صفحات أخرى

“أسئلة الحداثة في الفكر العربي” لكمال عبد اللطيف

الدخول في العصر هو الخطوة الاولى لـ”قتل” التخلف
هل تستعصي المجتمعات العربية على الحداثة؟ سؤال يُطرح اليوم بإلحاح داخل هذه المجتمعات في ظل الارتدادات المجتمعية الى الخلف، عبر الانهيار المتوالي لبنى الدولة التي تشكل احد عناوين تحقق الحداثة في بلد ما، وايضا عبر انبعاث العصبيات العشائرية والطائفية والقبلية واجتياحها للمشترك الذي تمثله هذه الدولة. سؤال مؤرق يطرح تحديات على الثقافة العربية ومدى ملامستها للمشروع الحداثي ولشروط اعادة تأسيسه، خصوصا ان ما عرفه العالم العربي في هذا المجال لا يتعدى وجود “قشرة حداثية” سرعان ما هوت تحت وطأة الهزائم وافرازاتها على مجمل البنى الاجتماعية. هذا السؤال يشكل احد هموم الابحاث التي يتطرق اليها الكاتب المغربي كمال عبد اللطيف، ومنها كتابه “اسئلة الحداثة في الفكر العربي، من ادراك الفارق الى وعي الذات”، الصادر عن “الشبكة العربية للابحاث والنشر” في بيروت.
يحدد الكاتب الحداثة في وصفها “مشروعا نظرياً تاريخيا مفتوحا”، يستند الى جملة مبادئ نظرية وتاريخية تنظر الى الانسان والمجتمع والطبيعة والتاريخ “من منظور يستوعب ثورات المعرفة والسياسة كما تحققت وتتحقق في التاريخ الحديث والمعاصر”. الحداثة السياسية وفق هذا المعنى يمكن ان تقدم للمجتمعات العربية افقا معرفيا يساعدها في تهديم الاوثان، القديمة منها والجديدة والمهيمنة على عقول ابناء هذه المجتمعات، كما تساهم في تقويض دعائم الاستبداد السياسي ومختلف اشكال الحكم المطلق. وتكمن قيمة المشروع السياسي الحداثي في كونه يستند اولا وقبل كل شيء الى العقل النقدي والاحتكام اليه في جميع القضايا التي تمس مصير الانسان والمجتمع في آن واحد.
لا تعني اعادة طرح سؤال الحداثة راهنا في العالم العربي عدم وجود محاولات سابقة على هذا الصعيد، بل ان الوقائع تؤكد محاولات تأويل للحداثة كما تشكلت وتطورت في اوروبا. فالفكر السياسي العربي ومعه جوانب الحداثة السياسية التي تبلورت منذ القرن التاسع عشر، تمحورت حول عدد من القضايا. ركز المشروع الحداثي على اولوية الاصلاح السياسي من خلال مشروع اصلاح الدولة كما طرحه محمد علي في مصر، حيث شكل نموذج الدولة الوطنية المتكونة في اوروبا مثالا للدولة المرتجاة. وهو ما تجسد في سلسلة خطوات عكسها برنامح محمد علي في الاصلاح الاداري والمالي والتعليمي وبناء المؤسسة العسكرية. ترافق مشروع محمد علي الحداثي مع تبلور ارهاصات فكر نهضوي رافق هذه التطورات، وكان ابرزها ما قدّمه رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي من افكار بنى عليها كثرٌ من مفكري النهضة اللاحقين، وتركزت على كيفية بناء الدولة الحديثة على غرار ما عرفته اوروبا. في هذا السياق، يسجَّل لنهضويي تلك الفترة من امثال محمد عبده وجمال الدين الافغاني وفرح انطون وشبلي الشميل وغيرهم، انهم سعوا الى تعميم مفاهيم الحداثة السياسية في الثقافة العربية، “والاعلاء من مبدأ دنيوية التدبير السياسي وتاريخيته”، متحدّين جملة صعوبات ناجمة عن هيمنة التقليد والجمود في الافكار السائدة. على الطريق نفسه سار مصلحو الثلث الاول من القرن العشرين ونهضويوه، من امثال لطفي السيد وعلي عبد الرازق وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم، حيث تطرقوا الى موضوعات وقضايا تتصل بصلب الحداثة السياسية من قبيل التأخر التاريخي، الاصلاح الديني، فصل الدين عن الدولة، بناء المؤسسات الحديثة، اصلاح التعليم. لكن الكاتب يرى، انه على رغم اهمية ما طرحوه، فقد “اغفلوا مبدأ العناية بالاصول الفلسفية الكبرى الناظمة للرؤية الحداثية والمؤسسة لها، وهو الامر الذي سيظل سمة ملازمة لمعارك التحديث السياسي في فكرنا وواقعنا الى يومنا هذا”.
لا تنفصل المحاولات التحديثية في العالم العربي عن اللحظة الاستعمارية التي شهدها منذ مطالع القرن العشرين. تُقرأ هذه اللحظة في جانبيها المتلازمين، الاول ما يتصل بأهداف الاستعمار في الهيمنة واستغلال الموارد وحماية المشروع الاستعماري وحضوره في العالم، والثانية في ما تركه الاستعمار من أثر في بناء المؤسسات والقواعد الادارية والاقتصادية، ووضع المجتمعات العربية على قاطرة الانخراط في الازمنة الحديثة، مما يعني مغادرة النظرة التي تقرأ الحدث الاستعماري من زاوية سلبية بصورة كلية ومطلقة، وبمنطق المعايير الاخلاقية والادانة السياسية. فعلى رغم سلبيات تلك المرحلة الا ان الحدث الاستعماري ساهم في “خلخلة الانظمة السياسية وقواعدها في مجتمعاتنا، وترتب على هذه العملية انطلاق مسلسل بناء قنوات وقواعد التحديث السياسي في التجربة التاريخية”.
مع النصف الثاني من القرن العشرين، شهدت المجتمعات العربية تراجعات كبرى على صعيد ما تحقق من محاولات تحديثية. صحيح ان تلك الفترة شهدت انطلاق تجارب في العمل السياسي تتوخى تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية، الا ان تلك التجارب “تخلت عن مطلب تعزيز مجال الحريات الخاصة والعامة لربح برهان التقدم”. لعل ابرز التعبيرات في هذا المجال ان شعارات الاشتراكية والتنمية والوحدة باتت توازي التخلي عن قيم مشروع الحداثة السياسية في ميدان الديموقراطية والحريات السياسية.
هذه الاخفاقات “الحداثية” والتحديثية وجدت اعلى تجلياتها في هزيمة حزيران 1967 التي يمكن وصفها بأنها هزيمة مجتمعية شاملة طاولت كل محاولات مشروع النهضة والتحديث. لكن هذه الهزيمة فتحت المجال في المقابل لمشروع التفكير في النهضة العربية الثانية، عبر نقد المشروع الاول، وبالاستناد الى “تعزيز دوائر الفكر النقدي والفكر التاريخي في ثقافتنا المعاصرة، وعبر تأصيل المشروع السياسي الديموقراطي في الفكر العربي، بهدف نقد الخيارات السياسية الشمولية، واسقاط انظمة الحزب الواحد والفكر الواحد”. وهي محاولات انتجت اليوم نصوصا سعت الى “تكسير” العقل التراثي الجامد ووضعه على مشرحة النقد التاريخي والعقلاني.
في سياق هذه المراجعات، بدأ الفكر العربي يتلمس طريقه النهضوي الجديد، لكن نجاحه سيكون مشروطا بتحقق جملة قضايا، اولاها تتصل بالقاعدة النظرية لتأسيس هذا المشروع، وهي تتمثل بالتركيز على “المكوّن الفلسفي” في وصفه “القاعدة النظرية التي تحدد الرؤية الحداثية للطبيعة والانسان والتاريخ قواعدها وشروط تشكلها واعادة تشكلها”. هذا يطرح مسألة استيعاب الفكر العربي الحديث  مكاسب الفكر المعاصر في ميداني المعرفة والتاريخ، وفي مجال النظر الى الانسان والعقل والمستقبل وكل ما انجزته البشرية من تقدم في هذا المجال. تزداد اهمية هذه المسألة من كون الفكر السياسي في المنطقة العربية يواجه تحديات انتشار تيارات الاسلام السياسي، ومعه دعاوى التكفير في الثقافة والمجتمع، وهي مستندة الى منظومة فكرية لا تمت الى التاريخ والحاضر بأي صلة، مما يطرح تحدي بناء الفكر المناهض لهذا الفكر التكفيري، والمساهم في بناء مشروع النهضة والتقدم. في السياق نفسه، لا ينفصل ترسيخ مشروع الحداثة السياسية عن وجوب اعادة بناء مفاهيم الفلسفة السياسية، سواء منها في تعيين حدود المجال السياسي، ام في تطوير ثقافة الديموقراطية وحقوق الانسان.
ان ما شهدته المجتمعات العربية من محاولات لتجاوز تخلفها، ماضيا وحاضرا، وما رافق هذه المحاولات من اخفاقات، وفي ضوء ما تتخبط فيه هذه المجتمعات اليوم من فوضى فكرية وسياسية، ونشر للعنف والارهاب والتنظير لهما، كل ذلك يزيد من حدة اعادة تأسيس مشروع الحداثة، الذي يستحيل تطور المجتمعات العربية وتقدمها من دون الدخول في عالمه، وهو عمليا، يعني انتقال هذه المجتمعات من الاقامة في التخلف الى الدخول في العصر.

خالد غزال
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى