صفحات العالم

المحاكم الدولية: بيوت عدالة أم أدوات هيمنة؟

جميل مطر
أتعاطف مع المقهورين الذين يعتقدون أن القوانين توضع لإخضاعهم. ولا يعني إعلاني التعاطف معهم أنني أشجعهم على الخروج على القانون واللجوء إلى وحشية الغابة وتقاليدها، ولا يعني أنني أفضل حالة الفوضى على حالة الاستقرار والانضباط. لا أشجعهم على التمرّد لكن أدعوهم للتكتل والاستعداد بكل الوسائل المتاحة لتغيير القوانين الظالمة والقوانين التي وضعت لحماية مصالح فئة أو طبقة أو أبناء «حضارة» بعينها.
أعترف أنني وقفت حائراً أمام معضلة محاكمة الرئيس السوداني عمر البشير امام محكمة دولية بزعم ارتكابه جرائم حرب أو تدبيره عمليات إبادة. إذ توفرت خلال الأعوام الأخيرة معلومات كثيرة، ولكن متناقضة، عن أحداث دارفور دفعتنا  الى البحث عن مصادر متباينة الاتجاهات ولكن وثيقة الاتصال بواقع الحال في السودان، لنسأل من خلالها عن الحقيقة ونتحرى مصادر المبالغات والتهويل لدى كل طرف، وعدنا إلى أصول القضايا في سجلات الغرب ووثائقه التاريخية، واطلعنا على خطط الشركات وتقاريرها بحثاً عن مواقع الثروات المكتشفة منذ زمن والمخبأة، والمكتشفة حديثاً وغير المستغلة. عرفنا وتأكدنا أن أطرافاً كثيرة وراء المأساة وهي مسؤولة عن الدمار الذي حلّ بدارفور كما بغيرها من أنحاء السودان، وكما عرفنا أن في الأرض ثروات عرفنا أن في الموقع ميزات استراتيجية تفيد في تحقيق أهداف بعيدة المدى، وأن في الناس الطيبين من أهل البلاد الأصليين خصالاً وتقاليد حميدة وإن بدت للآخرين استفزازية أو متخلفة. عرفنا أن بعثات دولية ذهبت بآلات تصوير ومسجلات صوت لتسجّل بالصورة والصوت أدواراً وروايات جرى تلقينها لأطفال وفتيات ونساء قبل التسجيل، وعرفنا كذلك أن طائرات الحكومة السودانية لم تميّز بين متمرد يحمل السلاح وطفل يجرّ خلفه فرع شجرة ليوقد لعائلته ناراً تطبخ عليها، وأن المسلحين الأقرب في النيات والمصالح إلى الطبقة الحاكمة في الخرطوم كانوا، وما زالوا، قساة القلوب فتعاملوا مع قبائل أخرى بوحشية وقتلوا ونهبوا وأحرقوا ودمروا. وعرفنا أن ميليشيات ومنظمات أخرى متمردة تمارس الوحشية بالقدر نفسه، وتتلقى أموالاً وفيرة من خارج الحدود وتصل إليها أسلحة متنوعة وتتدرب عليها على أيدي شركات أمن غربية، من النوع نفسه الذي دمّر العراق وانهال عليه نهباً وقتلاً وتخريباً. ولن ننسى أن أفراداً قليلي العدد من العاملين مع هذه الشركات أقيمت لهم محاكم «غربية متحضرة» لتقتص منهم بسبب جرائم، لم توصف بأنها جرائم حرب، ولم تحظ أي من هذه القضايا بتغطية إعلامية تنبّه إلى خطورة ما ارتكبوا ولم تصدر أحكام بعقوبات تتناسب مع ما اقترفوه بحق المدنيين العراقيين و ما سرقوه ونهبوه ودمّروه.
إذا كانت المعلومات التي توفرت لنا عن الوضع في دارفور صحيحة، بمعنى أن المأساة كانت بفعل طرفين على الأقل ارتكب كلاهما جرائم محققة ومؤكدة لاستحق الأمر إقامة محكمة يمثل أمامها المشتبه بهم من كلا الطرفين. وتتولى «جهة دولية» تنفيذ الأحكام، بشرط أن تكون المحكمة بأعضائها ولوائحها وموقعها، مستقلة ومتحررة من نفوذ دول مستفيدة من الأوضاع في دارفور خصوصاً والسودان عموماً .
لا أتوقع عدالة من محكمة دولية أقيمت لتحاكم البشير ولا تحاكم جورج بوش. فالمعلومات التي توفرت لنا عن مأساة دارفور لا تختلف عن المعلومات التي توفرت لنا وكذلك للشعوب الغربية خصوصاً الشعب الأميركي نفسه عن مأساة العراق إلا في التفاصيل وأنواع الإبادة. وإذا كانت قيم العدالة المتأصلة في نفوس بعض قادة الرأي في العالم العربي تمنعهم من رفض محاكمة البشير وأعوانه على ما ارتكبوه ضد المدنيين في دارفور، فإن هذه القيم ذاتها هي التي تثير حماستهم لشن حملة عربية، وعالمية إن أمكن، لمحاكمة جورج بوش وأعوانه عن جرائم حرب وقعت في العراق وتقع يومياً في أفغانستان وباكستان، وهي القيم نفسها التي تدفع بعضاً من أعظم رجال القانون الدولي من العرب وغير العرب للدعوة إلى محاكمة ايهود أولمرت وايهود باراك وبقية أعضاء العصابة الصهيونية العنصرية الحاكمة في إسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات إسرائيل في غزة وترتكبها كل ليلة في مدن الضفة الغربية وقراها تحت سمع السلطة الفلسطينية وبصرها، وهي السلطة التي وافقت على أن تنسحب قوات الأمن التابعة لها فلا تكون بين الشهود على جرائم القوات الإسرائيلية.
سمعت في ندوة حقوقية التأمت منذ أيام طالباً ردد في مداخلة له عبارة «الاستعمار القضائي»، كمرحلة أو أسلوب لا يختلف كثيراً عن مراحل سابقة وأساليب عتيقة جرّبها الاستعمار الغربي ضد شعوب أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. وكان الشاب موفّقاً في اختيار  العبارة أو استخدامها نقلا عن شخص آخر. نعرف أن حرية التجارة كانت أسلوباً أول، وترويج الأفيون وزراعته وتجارته أسلوب ثان، وتغيير أولويـات الإنتـاج والاقتصـاد في المستعمرات كما حدث في الهند ومصر والصين وأميركا الجنوبية أسلوب ثالث، والتبشير بالديانة المسيحية أسلوب رابع، ونشر رسالة الرجل الأبيض وحضارته أسلوب خامس، والاستيطان أسلوب سادس، وصدام الحضارات أسلوب سابع والغزو العسكري والاحتلال أسلوب دائم.
أتصور أن صوتاً سيرتفع منتقداً الطالب بحجة أنه أساء إلى سمعة القانون وحرمته، ولكن ما ذنبه إذا كان هذا القانون الذي يفترض أن لا يميّز بين الناس يميّز في الواقع ضد شعوب العالم الثالث وينحاز الى شعوب الغرب ومصالحه ودياناته وعقائده؟ يطارد من يشاء من زعماء دول الشرق وتنظيماتها السياسية وتياراتها وعقائدها الدينية ويتجاهل إرهاباً وجرائم يرتكبها مسؤولون في دول الغرب في كثير من المرات التي اتخذوا فيها قرارات بشن حرب أو تنفيذ إجراء عسكري أو فرض عقوبات حصار أو اغتيال شخص ما في مكان ما باسم العدالة الدولية. ربما أساء الطالب، ويسيئ البعض منا إلى القانون عندما يثير الشكوك في عدالة وإنصاف المحاكم الدولية التي تعقد في الغرب لمحاكمة الشرق. ولكن عذر الكثيرين منا أن الغرب لم يقدم لنا ما يعيد الثقة في منظومته الأخلاقية التي رأيناها تتدهور في بلاده بحجة محاربة الإرهاب وحماية أمن المواطن، ورأيناها تقف وراء انهيار الاقتصاد العالمي بسبب فساد قطاع المال والأعمال وهيمنة ثقافة الجشع.
أشعر أن قوى هائلة النفوذ والسطوة في الغرب لن تسمح لباراك أوباما بأن يذهب بعيداً في إصلاحاته خصوصاً في قطاع السياسة الخارجية. لذلك ربما كان ضرورياً أن نساهم في مساندته بدعم خطواته التي نرى فيها فائدة لمصالحنا وحقوقنا. نستطيع أن نساهم عن طريقين على الأقل:
أولا: بأن نستأنف ممارسة عدد من الأنشطة التي قامت بها شعوبنا في الماضي وبفضلها حققنا الاستقلال السياسي وأسسنا لاقتصادات اعتمدت التخطيط الاقتصادي والتنمية الشاملة. وأظن أن ما فقدناه من سيادة وعدالة في ظل الهيمنة الأميركية وسيطرة الشركات والمؤسسات الدولية تجاوز في نواح متعددة ما فقدناه في ظل الاستعمار الأوروبي.
ثانيا: أن نعلن الثورة على أنفسنا. نعلن رفضنا التخلف وسكوتنا على القهر السياسي وأشكال الظلم الاجتماعي وفوضى المؤسسات وأوجه الفساد المالي وانهيار القيم العامة والفردية. لا يجـوز الاسـتمرار في مطالبة الغرب باحترام حقوقنا والجيّد في تقاليدنا بينما نحن أنفسنا لا نصون كرامتنا ونهمل حقوقنا. لا يجوز مطالبة الآخرين بإقامة مؤسسات دولية عادلة ومنصفة بينما نتمسك بمؤسسات وطنية واجتماعية ظالمة ومتحيزة وأحيانا ندافع عنها.
مطلوب من أمم العالم النامي أن تتمرد على الجوانب الظالمة والمظلمة في مؤسسات الغرب وعقائده، ومطلوب في الوقت نفسه وبإلحاح أشد أن تتمرد على الجوانب الظالمة والمظلمة في مؤسساتها وتقاليدها ومنظومات القيم في بلادها.
* كاتب مصري
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى