صفحات أخرى

تدجين العقول العائدة إلى أوطانها

null


د.نديم معلا

قد تدهش وأنت تقرأ السيرة الذاتية لباحث أكاديمي، أو لمن يُوصف بالمفكر أو المحلل، إلى آخر ما استُحدث من ألقاب،فالرجل الذي أمضى سنوات دراسته العليا في جامعة أوروبية أو أميركية، وتعلم التفكير بطريقة عقلانية منهجية، أبعد ما تكون عن الهوى أو المفاهيم والطروحات المسبقة، يبدو الآن كأي فرد آخر لم يغادر بلاده، ولم يتجشم عناء الغربة العقلية الإنشائية ذاتها، والخطاب المنغلق الغارق في مديح الذات، ورشق الآخر الذي عاش بين ظهرانيه سنوات، بعبارات ظالمة ما كان لها أن تكون عجافًا، لو أنه عرف كيف يستفيد وكيف يطور نفسه، وكيف يقبل على العلم بذهن منفتح.

والحياة في الغربة لا تقف عند حدود الجامعة بل تتعداها إلى المجتمع خارجها. وما يمكن أن يكتسبه المرء من ذاك الخارج، لا يقل أهمية عمّا يكتسبه من الداخل. فمن نافل القول إن الحضارة واحدة وإنها ستضيء الزوايا كلها من طول البلاد إلى عرضها.

لماذا يترك هذا العائد من الدراسة، كل ما اكتسبه من تنوّر وانفتاح على الحضارة خلفه، ويعود إلى المربع الأول مزيحًا الحاضر الراهن، وهو إيجابي بمعظمه، وعائدًا أدراجه إلى الماضي؟ أي إلى ما قبل البعثة أو الرحلة العلمية، ومتخفيًا خلف أسئلة الهوية والثقافة والتراث؟ ومع التوكيد على ضرورة التمسك بهذه الأقانيم الثلاثة، وعدم التفريط بها، إلا أن التقدم والأخذ بأسبابه، وحده الذي يحقق المنعة، والقوة لوجود الأمة ككل. لأن التخلف المعرفي بوجوهه كافة، النظري منها والتطبيقي يقود إلى الضعف والتآكل من الداخل ومن ثم إلى العدم.

إن أبناءنا الذين يعودون إلينا بالعقلية المتخلفة، غير القادرة بل والعاجزة عن البحث والربط والتحليل ومن ثم الاستنتاج الموضوعي، كأني بهم بددوا أوقاتهم وأوقات ذويهم، وأنفقوا أعمارهم سدى.

وقد لا يجد المتابع كبير عناء، ليقف على بعض آليات التقهقر هذا، فالمجتمع يشجع على «عودة الابن الضال» في وعيه وفي أناه العليا. والاختلاف في طريقة التفكير، بل ونمط الحياة أيضًا، لا يمكن أن يتقبلها بسهولة. إنها الإرادة الجمعية (أسريًا وقبليًا) تواجه إرادة الفرد الذي، كما تزعم هذه الإرادة، يشق عصا الطاعة على بنية راسخة تشكل، الهوية والثقافة والأصالة. ومن المؤسف أن العقلية التي تشربت التفكير العلمي، والتي أدركت أن هذا التفكير، لا يعني بالضرورة إقصاء الهوية أو التنكر لها، تجد نفسها أمام خيارين حاسمين:

الخيار الأول: قبول التدجين والاستسلام للواقع والانخراط في الحركة الجمعية، وبالتالي التصفيق لكل ما يصدر عنها، وكأن شيئًا لم يكن، أي كأن الدراسة لم تكن وكأن الحصيلة المعرفية الداعية إلى التغيير لم تكن هي الأخرى!

الخيار الثاني: السعي إلى تطبيق الرؤى والأطروحات والأفكار التي اكتسبها الباحث، أو مشروع الباحث، في أضعف الأحوال، ومن ثم الانتقال إلى الضفة الأخرى أو الموقع الآخر، وتحمل تبعات هذا السعي، أو هذا الانتقال اجتماعيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا.

وأولئك الذين ساءهم، بل ويسوءهم دائمًا، أن يروا زميلاً أو حتى صديقًا لهم يتقدمهم، محاولاً اختراق التخلف، أو بعض هذا التخلف، على الأقل، لأنه يكشف تقاعسهم وخمولهم وعقولهم المغلقة التي استمرأت الكسل والتغني ببقاء الأحوال كما هي، غالبًا ما يتحركون بذرائع يزعمون أنها أخلاقية، وهي في باطنها غير ذلك، لإيقاف التغيير ولمصادرة حتى مجرد نية التغيير!

والنتيجة هي تدجين العقول وإعادة إنتاج آليات عملها الصدئة، والتي برهنت الأيام على عجزها، وهي المسؤولة عن التخلف المزمن الذي لا يبدو أن ثمة سبيلاً للخلاص منه، إلا بالحفاظ على ديمومة التنوير، الذي يكتسب الطالب أو الدارس في الدول المتقدمة الكثير منه.

كيف استطاع اليابانيون والماليزيون وشعوب أخرى في جنوب شرق آسيا، اللحاق بقطار التكنولوجيا والعلوم، لو لم يفتحوا عقول أبنائهم إلى أقصى مداها، ويشجعوهم على الأخذ بزمام المبادرة، والدخول إلى المختبرات العلمية وليس أمامهم إلا هدف سام واحد: الخروج من الماضي إلى المستقبل.

الدولة بأجهزتها المختلفة التشريعية والتنفيذية، معنية قبل غيرها، بحماية العقول العائدة إلى أوطانها، من التدجين، وإعادة الإنتاج. وإن كنا ندرك جيدًا، أن الدولة ليست سوى مجموعة أفراد. وأن هؤلاء الأفراد قد لا يُظهرون القدر الكافي من التعاون. ما العمل إذن؟ هل هو التركيز على أولئك، وإضاءة عقولهم عبر إيقاظ الوعي الوطني فيهم، وإفهامهم أن حماية التراث والهوية والمنظومة الأخلاقية برمتها، لا تكون إلا بالوطن القوي، والعلم أحد أركانه الأساس؟

كاتب من سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى