانون البنك المركزي الأوروبي وميثاق الاستقرار والنمو. فوظيفة هذه المؤسسات هي العمل على تغلغل السياسات النيوليبرالية في الاتحاد الأوروبي التي تم رفضها في الاستفتاءات المتعاقبة في فرنسا وهولندا وايرلندا الجنوبية، وهي أيضاً بمثابة الحواجز التي تعترض سبيل الدفاع عن الوظائف ومستويات المعيشة والمسكن في الأزمة الاقتصادية الراهنة.
7.    بُعد آخر للأزمة الاقتصادية هو أثرها في تفاقم الصراعات بين الطبقات الحاكمة حول العالم. يتّضح ذلك داخلياً في الفوضى السياسية في واشنطن والخلافات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل معها. لكنها تتفاعل أيضا على الصعيد العالمي. الحرب الروسية الجورجية في آب/أغسطس 2008 سلّطت الضوء على محاولة الولايات المتحدة ترسيخ هيمنتها العالمية عن طريق توسيع حلف شمال الأطلسي في عمق أوراسيا مما يهدد بإحياء هذا النوع من المنافسات الإمبريالية التي سيطرت على السياسة العالمية في القرن العشرين. وحتى لو نجحت الجهود الأميركية لإنقاذ النظام المصرفي، ستكون النتيجة زيادة كبيرة في ديون حكومة الولايات المتحدة. وهذا سيجعل الرأسمالية الأميركية تعتمد أكثر مما هي الحال اليوم على استعداد حكام الاقتصاديات المصدّرة الكبيرة في شرق آسيا ومشيخات النفط في الخليج على مواصلة إقراضها بالمال. وكما أثبتت الخبرة من القرن العشرين، فإن زيادة الترابط الاقتصادي – بشكل خاص بين الولايات المتحدة والصين اليوم – يمكن له أن يغذّي التوترات السياسية بدل الحد منها. حملة الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001 من المرجح أن تستمر بغض النظر عن من سيفوز في الانتخابات الرئاسية، وبالتالي فإنه لا يزال من الضروري الاستمرار في بناء حركة عالمية ضد الحرب.
8.    العلاقة بين الأزمة الاقتصادية والصراع الطبقي معقّدة ويحكمها السياق السياسي الذي تتفاعل فيه. علاوة على ذلك، فإن المزج الدقيق بين فقدان الوظائف وارتفاع الأسعار في بلد معين من المرجح أن يكون له أثر كبير على ما إذا كان العمال سيستجيبون من خلال مقاومة كفاحية أو إذعان محبط. لكنه من المؤكد أن الفترة المقبلة ستشهد حركات اجتماعية وسياسية كبيرة في جميع أنحاء العالم بسبب الأزمات وعواقبها. واجب الاشتراكيين الثوريين هو، أكثر من أي وقت مضى، الانغماس في هذه الحركات، ومساندتها لتكون على أكبر قدر ممكن من الوحدة والكفاحية والقوّة. ولكن، مهما كانت الظروف، علينا الإصرار على حقيقة أن ما نواجه ليس مجرّد أزمة في النيوليبرالية كفكر وكنظام سياسات، لكنها أزمة في نمط الإنتاج الرأسمالي ذاته. المعاناة وعدم الاستقرار الهائلين الذين ستولّدهما الأزمة الحالية هما نتيجة لمنطق رأس المال. نحن بحاجة إلى استبدال هذا بمنطق اجتماعي مختلف، منطق اشتراكي، مبني على السيطرة الديمقراطية والجماعية على الاقتصاد والتخطيط الفعلي، حيث يشارك العمال والمستهلكون في توجيه الإنتاج لتلبية احتياجاتهم. هذا يعني أن على الاشتراكيين الثوريين بذل جهودهم في بناء منظمات خاصة بهم، وأيضا إلى تطوير إطار أوسع لليسار الراديكالي الذي يمكن أن يبدأ بتقديم بديل معقول ومبدئي للرأسمالية.
منسقيّة التيار الاشتراكي الأممي، في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2008
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى