صفحات الناس

انتفاضة قامشلي المباركة في ذكراها الخامسة

null
عبدالباسط سيدا
قبل خمسة أعوام أقدمت قوات الأمن السورية على إطلاق النار من دون سابق إنذار على الكرد العزل في قامشلي بتاريخ 12 آذار/مارس 2004 ، وذلك في إطار لعبة مخابراتية مكشوفة، كانت – وما زالت- تهدف إلى إثارة النعرات الشوفينية، وبناء جدران الحقد والشك والخوف بين مكوّنات الوطن الواحد؛ كل ذلك ليتسنى للزمرة القابضة بالقوة – ومن دون أية مشروعية- على مقدّرات وأقدار سورية دولة ومجتمعاً أن تستمر في الحكم وبأي ثمن؛ زمرة تلهث في مختلف الاتجاهات، تمارس كل المحظورات، تبدي استعدادها للآخر القريب والبعيد للتفاهم وتنفيذ المهام، شرط أن تحظى بعقد جديد يمكّنها من التفرّد بشعبها ، ليكون موضوع تسلطها وجشعها وقمعها؛ فتغدو قيم الذل والبلاهة والنفاق والتهرب من المسؤولية، هي سمات الرعية الصالحة في منظور القائد الراعي الذي “يستحق كل التبجيل والتعظيم”، إن لم نقل “التأليه بذاته”، كونه “يضحي” عبر نزوله من عليائه، وقبوله بقيادة شعب مغلوب على أمره نحو وجهات لا يعلم سوى الله، والقائد، وزمرة القرار بأبعادها ومراميها…
وبناء على مقتضيات اللعبة المخابراتية المشار إليها، تم إطلاق النار في اليوم التالي 13 آذار/مارس – بصفاقة غير معهودة في أي بلد كان- على المشيعين الذين كانوا في طريقهم لدفن شهداء الثاني عشر من آذار/ مارس 2004، الأمر الذي أكد للقاصي والداني أن الموضوع لم يكن موضوع تسرّع غير مسوغ لمسؤول محلي، بل هو في الأصل من صلب السياسة المعتمدة سلطوياً نحو الشعب السوري بأسره على وجه العموم، ونحو الشعب الكردي في سورية على وجه التخصيص. وحينئذ انطلقت الانتفاضة التي لم يكن يتوقعها النظام، لتمتد في ساعات قلائل من ديريك إلى عفرين، وتعمّ التجمعات الكردية الكبرى في حلب ودمشق، وتجاوبت معها مهاجر الكرد السوريين الموزعة في أوربا وأمريكا وحتى استراليا؛ وتنبه العالم كله لمحنة الشعب الكردي في سورية الذي يعيش اضطهاداً مزدوجاً، وظلماً مركبا؛ يُحرم من كل حقوقه، ويتعرّض في الوقت ذاته لمختلف التدابير والمشاريع التعسفية التي تستهدف وجوده. يتقاسم الظلم العام المفروض على كل السوريين، لكنه يواجه الظلم الخاص أيضاً المفروض عليه استنادا إلى الانتماء القومي المغاير.
لقد كانت انتفاضة شعبية بامتياز، جسّدت المعاناة المتراكمة، وعبّرت عن التطلعات المشروعة، وأكدت للجميع أن جهود الرواد من الجنود المجهولين لم تذهب سدى، هؤلاء الذين كانوا يضحون بالوقت والجهد والمال والمستقبل الخاص بهم وبأولادهم في سبيل قضية آمنوا بعدالتها، وعملوا من أجلها، وهم على يقين تام بأنهم لن يحصلوا على أي امتياز شخصي في حياتهم، بل كان زادهم هو العشق النضالي الذي كان يمكّنهم من تحمل ما لا يتحمّله الصخر الأصم؛ كانوا يجابهون العراقيل والمشقات من متابعة وملاحقة وسجن وتشرّد، ويحلمون دائماً بمستقبل أفضل يحفظ الكرامة للأبناء والأحفاد.
لقد أثلجت انتفاضة قامشلي المباركة صدور المناضلين الكرد الأحياء منهم والأموات؛ وبينت أن طاقات كامنة هائلة تنبض بقوة في صدور شبابنا وشاباتنا من جيل المستقبل الذي عليه تُعقد الآمال.
وقد كان الحرص من قبل النشطاء الكرد – لا سيما من جانب أولئك المستقلين الذي كانوا قد تركوا العمل الحزبي لأسباب عدة لا مجال لتناولها الآن- يتمركز حول ضرورة المحافظة على التفاهم والتواصل بين الأحزاب الكردية ومختلف الأوساط الشعبية، وذلك لانطلاقهم من أهمية وضرورة وجود قيادة سياسية، تستطيع الارتقاء بالعمل الجماهيري نحو المستويات التي تنسجم مع تطلعات الشعب الكردي المشروعة، تلك التطلعات المطالبة برفع الظلم وتأمين الحقوق.
وما مثّل خطوة ايجابية واعدة على المستوى الوطني في ذلك الحين، هو تحرك عدد من النشطاء السوريين من الداخل السوري- خاصة من دمشق- نحو قامشلي، حيث التقوا بالقيادات السياسية والفعاليات الثقافية الاجتماعية الكردية، الأمر الذي جسّد بحق بداية سليمة لحراك سوري وطني، من شأنه النجاح، هذا فيما لو تسلّح ببرنامج وطني عام يوحد السوريين على قاعدة الانتماء الوطني الواحد، واحترام الخصوصيات، وتوفير كل مستلزمات العيش المشترك التي تتعارض مع نزعات الاستثناء والإقصاء والتهميش؛ هذا ناهيك عن تناقضها الجازم مع محاولات النظام في ميدان تفتيت الوحدة الوطنية، وتدبير المكائد بغية تأليب المكونات السورية بعضها ضد بعضها الآخر.
وقد قلنا مع غيرنا من المهتمين بالشأن الكردي والسوري عموماً في ذلك الحين، وما زلنا نقول: أن مجموعة القرار في النظام الحاكم التي تعتبر مسألة السلطة بالنسبة إليها مسألة حياة أو موت، لم ولن تدّخر أي جهد في سبيل تفتيت العمل الوطني، وبعثرته في اتجاهات متعارضة متباعدة. كما أنها تدرك – استنادا إلى تجربتها المخابراتية التي تمتد على عقود طوال، تشمل أكثر من ثلثي عمر الدولة السورية الحديثة- كيفية خلخلة الأحزاب السياسية وزرع بذور الشقاق فيما بينها، وإلهائها بخطاب ديماغوجي مضلل؛ هذا إلى جانب قدرتها على التحكم بأرزاق الناس ومصائرهم، الأمر الذي عملت على استغلاله أبشع استغلال. فلجأت إلى التهديد والترغيب، مارست الاعتقال والتصفية والملاحقة والإبعاد بحق المعارضين المنتقدين، وغضت في المقابل النظر عن التحركات التي وجدت فيها متنفساً للناس من دون أن تتوقف لحظة عن مراقبتها ومتابعتها؛ فهي تحركات تزيينية مطلوبة، طالما أنها تتم ضمن الهامش المحدد، وتلتزم صيغ العقد غير المكتوب. وهكذا نجحت السلطة المعنية في بعثرة الجهد الكردي بين المعتدلين والمتشددين إذا جاز لنا استخدام مثل هذه المصطلحات؛ كما سعت إلى وضع الحواجز أمام تفاهم فاعل بين العمل الكردي الخاص والوطني العام في سورية؛ وهي تعمل باستمرار على توجيه أنظار الكرد نحو الخارج، وتسعى في الوقت ذاته من أجل بث دعاية مضللة مفادها أن النزعة الانفصالية هي التي تمثل المحدد الأساسي بالنسبة إلى العمل الكردي، وهي التهمة التي تتردد دائما في لائحة الاتهام الموجهة إلى الناشطين الكرد الذين يوصمون بأنهم يثيرون الفرقة والنعرات العرقية، ويهدفون إلى اقتطاع جزء من البلاد؛ مثل هذه التهم الباطلة وغيرها تعتبر حجر الزاوية في السياسة الرسمية المعتمدة في سورية، وهي سياسة ترمي في المقام الأول إلى بناء جدران الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وتدفع بهم نحو هواجس الشك والتوجس من القادم المجهول.
وبالتناغم مع هذا التوجه، لجأ أصحاب العقلية الانتقامية من الذين يمسكون بالملف الكردي في سورية راهناً إلى لعبتهم القديمة- الجديدة التي تتمثل في إصدار القرارات و”القوانين” و”المراسيم” السرية منها والعلنية، التي تهدف جميعاً إلى إثارة الخلافات بين الناس، ووضع العراقيل أمام النشاط الزراعي باعتباره العمود الفقري لأي نشاط اقتصادي في المناطق الكردية، وقد جاء “المرسوم” 49 لعام 2009 ليُطبق نهائياً على قطاع العقارات والأراضي الزراعية وهو المرسوم الذي يمنع بيع وشراء العقارات والأراضي في المناطق الحدودية (والقسم الأعظم من المناطق الكردية قد اعتبرت من المناطق الحدوية، خاصة في محافظة الحسكة التي أدخلها المرسوم المشار إليه بالكامل ضمن المناطق المعنية) من دون الحصول على التراخيص المطلوبة التي لن تأتي، باعتبارها تتطلب موافقة سلسلة لا تحصى من الوزارات والدوائر الأمنية التي تستهدف الكرد في المقام الأول. وهكذا جاء هذا المرسوم وغيره من الإجراءات لزيادة أعباء محافظة الحسكة على وجه التحديد المرهقة أصلاً، وذلك بفعل المشاريع والسياسات العنصرية القديمة- المستمرة مثل الحزام والإحصاء والتعريب القسري والإهمال المتعمّد، والنهب الرسمي. لكن شعبنا لم ولن يسكت عن الضيم، وسيظل مستمراً في نضاله العادل المشروع المطالب برفع الظلم، وتأمين الحقوق المسلوبة ظلماً وعدواناً. وما النشاطات المتوالية – من اعتصامات ومظاهرات واجتماعات وحملات جمع التواقيع وتشكيل الوفود- سواء في الوطن أو المهاجر سوى دلائل أكيدة تبين أن الحق المشروع لن يخضع لمبدأ التقادم الزمني؛ كما أن الظلم مهما اشتد وتعربد، فإنه لن ينال من إرادة المناضلين الذين التزموا بنبل قضية شعبهم، وآلوا على أنفسهم أن يستمروا على الرغم من كل الصعاب والعراقيل في مسيرة الشرف والكرامة، تلك المسيرة التي خضبها شهداؤنا في آذار وما بعد آذار بدمائهم، إنها المسيرة ذاتها التي سار فيها الرواد، وسيسير فيها أحفاد الأحفاد حتى تعود الحقوق كلها إلى أصحابها.
وأخيرا وليس آخراً، لابد من القول: ان الرد الجاد المثمر على مختلف المحاولات السلطوية في ميدان بعثرة الجهد الوطني، وتشتيت قواه – وهي محاولات تستهدف تكريس اليأس والإحباط بين الناس- يكون بالعمل المشترك من قبل كل الفصائل والشخصيات الفاعلة التي تمثل جميع مكونات النسيج الوطني السوري في إطار مشروع وطني سوري عام، يكون بمثابة عقد وطني جديد، يعيد إلى مفهوم المواطنة دلالاته الحقوقية والأخلاقية؛ ويؤكد أن كرامة المواطن كمواطن، بغض النظر عن أي شيء آخر هي خط أحمر، وفوق أي اعتبار. عقد يحقق جدلية التواصل بين الخاص والعام، يحترم الخصوصيات في إطار الحاضنة الوطنية الكبرى؛ يعترف بالحقوق، ويرفع الضيم، ويؤكد وحدة الوطن والمصير.
لقد آن للسوريين أن يشعروا جميعاً بأنهم ينتمون إلى الوطن نفسه؛ كرامته من كرامتهم، وعزته بعزتهم. لقد أن لهم أن يتفاعلوا تفاعل الجسد الواحد، لا يغضون النظر عن الظلم الذي يلحق بأي مكوّن من المكوّنات، أو بأية فئة من الفئات، وحتى بأي فرد من الأفراد؛ بل يتضامنون معاً، ويتبادلون الرأي والمشورة، وينسقون ويعملون معاً، ويرفعون الصوت عالياً ضد الظلم الذي كان دائما السبب في خراب المجتمعات.
المجد والخلود للشهداء الأبرار، والعار كل العار لقتلة أبناء البلد.
الحوار المتمدن

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اعتقد ان ماجرا في قامشلو كان عبارة عن لعبة استخباراتيه بين البيشمركا واطراف خارجية هدفها زعزعة الامن والاستقرار في قامشلو وتفريق الاخوة الكرد عن العرب بواسطه زمره قليله هدفها تدمير النسيج الكردي العربي في قامشلو ولكن المشروع فشل وذهب ضحيته مجموعة من الشباب المتحمسين للقضية الكرديه

    لازكين شيخو عبد الباسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى