صفحات ثقافية

زيارة أدونيس لأهل الكهف

null
سليمان بوصوفه
حلّ الشاعر والمفكر السوري علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس) ضيفا على المكتبة الوطنية في الجزائر ليشارك في الندوات الثقافية التي تقيمها المكتبة بشكل دوري. كما كان ضيفا على عدد من الصحف المحلية وخضع لجلسات استنطاق متسلسلة وطرح عليه (الصحافيون) أسئلة في شكل مواقف تمتد إلى خمسة أسطر ليجيب عليها في نصف سطر. أدونيس وبعد مداخلته تعرض لحملة شعواء من طرف المتثاقفين الإسلامويين الذين وصفوه بعدو الإسلام ومُحرّف القرآن ومن بقايا الماركسيين الذين يقتاتون من ريع دولة النفط. ولم يتوان هؤلاء في وصفه بالعميل الصهيوني وخادم الخارجية الفرنسية التي تبعثه لقراءة أشعاره في سورية واليمن.
قبل التطرق إلى زيارة أدونيس لأهل الكهف يجب استعراض المناخ الثقافي الذي تعيشه الجزائر منذ عام تسعين. فعلى مدى ثمانية عشر عاما لا تسمح السلطات بدخول أي جريدة أو صحيفة أجنبية سواء كانت علمية أو إخبارية بل تمنع دخول البحوث الصادرة عن مكاتب الدراسات الاستراتيجية والسياسات الدولية خشية كشف حقيقتها. وفي جولة سريعة في المكتبات هناك أو في معارض الكتب يلحظ الزائر أن أكثر من تسعين في المئة من الكتب ذات صبغة دينية، وأي دين؟ كتبٌ تتحدث عن فك السحر والشعوذة وعن المسيح الدجال والمهدي المنتظر. وعن دور (الزوايا) في تنوير الإسلام الجزائري! أما عن وضعية الصحف فحدث ولاحرج، فإما غارقة في حملات انتخابية لا نهاية لها أومُسرفة في نقل أخبار الحوادث والفضائح لمضاعفة المبيعات أو ناقلة لبيانات مصالح الأمن وتطورات جمهورية أفغانستان الإسلاموية في الجبال الجزائرية. وماعدا بعض المقالات الجادة والموضوعية لأصحابها المهمشين فلا وجود هناك للعقل أو المنطق، والكل يعمل بمقولة: الجمهور عايز كده.
أدونيس وقبل مداخلته، قدّمه إلى الجمهور مدير المكتبة الوطنية بنفس الطريقة التي يُقدم بها أولياء نعمته، وكم أعجبني أدونيس حينما التفت إليه ورد، لقد قدمتَني بعواطفك فأرجو أن تتحدث عني بعقلك. ما أعرفه عن مدير المكتبة الوطنية أنه عُين في هذا المنصب منذ مجيء الرئيس الحالي إلى السلطة، وهما ينحدران من نفس البلدة (تلمسان) وهذا منطق القبيلة الذي يرفضه أدونيس. وبما أن أدونيس مرشح لجائزة نوبل للآداب فإن المتثاقفين لم يفوتوا فرصة تواجده بالجزائر ليعتبروا الجائزة خاضعة لسيطرة اللوبي الصهيوني، هؤلاء نفسهم الذين قادوا حملة المليون توقيع لترشيح الرئيس لجائزة نوبل للسلام.
أدونيس اعتبر أن انتشار الحركات الإسلامية سيتسبب في انقراضنا الحضاري، وأن العرب يسيرون نحو القرون الوسطى ونادى إلى إخراج اللغة العربية من دائرة الشعر لتصبح لغة علم ومعرفة ودعا إلى الاستفادة من أعمال ابن رشد وابن خلدون والفارابي وإلى إعمال العقل والابتعاد عن الخرافات وعن الأعمال الشريرة وإلى الدخول في مجالات الإبداع وبقوة. لكن الصحف قدّمته إلى القارئ، وكأنه شيطان مارد. وهذه هي عناوينها: أدونيس يقول، القرآن كتاب لا يعترف بوجود المرأة ككائن مستقل ويعتبرها أداة لإشباع غريزة الرجل. طبعا هذه العناوين المنتقاة بدقة أثارت سُعارا جماعيا بين الرعاع الذين بعثوا للصحف برسائل التنديد بهذه الزيارة المشؤومة.
للأمانة أقول، إن استضافة مثل هذه الشخصيات الأكاديمية والمفكرة يجب أن يكون ضمن عمل مؤسساتي وفي نطاق أكاديمي وعلمي ضيق يسمح بحرية النقاش وتبادل الآراء في جو من إعمال العقل لا العاطفة، وأما أن يتحدث عن فكر أدونيس ومحمد أركون كل من هب ودب، فهذه عملية مسيّسة تدخل في إطار محاربة كل ماهو حداثي وضمن مقولة: الجمهور موش عاوز كده.
أدونيس الذي يدافع عن نفسه قائلا، أنا لست ضد الدين لكنني ضد التوظيف السياسي للدين، لا يمكنه أن يُحدث أي تغيير في أفكار شعوب تقوم أنظمتها ومعارضاتها في الداخل على التوظيف السياسي للدين بل إنه يُعتبر خطرا على تلك الأنظمة إذا مانجح في نشر أفكاره. أما استضافته في بلد انغلق على نفسه منذ سنوات وأمام جمهور تعوّد على أن الثقافة هي الفلكلور والرقص وأن السينما هي الفكاهة والجنس وأن السياسة هي المبايعة بتلاوة بيانات تأييد العهدة الثالثة والعاشرة، في ظل هذا الوضع الفكري الضحل لا يمكن لهذه الضيافة إلا أن تأتي بنتائج عكسية على الحداثة وروادها مالم يتم تهيئة الأجواء من طرف منظمات فكرية جادة وذلك بفتح مجال التعدد في التعبير عن الرأي وكسر الحصار الثقافي والعلمي المفروض على الشعب وتبني خطاب يخاطب مع العقل. ذلك العضو المعطل عن العمل إلى إشعار آخر.
كاتب جزائري مقيم في لندن

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الشيخ شيبان ما كان ليرد أو يناقش آراء الدكتور الشاعر أدونيس لو اقتصرت محاضرته على نظريته الشعرية· ولكن الشاعر أدونيس فضل أن يوجه سهـام انتقاداته إلى عقيدة الإسلام وفقهاء الإسلام وحتى لصحابة رسول الله ـ عليهم رضوان الله أجمعين ـ من فوق منبر ثقافي كبير في الجزائر (المكتبة الوطنية)، فكان لا بد من وضع الأمور في نصابها لإجلاء حقيقتها، والتصدي لمن يعتبرون الإسلام مزرعة مباحة يدوس فوقها من يشاء ومتى شاء!·

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى