صفحات أخرىفاضل الخطيب

سرّ فشل اليسار, هل يبقى سراً؟

null


د. فاضل الخطيب

لا أقول ذلك تشفياً, بل غيرةً ومحبةً والتزاماً بالقيم الأخلاقية الاجتماعية لليسار, وكان يمكن أن يكون عنوان موضوعي هذا “وداعاً أو إلى لقاء”, لكنني لم أودّع من اليسار غير الجمود العقائدي الغريب أصلاً عن قيم اليسار المتجددة الرحبة.


قبل ما يزيد على ربع قرن من الزمن, وبعد وصولي إلى هنغاريا للدراسة بأقل من ثلاثة أشهر, وفي فترة الدراسة التحضيرية كنت مع ثلاثة زملاء سوريين بعثيين نسكن في غرفة واحدة في المعهد التحضيري للغة, وكان سريري قريب من الشباك في الطابق الرابع, وفي إحدى الصباحات نظرت من النافذة للشارع ووجدت رجلاً يبحث في صندوق القمامة.. هزّني المنظر وأنا الشيوعي الملتزم فوق حدود الالتزام بالإيديولوجية وبقناعات جلبتها من سورية عن مجتمع البحبوحة والخير والسعادة.. أقول بصدق أنه أول ما خطر على بالي بعد مشاهدتي لإنسان إبن بلد إشتراكي يبحث في القمامة عن شيء ما, هو “انشاء الله ما يشوفوه البعثيين”!!

لم يشاهدوه البعثيون, لكن ذلك لم يغيّر شيئاً من الحقيقة, حاولت تكنيس ذلك تحت البساط في ذهني, لكنني كنت كثيراً ما أتعثر فيه, وتعثرت بعدها بأمور أخرى.., محاولة التستر عليها لم يلغيها أو يخفف منها أو يحلّها.

كان كل واحد منا مليء بالمفاهيم النظرية والفلسفية, وعشرات الأمثلة والكلمات الرنانة كنا نحفظها عن ظهر قلب, كنا نرتل كتبنا المقدسة ترتيلاً بدل فهمها ودراستها وتحليلها, ورغم معرفتنا للفلسفة المادية والمثالية وحجج دحض المثالية ومفكريها, لكنني أجد أننا كنا نمارس الفلسفة المثالية في تعاملنا اليومي مع الواقع, كنا نسخر من فلسفة بيركلي وكان كل واحد منا بيركلي يومه الصغير!!

ومثال آخر عن تعاملنا المشوّه مع الواقع, كنت في الصف الأول جامعي ورافقت صديقتي للكنيسة ـ ورغم أنني ما كنت يوماً متديناً ولا أنحدر من أصول مسيحية ـ ولكن ذلك لم يزعجني ولم أتستر عليه على اعتباره شيء مخجل في النظام الاشتراكي, وبعدها سمعت ملاحظات وسخرية من بعض الرفاق.. وكان رأيي وما زال أنه لن يغير من قناعاتي شيئاً زيارة الكنيسة, لكنه إن كان يساعد على شعور مريح وإيجابي لشخص ما فليكن!

الأمثلة عن الدول الاشتراكية الأخرى ـ تبين فيما بعد ـ كانت كالحكايا الخيالية لأن هنغاريا كانت بالنسبة لموسكو مثل فرنسا بالنسبة للهنغار, كأن يأتي رفيق من إحدى الدول الاشتراكية ليأخذ صابون لغسيل الوجه, وصدف أن حملت معي من بودابست بندورة وليمون حامض ومعجون أسنان… كهدايا للرفاق في بلد إشتراكي آخر ولمسافة تزيد على 1700 كيلومتراً ومروراً بأكثر من دولة إشتراكية وفي آخر معسكر صيفي تثقيفي نظمته منظمات الحزب الشيوعي السوري في الدول الاشتراكية, وكان ذلك في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي…!

وفعل فعله أحد القوانين الذي تعلمناه من الشيوعية وهو قانون التراكمات الكمية والذي أدّى إلى تحولات كيفية!!

كنا نعيش في أسطورة ونرددها حتى خلناها حقيقة لنا!

الأسطورة في الحقيقة ليست سوى شرح لما هو غير عقلاني(غير مفهوم عقلياً), ولهذا كان قرننا الماضي مليئاً بالأساطير(القادة والفقهاء على مختلف نسخاتها…), أسطورة ـ القومية, النسب, الدم, الإنسان السوفييتي الجديد, الحياة الأمريكية, ستالين, هتلر… وهناك أساطير محلية مثل تشاوشيسكو, الأسد, بكداش…ـ

من الأساطير صار سياسيون أو العكس, وكل هؤلاء الأساطير ـ الزعماء السياسيين توصلوا للحكم وتثبتوا فيه لأنهم استطاعوا تنظيم الأقلية واغتصبوا “الدولة”! ـ ليس بالضرورة أقلية دينية أو قومية ـ

لننظر بماذا يفخر الارستقراطي؟ يفخر بأنه وُلد ارستقراطي. بماذا يفخر المتعصب القومي العربي؟ يفخر بأنه لم يولد كوردي أو سرياني أو يهودي, وبالمثل عند المتعصبين الدينيين من مختلف المذاهب يشعر عنصرها بالتعالي على المذاهب الأخرى..

وهذه المواقف لا نجدها فقط في بلداننا بل وأحياناً في أوربا أيضاً. ومن هؤلاء يصبح سياسيون بتنظيمهم للأقلية(تجمع سياسي مصلحي وصولي…) هذه أو تلك!!

قدرة وقوة مجموعة (فئة) بشرية تحددها الحلقة الأضعف فيها, أو مثلاً ثلاثة متسابقين جري(ركض) يحدد قدرة نجاح الأول إلى أي مدى استطاع الأخير الوصول للهدف.

إذا سمعنا من سياسي أننا شعب الانتصارات, وبهذا نحن فخورون, ونحن نعرف أننا منذ مئات أو آلاف السنين في خسارة وخسارة وهزيمة.. ـ نقول عن الأسطورة أنها جميلة, ولكنها غير حقيقية ـ, وإذا اقتنعنا بأننا شعب الانتصارات فعلينا دائماً أن نبحث عن الآخر الذي يجب علينا أن ننتصر عليه!!!

الأساطير التي تعكس رغباتنا تكون دائماً في وضع أفضل, لم تكن أكثر سعادة تلك البلدان التي (تم ترحيل) أقلية دينية أو قومية منها ـ ونظرة للبلدان العربية وحتى الأوربية وأسطورة العداء لفئة قومية أو دينية من جهة وسعادة تلك البلدان قبل أو بعد مغادرة هذه الفئة منها ـ,

من الأسهل قول أساطير غير دقيقة أو لا أساس لها من الواقعية كأسطورة الإنسان السوفييتي مثلاً.

أعتقد أنه لا توجد مسؤولية جماعية, والمسؤولية تكون فردية دائماً.

الأسوأ أو الأضعف في المجموعة هو الذي سيجذب الآخرين نحوه(أفراد قلائل سيؤون سيجذبون الكثرة الطيبة للسوء).

وفي أيامنا هذه هناك تناقص في الأسطورة, لا توجد أساطير, لهذا يحاول الكثير النظر للماضي واستحضاره كبديل للأسطورة أو كأسطورة بحد ذاتها!

لنتحدث بصراحة ودقة أكثر, لماذا انتهت الاشتراكية؟ كان للاشتراكية أساس أخلاقي وهو أن الإنسان الذي يعمل بيديه كان يعيش تحت أو عند خط مستوى المعيشة(حياة متواضعة وبسيطة), أو كما يقال لا يجوز الغضب على الأغنياء لأن “الغني هو الثوري الذي أموره ماشية”!

الأسس الأخلاقية للاشتراكية كانت أن يحصل كل إنسان على شقة وطعام وثياب وشراب.. أي أنه كان لكل إنسان ضرورياته الأخلاقية والاجتماعية, لكنه عندما ظهر أن العاملين بأيديهم في النظام الرأسمالي يعيشون أفضل من مثيلهم في النظام الاشتراكي, بهذا تكون الأسس الأخلاقية لحياة العامل في الدول الاشتراكية فقدت مصداقيتها!!

لم يكن أي أساس أخلاقي للاشتراكية أن تكون السلع الرئيسية مفقودة من السوق وموجودة مع الكماليات أيضاً في المحلات المخصصة للحزبيين المتنفذين…

ومن المميزات الجديدة أنه لم يكن أي أساس أخلاقي للاشتراكية لقمع حركات تحرر, لكنه تم ذلك في أرتيريا وأنغولا.. كما أنه لم يكن أساس أخلاقي بأن دولتين اشتراكيتين تحارب بعضهما, وهذا ما حصل بين الصين وفيتنام…

ويمكن القول مختصراً أنه استنفذت الاشتراكية ذخيرتها التقليدية, استنفذت أسطورتها ـ أساطيرها ـ , استنفذت الوعود البراقة والفرص, ووجدت نفسها كما حدث أيام الثورة الفرنسية,ـ أو أن الثورة الفرنسية بدأت بعد أن فقدت الارستقراطية الثقة بنفسها ـ, وكذلك عند الشيوعيين ما عاد عندهم ثقة بأنفسهم وثقة بإمكانياتهم بتحسين مصير الشعب وهذا ما حدث بالضبط في الدول “الاشتراكية” سابقاً!!

والسؤال الحقيقي هو: ما سبب حدوث ذلك؟ ومن المسؤول عن ذلك؟

يزداد مع الأسف عدد السياسيين وحتى المنظمات التي تبحث عن الأفراد المسؤولين, عن الأحداث, بدل البحث عن الأسباب التي أدت إلى ذلك, يبحثون عن أكباش فداء بدل حلول!.

قبل ثلاث سنوات شاهدت في أحد المواقع الالكترونية حملة تواقيع لإلغاء المادة 49 من القانون السوري والتي تحكم بالاعدام على عضو الإخوان المسلمين ـ ورغم أنني لم أكن أعرف ولا أي عضو في ذلك التنظيم ولا ألتقي مع الإيديولوجية الدينية ـ رغم ذلك وبدون تردد وقعت على الحملة لقناعتي أنه لا يجوز معاقبة إنسان جنائياً على موقف سياسي له. الحياة أكثر من أبيض وأسود, وأكثر تنوع من تقدميين ورجعيين, أكثر من جيد وسيء, وأوسع من جماعة مؤمنة وجماعات كافرة, وأكثر من دارين وحارتين ومدينتين للكفر وللإيمان…

عصرنا والذي من الصعب فهم مميزاته, كان ديكنز قد شرحه قبل حوالي قرنين من الزمن في كتابه قصة مدينتين حيث قال, ما معناه: كان ذلك العصر هو عظمة وقمة تاريخية وبنفس الوقت انحطاط وسقوط, كان ذلك أعظم حكمة وبنفس الوقت أكبر غباء للعصر, كان ذلك الإيمان كله وبنفس الوقت كان زمن الكفر, كان ذلك عصر التنوير وبنفس الوقت عصر الظلام والتخلف, كان ربيع الأمل وبنفس الوقت شتاء اليأس والبؤس..

إننا الآن كما لو أن التاريخ بكل تناقضاته يترجلّ فجأة ومعه عصر الفوضى والخراب, ونحن لسنا فقط غير قادرين على معالجة مشاكله وإنما لا نستطيع فهمه ولا نملك الوسائل التي يمكن الاستناد إليها لمعالجته! ولا يشذ اليسار عندنا مع الأسف عن هذه الحقيقة.

هناك شعوب تحب الحرية وهناك شعوب حرة تمارس الحرية, الشعوب الحرة تعيش حريتها وحياتها بالكامل. والشعوب التي تحب الحرية دائماً تطمح لأن تعيش حياة حرة, وعند هذه الشعوب توجد أسطورة أيضاً(وعود وشعارات…) بأنه إذا سلكت أنت هذا الطريق ستصبح حراً. لن يصبح حرأ لكنه يعتقد ذلك لفترة قصيرة, يعتقد ذلك لأنه جائع للحرية, جائع لها في تنظيمه الحزبي وفي مكان عمله وفي تعامله مع الشرطي ومع الموظف ومع الشيخ ومع…!

وأخيراً أعتقد أنه ما عاد ينقصني سوى أن يقوم رفاق الأمس بتكفيري ورجمهم الثوري لي, لكنني سأقول إننا بحاجة

للإكثار من ماركس والتقليل من لينين, إننا بحاجة لاستيعاب قضية أنه ما زالت سيرورة الحياة قائمة بعد ماركس أيضاً, ولم يكن آخر الفلاسفة ولا خاتمة اليساريين! وهناك تحديات بحاجة للرد عليها ولم تكن موجودة أيام ماركس, لذلك نحن بحاجة لشجاعة في التفكير!

يقولون أن الإنسان الذكي هو الذي يستطيع ابتكار فرص وأفكار وأساليب جديدة أكثر من استخدامه للفرص والأساليب والأفكار الموجودة.

إن نهضة اليسار متعلقة بدرجة فهمنا للأسرار التي أدت للانهيار!

بودابست, 9 / 2 / 2008,

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى