صفحات ثقافية

صرخة مدويّة ضدّ حفلات التعذيب

null


فارق كبير بين مهمة تحويل قصة حقيقية إلى فيلم سينمائي، وأن يكون المؤلف هو صانع القصة ومحرّكها من البداية إلى النهاية. في هذه الحالة، المتوقع أن يحوّل صاحب القصة التفاصيل إلى مشاهد متتابعة تنتظر مُخرجاً يقدم شريطاً أقرب إلى الفيلم الوثائقي. لكن الزميل وائل عبد الفتاح اختار معالجة درامية مغايرة لسيناريو «الكبير» الذي يدور حول قضية تعذيب سائق الميكروباص المصري عماد الكبير. وهي القضية التي دخل بسببها ضابط شرطة (إسلام نبيه) إلى السجن،
ومعه مساعده (رضا فتحي). عماد الكبير كان مجرّد شاب، تعذب بوحشية داخل قسم شرطة، من دون أن يعرف أحد من هو. لكن صرخات ذلك «المعذب المجهول» وصلت إلى الناس من خلال مقاطع فيديو، انتشرت كانتشار النار في الهشيم، عبر تقنية «البلوتوث». وظل عماد الكبير نموذجاً للقهر والخوف من المصير نفسه، وبقيت الصحف والمدونات تكتب عن المعذب المجهول، حتى عثرت عليه أسبوعية «الفجر»، ليبدأ الكبير مع الصحيفة رحلة استرداد حقه. وقد خاض عبد الفتاح معركة صحافية أوصلت القضية إلى المحكمة، حتى صدر قبل أشهر الحكم لمصلحة الكبير. وعُدَّت الحادثة قضية عام 2007 في مصر. من هنا، قرر عبد الفتاح «توثيق» كل ما حدث في شريط سينمائي، أنهى كتابة معظم مشاهده أخيراً، وبدأ جلسات التعاون مع المخرج إيهاب لمعي الذي سبق وقدم أفلاماً رومانسية عدة. لكنه على ما يبدو انجذب نحو «إنسانية» فيلم «الكبير» الذي اعتمد عبد الفتاح في كتابته على صناعته لأبطال تلك القضية على صفحات «الفجر»، فقرر أن يبدأ الفيلم من خطين متوازيين، أولهما خاص بسائق الميكروباص وحياته ومشاكله وأخطائه وهمومه وأمنياته، والآخر عن ضابط الشرطة وكيف يرى الناس من عدسته الخاصة… يحدث اللقاء بينهما، واللقاء في فيلم وائل عبد الفتاح يجري على مراحل، كل مرحلة لها قانون خاص، تتأثر بعوامل تختفي في المراحل المقبلة. في البداية، لقاء بين صاحب سلطة وسائق يرتبط عمله بتنفيذ القانون الذي يؤسسه كل «صاحب سلطة» حسب فلسفته الخاصة. ثم تتطور العلاقة إلى إيذاء الطرف الأقوى للطرف الأضعف وإذلاله بعدما تمرد الأضعف على قانون «صاحب السلطة». لكن المشهد يتغير عندما تصبح «القضية علنية» فتدخل لغة الحوار الهادئ والأمنيات للمرة الأولى إلى قاموس «صاحب السلطة» الذي لم يعد كذلك. حتى في اللقاء الأخير، يقف «صاحب السلطة سابقاً» وراء القضبان يسمع الحكم ضده بالسجن، ويهتف الكبير «الله أكبر»، وينسى الناس «اللقطات المذلة» ليتذكروا فقط صيحة الضحية.

الفيلم إذاً يتحدث عن لقاء شخصيتين، من عالمين مختلفين تماماً. بينهما السلطة والعنف، ولحظة اللقاء هي حفلة التعذيب التي تحول شخصية كل منهما. هذا التحول هو موضوع الفيلم. ذلك أن كلاً منهما سحب عالماً كاملاً معه… تجدر الإشارة إلى أن العمل يعتمد على القصة الحقيقية، لكنه ليس معني بالتوثيق أو بالإدانة. إنما يسأل: لماذا يمكن أن يقيم ضابط حفلة تعذيب وحشية؟ ولماذا تسكت الضحية؟ وماذا يحدث عندما تعود هذه الضحية إلى الحياة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى