صفحات سورية

السلام المؤجل بين سوريا وإسرائيل

null
عماد الشدياق
بعد أن أجبرت إسرائيل على وقف إطلاق النار على وقع قرع طبول البيت الأبيض استقبالاً لرئيسه الجديد، وبعد أن تمت المصالحة بين الزعماء العرب من جهة والرئيس السوري من جهة أخرى (أقله على ما يبدو حتى الآن)، يتطلع المجتمع العربي والعالمي لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور حيال ملف المفاوضات الموسمية بين سوريا وإسرائيل. تلك المفاوضات التي باتت أشبه بقصة الذئب والراعي الذي يستغيث من شره فيكتشف مغيثوه خداعه في كل مرة.
إلا أننا بمعزل عن صدق النظام السوري أو تلكؤه في هذا المجال، نرى أن المفاوضات المزمع استئنافها عما قريب، لن تسلك طريقها نحو النجاح لعدة أسباب يشترك الطرفان في إخراج بعضها بشكل وظيفي، ويختلفان ببعضها الآخر لضرورات وجودية.
فبالرغم من الحماسة التي أبداها رئيس الولايات المتحدة الجديد حيال الصراع العربي الإسرائيلي وفلسطين المحتلة تحديداً في خطاباته وتحركاته الأولى داخل البيت الأبيض، إلا أن وصول رئيس حزب الليكود بنياميو نتنياهو الى سدة الحكم في الانتخابات النيابية المرتقبة في العاشر من شباط (كما هو متوقع وظاهر في أحدث استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي) قد يكون وقعه كطلقة الإعدام في رأس المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، لكون التاريخ السياسي للمذكور يشهد على انه من أشد المعارضين لفكرة الانسحاب من الجولان المحتل.
إضافة الى ان مسألة توقيت تلك المفاوضات يشير الى حتمية فشلها أو تعليقها على شاكلة الجولات الاثنتي عشرة التي حصلت من قبلها منذ العام 1992 وحتى اليوم، كونها لم تكن وليدة ظروف ومعطيات جديدة، بل كانت تنطلق في كل مرة من ما توقفت عنده دون أن يقدم الطرفان أي جديد في هذا المجال. خصوصاً وأن الجبهة السورية الصامتة صمت القبور، لا تزال على حالها طوال أكثر من ثلاثين سنة (منذ حرب 1973)، ما يطرح التساؤل لدى الجانب الإسرائيلي عن جدوى الانسحاب من الجولان أو عدمه في خضم انتفاء الضرر المترتب عليهم من رفض الانسحاب، بمعنى آخر تفتقد آلية التفاوض الى المحرك أو الدافع (العمل المقاوم) الذي يدفع عادة أي عملية تفاوضية الى رضوخ أطرافها عند نقطة وسطية تجمع المتخاصمين!
أضف الى ذلك الاعتبار المتحفظ الذي يتوقف عنده الإسرائيلي من سلامه مع سوريا النظام وليس سوريا الشعب، فإذا تم السلام مع النظام الحالي هل ثمة ما يؤكد التزام أي نظام آخر بمفاعيل مطلق أي اتفاق قد يجمع بين الطرفين؟ ومن يضمن ذلك؟ خصوصاً وأن السلام مع إسرائيل يهدد وجود النظام الحالي في سوريا ويجعله عرضة للتغيير ويشرّعه ساحة مفتوحة أمام الانقلابات تحت وقع المطالبة بالديموقراطية والتغيير.
لقد أهدى الإسرائيلي في احتلاله للجولان حجة يتلطى بها النظام السوري في ممارساته المخابراتية القمعية على أبناء جلدته، ومكنه من مواصلة إعلان حالات الطوارئ عند أي خطر داهم، وجعله من هذا الاحتلال شماعة يعلق عليها أي تصرف لا يخدم مصلحة النظام ووجوده، تحت عناوين الممانعة والتصدي…
علماً أن هذا التفاوض المزعوم والمعلق حالياً، وجد طريقاً له في لحظة ضرورة لدى الطرفين، حيث كان الإسرائيلي يحاول تخطي الضعف الذي أصاب حكومته على خلفية حرب تموز وما تلاها من فضائح وتحقيقات (لجنة فينوغراد، الرشاوى المالية لرئيس الحكومة…)، وفي لحظة تخلي وعزلة أصابت النظام السوري بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تلاها (الانسحاب من لبنان، ملف المحكمة الدولية، العلاقات المتأزمة مع الدول العربية…) أما الآن وقد انتهت مفاعيل تلك الضغوطات خصوصاً بعد الحرب الأخيرة على غزة، لم يعد ما يبرر استكمال التفاوض بعد أن انسحب الوسيط التركي الداعم للسلام، فبات من الصعب جداً استئنافها، أقله في الوقت الحاضر لحين تبلور الموقف الأميركي الجديد، ولحين تبصر الدينامية الإسرائيلية ـ اليميني الجديد.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى