صفحات ثقافية

أثر الفراشة” لمحمود درويش” الصمتُ صوتٌ تبخَّر واختبأ في الريح

null
كوليت مرشليان

أثر الفراشة” على لوح قصائد محمود درويش محطات لقطار ينزل فيها راكب في كل محطة، في كل قصيدة، يختلس النظر، يهمس كلمات، يصعد قاطرة تنتظره ويترك شبحه هناك على الورق، في دفاتر الشاعر المسافر دوماً وراء غيمة، وراء نسمة، وراء كلمة أو ما يشبه الكلمة، ومضة، همسة، لمسة، أو كل ما يحرّك أحاسيسه في أمكنة خارج نطاق الواقع والمعقول، هناك حيث تتجمّل الحياة له، ويتبرّج الموت ويتخفى وراء أقنعة الرحيل الممتع

أثر الفراشة” سفر جميل وراء وهم وضباب، ويحط المسافر بخفة فوق غيمة، داخل نقطة، وراء كوكب هائم، وكأنه الريشة الخفيفة في يده أو الحبر المطواع في محبرته، أو جناح الفراشة التي حيثما رحلت وكيفما رجعت، إنما تحمل معها ذرات هائلة وغير منظورة من عالم هناك تزوره في طيرانها البعيد لتعود كل صباح وكل مساء وتفاجئ الشاعر المبهور بقدراتها الفائقة. إنه “أثر الفراشة” في هياكل الصمت البعيدة، فتحفر هناك وقع خطواتها المدوية بقوة كالقنابل المتفجرة هنا، ترسم دورانها مثل كواكب هائمة في الفضاء الشاسع، وتعود لتخبر الشاعر أسرارها الصغيرة وتدوّنها معه على الصفحات البيضاء، تنقشها نقشاً، تزخرفها بالأحرف وتترك أوجاعها وأحزانها وخيباتها كما أوهامها فوق أوجاعه وأحزانه وخيباته، غير أن أوهامه هو تنقلب سحراً، تنقلب شعراً، وتعاويذ غامضة هي القصائد، هي “هدير الصمت” ـ أجمل قصائد المجموعة ـ هي “حنين الى نسيان” و”نهر يموت من العطش”، هي “غيمة ملوّنة”، و”أرض فضيحة” و”موسيقى مرئية”، و”فكاهة الخلود” و”شجرة الزيتون الثانية”، و”سماء صافية وحديقة خضراء”، هي “حياة مبتدئة” و”وجوه الحقيقة”، وإذا هذه بعض عناوين قصائد المجموعة الشعرية، فهي جميعها تصب في خانة وحيدة، على أرض واحدة لا يسكنها سوى الشاعر وعناصر الطبيعة، غير أن هذه الطبيعة بعناصرها ترمز كلها الى البدايات، الى سفر التكوين، الى لحظة المخاض حيث صرخة الألم معجونة بفرح البدايات. كل القصائد المذكورة هنا تشبه البدايات التي قادت الشاعر إليها تلك الفراشة المسحورة أو ربما الملعونة أو بكل بساطة التائهة مثله، مثل القصيدة التي تبحث عن بر أمان لها لترسو وتستريح، وحيثما استراحت أثر فراشة، وحيثما ارتسمت أثر فراشة

لفحة شعر

ولا يمكن أن يفلت القارئ في رحلة كتاب محمود درويش الجديد هذا الصادر عن “دار رياض الريس للكتب” في بيروت، من لفحة شعر تصيبه هو، مثل العدوى، مثل الوباء، فلا الشاعر يعرف من أين بدأ ولا القارئ يفقه أين وصل. وقراءة درويش في هذه المجموعة متعة لا تفسير منطقياً لها، لأنها متعة مصادرها غامضة، مثل حب لا ينتهي ولا يستكين. وسلاسة القراءة في “اثر الفراشة” من سلاسة الكتابة لدى الشاعر، واللغة هنا في مخاض دائم في كل الاتجاهات وفي كل المتاهات، متاهات الفلسفة والماورائيات ومتاهات الحزن الوجودي و”الحزن العادي” والحب والحبيب وصورته المرتسمة على صورة الكون فيصير هو وجه الأرض ورائحتها وترابها وهواؤها وماؤها.

متاهة

هكذا تطل لغة درويش من كتابه الجديد، متاهة للحياة والحب ومتاهة للموت أو خارطة معقدة على صورة القلب والجسد المرتبك والخيال الشارد كفراشة، والعقل المدرك لمعنى ذاك “الأثر” الذي تتركه الفراشة هنا وهناك. لا يسعنا إلاّ أن نحب محمود درويش أكثر وأكثر في قصائده الجديدة التي ينثرها علينا كمن يرمي بثقل أحزانه وخيباته في كوكب انعدمت فيه الجاذبية، فطارت الأحزان وصارت حلماً وارتفعت الأمكنة والأشياء وصارت ذخائر قديسين… كل أمكنة مجموعة “اثر الفراشة” تشبه الفراشات في تحليقها الى العدم، الى أرض لا رائحة خاصة فيها ولا طعم مميز، الى أيقونة أخيرة ترتسم معالمها شيئاً فشيئاً

وكأن الشاعر يرنو بحذر الى لوح العالم الأول والخام، الجامد والمتحرك في آن في إطار اللوحة ـ الأيقونة بعناصرها القدسية الطالعة من جهنم الأرض ومن جنتها، من روحانيتها ومن واقعها. وثمة قصيدة ينثرها الشاعر في منتصف الكتاب تبدو وكأنها الصورة المتحركة للعالم المذكور هنا وهي “البيت قتيلاً” حيث يتعاطى الشاعر مع موضوع سبق له أن كتبه في قصائده وهو الشهادة، لكنه هنا يقوله من جديد بشكل مختلف. فلطالما تطعمت قصائد درويش حيث اختلطت الجوانب الفلسفية والماورائية منها بالواقعي اليومي من موقعه وانتماءاته، غير أن “شهادة” البيت هنا تشبه الشهادة النهائية والقاطعة التي لا شيء يليها ولا أحد يخلفها: “البيت قتيلاً” هو بتر الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء ناسها، وهو حاجة التراجيديا الى تصويب البلاغة نحو التبصر في حياة الشيء، في قلب “الشيء”، حيث في كل “شيء” كائن يتوجع

في هذا المعنى ينطلق درويش الى أبعد من الشهادة والى أبعد من الموت، والى أبعد من النهايات والصمت. ذاك الصمت الذي يمجده في قصيدة رائعة عنوانها: “هدير الصمت”: “الصمت صوت تبخر واختبأ في الريح، وتكسّر أصداء محفوظة في جرار كونية. لو أرهفنا السمع لسمعنا صوت ارتطام التفاهة بحجر في بستان الله، وصدخة هابيل الخائفة من دمه الأول، وأنين الشهوة الأصلي بين ذكر وأنثى لا يعرفان ما يفعلان، ولسمعنا تأملات يونس في بطن الحوت، والمفاوضات السرية بين الآلهة القدامى…”.

لكن دوماً ثمة محمود درويش هنا وآخر هناك، وكأن الشاعر مزدوج الشخصية في تعاطيه مع الشعر: هنا قصائد للوطن والثورة والشهادة والواقع الدموي المحزن الذي يعيشه انطلاقاً من انتماءاته، وهناك قصائد فلسفية ماورائية عميقة لا حدود لها ولا تنتمي الى أسماء وأمكنة وأحداث الواقع. وإذا هو مؤثر وموجع هنا، فهو محلق هناك ودوماً نتساءل: هل الواقع يوحي له ويستفزه ويعطيه زخماً لكتابة، أم هو يكبله ويعيق رحلة الفراشة لديه؟

في مطلق الأحوال، شعر محمود درويش جميل، من تلك الجماليات النادرة من “أحمد العربي” الى “سرير الغريبة” ومن “حالة حصار” و”يوميات الحزن العادي” الى “كزهر اللوز أو أبعد” و”لماذا تركت الحصان وحيداً“…

هي أعنية هي أغنية” كانت لـ”عاشق من فلسطين” و”مديح الظل العالي” فك “حصار لمدائح البحر”، و”العصافير تموت في الجليل”، لكنها تموت أيضاً في كل مكان، أحياناً في أحلامه، وأحياناً في القصائد. ولربما ازدواجية عنوان أحد كتبه “مأساة النرجس، ملهاة الفضة” تحكي ذاك الانفصام الجميل الذي جعل الثائر فيه يكتب الشعر ببندقيته، والشاعر يرمي بقنابله المشعة في سماء الشعر، لكن في كل هذا قصائد درويش في فضاء اللغة كمثل كويكبات مشعة قد تتجه نحو الأرض أو تفلت الى الأفق البعيد، وفي كلتا الحالتين، وميضها لا ينطفئ.

المستقبل – الثلاثاء 15 كانون الثاني 2008

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. انا عدلة وعمري 14 سنة وبحب اشعار محمود درويش وبقرا كل كتاب بيطلع جديد وكتبه بترفع معنويتي واذا انا بكرا انتشر اسمي وصرت اكتب شعر وخاطرة وقصص ما بنسى ان الفضل يرجع لك ففي مجلدك الاول قلت قال احد الشعراء اذا سرت اشعاري خلاني واغاظت اعدائي فانا شاعر وانا ساقول
    شكرا الك جد وانا ويا رب تقرا الي انا كتبتو شخصيا ويمك اجي على خليل السكاكيني في فترة 1_4 لعند 7_4
    وبتمنى انك تكون موجود في خليل السكاكيني حتى اسمعك احد اشعاري او بالاحرى خواطري .
    وهل ما ورد في كتاب محمود درويش شاعر الصمود والمقاومة بقلم جمال بدران صحيح
    وهذا ما مررت به في حياتك؟وكتابك الاخير اثر الفراشة لا اقدر على وصف جمال تعابيرك و سريتك في الكتابة وكالغموض ايضا احاول التفكير مثلك حتى اعرف ما بين الاسطر ارجوك الا تظن بان عمري 14 اي اني صغيرة بل انا متفهمة وبشكل جيد .
    سؤال اخر اهل اصدق اشاعرك جميعها وكانها قصة لحياتك
    ارجو ان احصل على جميع الاجابات .
    انت بنظري مناضل للشعب الفلسطيني بواسطة شعرك فهو يحرك المشاعر و يقوي العزائم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى