الدور الإيراني والعلاقة الإيرانية ـ السّورية

ثقب في جدار القلعة

غسان شربل
رأى المرشد الأعلى علامات مقلقة. مسيرات يومية تتهم السلطة بتزوير الانتخابات الرئاسية. مناظرات سبقت الانتخابات ونشرت غسيلاً كان من الأفضل ابقاؤه بعيداً عن عيون الناس. مرشحون يتهمون أحمدي نجاد بفشل اقتصادي في الداخل وبإغراق البلاد في عزلة على الصعيد الدولي. عدد من كبار رجال الدين امتنعوا عن تهنئة الرئيس الفائز. بوادر انقسام في بعض دوائر المؤسسة الدينية. شبان يصعدون ليلاً الى سطوح المنازل ويهتفون «الله أكبر»، وهي الهتافات التي هزت دعائم نظام الشاه قبل ثلاثة عقود. رأى الشبان انفسهم يتدفقون الى ساحات طهران نهاراً بلا استئذان ويرفعون لافتات كتب عليها «أين صوتي؟».
سمع المرشد الأعلى كلاماً مقلقاً. ان عائدات النفط التي وعد أحمدي نجاد بإيصالها الى مائدة الإيراني العادي لم تصل. وان معدلات التضخم سجلت ارتفاعاً. ومثلها معدلات البطالة. وان العقوبات الدولية ألحقت ضرراً بالاقتصاد. وان لغة أحمدي نجاد في مخاطبة العالم كانت مقلقة واستفزازية بدلاً من ان تكون مقنعة. حاولت السلطة محاصرة المشاهد المحرجة. قيدت تحركات الصحافيين والكاميرات. لكنها اكتشفت ان العالم تغير فعلاً. يكفي هاتف نقال صغير لكشف أحوال الشارع والعاصمة والبلاد.
من حق أبناء الثورة ان ينافسوا. ولا ضرر احياناً في ان يتشاحنوا علانية. وان تتولى صناديق الاقتراع تسريب الاختناقات وتنفيس الاحتقانات. لكن على اأابناء التقيد بقواعد اللعبة الصارمة. المنافسة تحت السقف المرسوم. والمشاحنة تحت العباءة. ليس من حقهم احداث ثقب في جدار القلعة. غدا يتحول نافذة. وتتسلل منه الرياح والأسئلة والشكوك. القلاع الكبيرة يخيفها ثقب صغير.
ثمة أسباب أخرى للقلق. تحتاج الثورات الى خطوط تماس ساخنة او متوترة. مناخ المواجهة شرط لاستمرار الوحدة. الشعور بالحصار ضروري لإبقاء الصفوف مرصوصة وإرجاء كل الأسئلة الصعبة. سلامة الثورة تتقدم على السؤال عما فعلته. سلامة الخط أهم من الأرقام. الخوف على الثورة يبقي جمرها حياً أو مشتعلاً. لهذا بدت اطلالة باراك اوباما مربكة. خاطب ايران باحترام ولم يغفل تسمية نظامها باسمه. قال إن بلاده لا تخطط لإطاحة النظام الإيراني ولا تريد املاء شروطها او فرض قيمها. دفع الكرة الى ملعب الايرانيين. عرض سياسة اليد الممدودة بدلاً من التحاور بالقبضات والتهديدات. لغة اوباما محرجة لإيران وغيرها لأنها ترمي الى تبريد خطوط التماس.
غياب رياح المواجهة يضعف مبرر الاستنفار الدائم. يعيد اللعبة الى الداخل. يسهل للمواطنين التساؤل عن الأسعار وفرص العمل ونوعية التعليم وأوضاع المؤسسات وحسن التصرف بالميزانيات. يسمح بإعادة طرح السؤال عن العلاقة بالعالم. باقتصاده وثقافته وثوراته العلمية والتكنولوجية ولغة التخاطب داخل مجتمعاته وبينها. وفي مثل هذا المناخ يتقدم الذين ولدوا بعد الثورة ليسألوا عن حقوقهم في الدولة. لا يعارضون ان تكون الدولة قوية لكنهم يريدونها عصرية ايضاً. ان مشاهد العالم وتجارب الآخرين متاحة أمامهم عبر جهاز صغير يربطهم بأنحاء القرية الكونية.
من حق المرشد الأعلى أن يشعر بالقلق. السبب ليس مير حسين موسوي. المشكلة تكمن في كثيرين ممن ولدوا بعد الثورة. لم يشهدوا آلام الولادة ولا يعتبرون ان حراسة الجمر أهم من أسئلة المستقبل. لا يكفي الحلم النووي لإسكاتهم. لهذا يتحينون أي فرصة لمطالبة الثورة بأن تتصالح مع العصر والحقائق الجديدة. لهذا تدخل المرشد. انحاز الى احمدي نجاد ووجه تحذيراً الى المحتجين. ذكّر الجميع بقواعد اللعبة وتوعّد المخالفين. لن يسمح بتسرب الرياح. لن يسمح بثورة مخملية. بعد كلامه ستتحرك الآلة الأمنية بلا هوادة. المرشد الأعلى هو الحارس الأول للثورة.
لا شيء يوحي بأن النظام الإيراني مهدد. وشعبية أحمدي نجاد ليست وهمية. لكن الأكيد هو ان الاحتجاجات اصابت الصورة بجرح. السؤال هو: هل تستطيع الثورة الإصغاء الى الناس وماذا ستستنتج؟. قبل عقدين قمعت السلطات الصينية الاحتجاجات في ساحة تيان آن مين. انقذت النظام والاستقرار لكنها سارعت الى خوض معركة الازدهار بلغة العصر بعدما اكتشفت ان مفاتيح ماو تسي تونغ لا تصلح للأزمنة الجديدة.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى