صفحات العالم

مصر والبحث عن دور

سميح صعب
خطوتان اميركيتان اتخذتا في الايام الاخيرة تثيران انزعاج اسرائيل بعض العرب على حد سواء. الاولى اختيار اوباما تركيا اول دولة مسلمة يزورها وليس مصر مثلاً، والثانية قرار واشنطن توجيه الدعوة الى ايران من اجل الجلوس مباشرة مع الدول الغربية الست، وبينها اميركا، من اجل البحث في الملف النووي الايراني.
هاتان الخطوتان تظهران مدى الاهمية التي توليها الولايات المتحدة لتركيا وايران في الحسابات الاستراتيجية، في حين يكاد يكون وزن العرب معدوماً او هامشياً. وأمام هذه المعادلة لم تجد مصر سوى توجيه رسائل واضحة الى ايران عبر اعلانها المفاجئ عن كشف ما سمته مخططات لـ”حزب الله” من أجل تنفيذ عمليات على الاراضي المصرية. ولا تكتفي القاهرة بذلك، بل يتحدث الرئيس حسني مبارك هاتفياً مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ويفتح له ابواب مصر من دون ان يتلفظ رئيس الوزراء الاسرائيلي المتشدد بعبارة “دولة فلسطينية” حتى الان، فيما وزير خارجيته افيغدور ليبرمان الذي شتم مبارك نفسه قبل اشهر  وطالب قبل اعوام بقصف السد العالي، يدعو الى دفن اوسلو وانابوليس والعمل على فرض الولاء على فلسطينيي 1948.
ان تنامي الدورين التركي والايراني يجعلان مصر تبحث عن طريقة لاكتساب دور. من هنا أتت رعايتها لمساعي التهدئة بين “حماس” واسرائيل، او لمساعي انجاز صفقة لتبادل الاسرى بين الحركة الاسلامية والدولة العبرية، او عبر رعاية الحوار الفلسطيني الداخلي. ولكن في هذه المسائل الثلاث لم يتحقق تقدم يذكر. والسبب تعزوه مصر الى طهران والنفوذ الايراني في المنطقة. حتى ان الحديث المصري عن اتساع النفوذ الايراني كان المبرر الرئيسي الذي اتخذته القاهرة من أجل خفض مستوى تمثيلها في القمة العربية الحادية والعشرين التي عقدت في الدوحة نهاية آذار.
اسرائيل هي الاخرى، تشعر بانها  مهمّشة اميركياً عندما يقرر اوباما فتح مفاوضات مباشرة مع ايران في الوقت الذي كان نتنياهو يفتح الخرائط مع جنرالاته لمناقشة طريقة توجيه ضربة عسكرية الى المنشآت النووية الايرانية. وكي لا تظهر اسرائيل مظهر المعزول عن الجهود الاميركية، يبدي رئيس الوزراء الاسرائيلي قبولاً للتفاوض الغربي مع ايران شرط ان يقترن بمهلة زمنية والا يكون مفتوحاً.
والحوار الاميركي مع ايران يجرّد نتنياهو من أهم ورقة لديه للهروب من الاستحقاق الفلسطيني. فهو قال غداة تسلّمه الحكم ان الاسرائيليين اختاروه لمهمتين لا ثالث لهما. وهاتان المهمتان هما مواجهة ما يسميه “التحدي الايراني”، ومعالجة الاقتصاد الاسرائيلي من آثار الأزمة المالية العالمية. أما المفاوضات مع الفلسطينيين فلا مكان له على رغم الالحاح الذي يبديه اوباما في هذا الاتجاه.
وعلى رغم اعتراضات مصر واسرائيل، يبدو ان الحاجة الاميركية الى ايران وتركيا تفوق، أي عتب عربي او معارضة اسرائيلية. فإدارة اوباما التي بدأت تنفيذ استراتيجية جديدة في افغانستان، تعتبر ان ايران   ضرورية لهذه الاستراتيجية. كما تشعر بأن أنقرة في امكانها الاضطلاع بدور مهم ايضاً في كل من افغانستان وباكستان. كذلك فان ايران وتركيا هما من أهم دول الجوار العراقي. ولا يمكن الوضع في العراق ان يستقيم من دون جهود هاتين الدولتين. وحتى خلال حرب غزة لعبت انقرة دوراً مهماً على صعيد الاتصالات بـ”حماس”.
ان الاندفاع الاميركي في اتجاه تركيا وايران لا يتأتى من فراغ بل هو نتيجة طبيعية لاستقالة الدول العربية ذات الثقل والوزن من دورها. وحرب غزة لا تزال مثالاً حياً على القصور العربي في مواجهة التحديات الاقليمية.
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى