صفحات سورية

الديمقراطية بين براثن الديبلوماسية العربية والسلطوية

null
بشار السبيعي
تتسارع وتيرة الأحداث على الساحة العربية في الشرق الأوسط بإتجاه مايشابه تهدئة للخلاف الذي أدى ألى إتساع الشرخ الأيديولوجي بين مايسمى اليوم في العالم العربي دول الإعتدال والممانعة. فقد زار وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل العاصمة السورية دمشق منذ أيام مفاجئاً مراقبين الوضع السياسي بين الدولتين المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية. وقد أوردت بعض وكالات الأنباء اليوم أن وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قد وصل البارحة السبت ألى العاصمة المصرية القاهرة في زيارة مفاجئة تحمل في أجندتها محاولة لإنجاح موتمر القمة العربية الدورية المقرر أنعقادها في العاصمة القطرية الدوحة في 30 من شهر أذار الجاري.
وتأتي مذكرة توقيف وأعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة أرتكاب جرائم ضد الإنسانية من قبل المحكمة الجنائية الدولية في زيادة توتر أوضاع المنطقة أكثر مما كان يتصور المحلليين والمراقبين السياسيين للشرق الأوسط. فبعد أن بُنيت الكثير من الآمال والتوقعات الإيجابية عند رؤساء وملوك وسلاطين المنطقة على أنتهاء حقبة حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش وأستلام الرئيس باراك أوباما منصبه في كانون الثاني الماضي، تبدو الأمور اليوم عند هؤلاء أكثر تعقيداً لما كانوا يتوقعون من نتائج أيجابية للتغيير في سياسية الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.
تتبع أقطار المنطقة خلال السنوات الأخيرة ومنذ عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش، ماوصفه معهد كارنيغي للسلام في تموز من العام الماضي في ورقة دراسة من تأليف الباحثين السياسيين السيدة مارينا أوتاوي والأستاذ محمد حرز الله، ب “الديبلوماسية العربية الجديدة : تُعارض وليس مُعارضة للسياسة الأمريكية”. وقد أشارت تلك الدراسة في ملخصها بالتالي :
“بدأ العديد من الدول العربية، التي غالباً ما كانت تقف إلى جانب الولايات المتحدة، تتمنّع بشكل مضطرد عن السير في ركابها على صعيد معالجة المشاكل الإقليمية. هذه النزعة إلى إنتهاج سياسة خارجية مستقلة تجلّت أكثر ما تجلّت في دول الخليج، بمن فيها تلك التي توجد على أراضيها منشآت عسكرية أميركية كبيرة كقطر والكويت والبحرين. إذ إستنتجت هذه الدول أن السياسة الأميركية في المنطقة تأتي بنتائج سلبية، ولذا عمدت إلى تبنّي دبلوماسية جديدة. وهكذا، رفضت دول الخليج الإنضمام إلى الولايات المتحدة في تحالف معاد لإيران وارتأت، بدلاً من ذلك، أن تحافظ على علاقات دبلوماسية وثيقة بطهران برغم خشيتها من تعاظم نفوذها. وهي تحاول أيضاً تحقيق مصالحة بين حركتي حماس وفتح في فلسطين، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى عزل حماس. كما ساهمت دول الخليج في المفاوضات لإيجاد حل توافقي في لبنان، في وقت كانت الولايات المتحدة تشجّع الحكومة اللبنانية على اتخاذ مواقف متصلّبة. لكن، ومع هذا كله، ليست دبلوماسية الدول العربية موجّهة ضد الولايات المتحدة، برغم أنها
تتناقض مع توجهاتها.”
وتأتي زيارة وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل إلى العاصمتين السورية والمصرية في غضون أسبوع واحد ضمن أستمرارية الإستقلال لهذه الديبلوماسية الجديدة المتبعة من قبل الدول العربية بالنسبة للسياسة الأمريكية في المنطقة. ولو أنها على السطح وللوهلة الأولى تبدو وكأنها تصب في مصلحة التلاحم والإخاء العربي ولكنها في حقيقة أمرها تعود ألى النهج القديم في رؤية الحكام العرب لمصالحهم الخاصة في التمسك بالسلطة ونفض الخلافات بينهم عندما تواجه الأوتوقراطية العربية المشتركة تهديداً خارجياً تتضح ملامحه اليوم في تعرض نظامان عربيان في المنطقة ألى هزة دولية ومواجهة حتمية بينهم وبين المجتمع الدولي الممثل بالمحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للجمهورية السودانية والمحكمة الدولية الخاصة المحققة في أغتيال الحريري بالنسبة للجمهورية العربية السورية.

ينطبق المثل الشعبي “أنا وأخي على أبن عمي وأنا وأخي وأبن عمي عالغريب.” على ديبلوماسية الدول العربية في المنطقة أكثر من أي قول أو تحليل. فقبل سقوط الرئيس صدام حسين شهدنا كيف تساقط دعم الدول العربية لذلك النظام بشكل مستمر منذ حرب الخليج الأولى ألى أن شنت الولايات المتحدة حربها على العراق عام 2003. وقد حاولت بعض الأنظمة العربية في المنطقة مابوسعها لإقناع الرئيس المشنوق بالرجوع عن سياسة المواجهة المباشرة مع الغرب وخاصة ضد الولايات المتحدة الأمريكية لتجنب ماحدث، ولكن طبيعة علاقة الحاكم العربي المبتورة الجذور للدعم الديمقراطي الشعبي في مفهوم الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم، تؤدي ألى نرجسية الحاكم العربي والصعود بمخليته في رؤية نفسه ألى المرتبة الألهية. وهذا بالطبع مايؤدي في النهاية ألى كوارث حتمية تدفع ثمنها شعوب المنطقة يوماً بعد أخر.
وتبدو منطقة الشرق الأوسط المبتلية بداء الإستبداد والسلطوية وكأنها تعيد تاريخها كل بضعة سنين. فهاهو اليوم الرئيس السوداني عمر البشير يهدد بطرد مزيداً من منظمات الأغاثة الدولية من السودان بحجة أنهم جواسيس للغرب، وذلك بعد أن طرد 13 منظمة من القطر قبل أيام كانت تُعيل أكثر من مليون لاجئ سوداني من دارفور على حسب قول حركة العدالة والمساواة المعارضة. ولم يتوقف الرئيس السوداني المتهم عند ذلك بل أنه تابع مخاطباً أعضاء المحكمة الجنائية الدولية بالتالي “أقول لهم كل أعضاء المحكمة ومدعيها العام تحت حذائي هذا”!!
من هنا تبدو لنا ملامح تحديات خطيرة في الأفق لرؤساء وملوك وسلاطين الدول العربية وأولها يكمن في عدم أمكانية هذه الدول في تبني الديمقراطية في الحكم والإستناد لشرعية القضاء والمؤسسات المدنية في هذه البلدان. فبعد أن حكم البعض من هؤلاء بالتعاون مع أيران على دفن أولى بذور الديمقراطية في المنطقة في العراق، ولبنان، وفلسطين ودعم أطراف متطرفة هدفها إفشال أي مشروع ديمقراطي يخدم شعوب المنطقة، تتسارع أطراف النزاع اليوم ألى ردم فجوة الخلاف العربي لتفادي ماهو قادم. ومع ظهور أول بوادر سياسة الأسترضاء من البيت الأبيض اليوم لدول الممانعة والمواجهة في المنطقة بدل سياسة المواجهة والحروب الإستباقية التي أتسمت بها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، تظهرعلامات التحرك لدول المنطقة نحو تفريغ المواجهة الحتمية لدول الممانعة مع المجتمع الغربي بائسة المصير والنتائج. فمهما حاولت بعض حكومات الدول العربية أستباق الأحداث لتجنب تغيير موازين القوى الجيوستراتيجة وتأثيرها المباشرعلى الوضع السلطوي في المنطقة لايمكن لها أن تحتوي مايخبئ لها المستقبل على صعيد المتغيرات المحلية لتلك الأقطار. وإن فضلت التعامل مع الأزمة اليوم بإحتواء المخاطر الخارجية لتقدم أولويات تلك الأزمة على غيرها في جدول العمل، تبقى المعادلة خارج نطاق الحل بالنسبة للديبلوماسية العربية.
تداعيات الأزمة المالية العالمية السلبية على التنمية و البناء وأقتصاد البلدان العربية ستفاقم حدة التوتر الأقليمي للمنطقة في السنوات القادمة. وإذا صدق المحلليين والخبراء الإقتصاديين في العالم في توقعاتهم سنواجه ركود عالمي في جميع قطاعات العمل تعجز الحكومات العربية الفقيرة منها بالموارد الطبيعية ببنيتها الإقتصادية الهشة اليوم في التعامل معه وتجنب مخاطر نتائجه على الصعيد المحلي.
لايمكن لأي نظام حكم في العالم أن يستمر في أستبداده وتسلطه للأبد. فقد أثبت التاريخ زوال تلك الأنظمة مهما طال عمرها وتاريخها. وقد شهدنا كيف تساقطت دول الحزام الإشتراكي في أوربا الشرقية واحدة تلو الأخرى بعد أنهيار الأتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن المنصرم. سيبقى المشروع الديمقراطي في المنطقة سجين بين براثن الديبلوماسية العربية والسلطوية، ولابد لعجلة التغيير الديمقراطي بأن تلحق بالمنطقة عاجلاً أم أجلاً، بالسلم أو بالحرب، من الداخل أو الخارج، والنهاية تبقى في أيادي شعوب المنطقة في مدى رغبتها في التحرر من الشمولية والعمل على التخلص من الإستبداد و القهر والقمع. فهل ياترى تسمع حكوماتنا العربية من المحيط ألى الخليج نداء تلك الشعوب ورغبتها في التحرر وتقرير المصير؟
الحوار المتمدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى