صفحات الحوار

اعترافات عبد الحليم خدام بالوثائق : كيف ساعدت سوريا إيران على إقامة دولتها الكبرى

null
مجلة روز اليوسف
في هذه المنطقة من العالم يخرج السياسيون من مناصبهم فيخرجون من التاريخ وربما من الحياة نفسها، يدركون أنهم حين يودعون السلطة فهم يودعون معها أمنهم الشخصي وأن ما تبقي من أعمارهم أصبح قيد المطاردة.. رهن رصاصة أو انتحار مدبر أو حادث اغتيال مقيد ضد مجهول.. هكذا يعيشون كالموتي أيام ما بعد السلطة.. فإذا تبقي لدي أحدهم قدرة علي مقاومة أو أمل في عودة، فإنه يحاول أن يقتنص لنفسه مساحة من تاريخ لن يكتبه خصومه.
وفي مذكرات السياسيين الذين وافاهم الإقصاء قبل أن توافيهم المنية، كثيرا ما رأينا قتلة يتحولون إلي مناضلين.. وطغاة يتحولون إلي أبطال شعبيين.. وأنبياء للديمقراطية والحرية والرسالات الوطنية الكبري، لم تخطر هذه الممارسات علي أفعالهم يوما وإن نطقت بها أفواههم.
في هذه المنطقة من العالم، حيث لا تقبل الحياة القسمة علي الحكام والشعوب، وحيث ما يدور في الخفاء أجبن من أن يظهر علي الناس، لن تجد خارجا من السلطة يستطيع أن يكشف بعض أسرارها أو يقيم مسارها أو يتطهر من آثامها، وهو يعيش بجوارها.. كلهم يفعلون ذلك فقط في المنافي، حيث تكون ذراع هذه السلطة بعيدة عنهم ولو إلي حين.
ونحن هنا لسنا في مجال تقييم « عبد الحليم خدام» أو الحكم عليه، فما خفي في مساره السياسي الذي امتد لأكثر من 40 عاما أكثر بكثير مما عُرف ومما تحدث هو به.. ولكن بين أيدينا الآن شهادته السياسية الخطيرة التي صدرت منذ أيام في مؤلفه «التحالف السوري الإيراني والمنطقة»، والذي لا يمكن اعتباره مذكرات شخصية ولا تحليلا سياسيا ولا مجرد توثيق لوقائع وأحداث… وربما يكون هذا ما دعا ناشره «ثائر الناشف» إلي أن يصفه بأنه « سرد تاريخي»، لكنه أيضا ليس كذلك، فهو كتاب متعدد الأوجه «أو الأقنعة» كصاحبه الذي فرض عليه اختياره السياسي وتركيبة نظام الحكم الذي كان يشغل فيه موقع « الرجل الثاني» أن يكون بأكثر من وجه وقناع.. وهكذا ستجد نفسك علي مدي ما يقرب من 400 صفحة أمام اعترافات وأسرار ومؤامرات تكشف الكثير عن أخطر وأغرب وأقدم تحالف بين نظامين في المنطقة وهما النظامان السوري والإيراني رغم التناقض الأيديولوجي بين عقيدتيهما.. وهو التحالف الذي كانـت الدولــة الســورية «العربية» فيه دون شك جسرا وذراعا لدولة إيران «الإسلاموفارسية» كي تخترق بلاد العرب عبر رءوس جسور من صنائعها في لبنان وغزة « حزب الله وحماس» تدين لها بالولاء والتمويل ومبشرة بمشروعها الاستراتيجي « إيران الكبري من لبنان إلي أفغانستان» ووقودا له.
وهو للمفارقة ما يعترف به عبد الحليم خدام، ويؤكد في أكثر من موضع بكتابه أنه أحد أضلاع مثلث مشروعات استراتيجية تتصارع في الشرق الأوسط، حيث إن الضلعين الآخرين هما «المشروع الإسرائيلي»، و«المشروع الأمريكي» وذلك في غياب مشروع عربي..كما يري. ولا ندري هل كانت هذه الحقائق غائبة عنه، وهو في السلطة رجل سوريا القوي والمسئول الأول عن ملف التحالف السوري – الإيراني ؟
الإجابة واضحة بالقطع، لكن مثل هذه الالتباسات المقصودة سيضعك فيها كثيرا وأنت تقرأ شهادته، فأغلب الوقائع والوثائق التي يوردها تدينه شخصيا، لكنه وفق نظرية الأقنعة التي تغلف كتابه يبدو كمقامر يحرق بعض أوراقه أو يخسرها في مقابل تحقيق خسارة أكبر للخصم وهو هنا « نظام الحكم في سوريا».
وهكذا فعليك أن تقرأ هذه الشهادة بطريقة لاعب الشطرنج ومع كل جملة تفكر فيما يهدف كاتبها من ورائها، فالرجل الذي يوثق في شهادته تفاصيل مرعبة عن المشروع التوسعي الإيراني هو نفسه الذي شارك في دعمه بتنسيق تحالفه مع بلده سوريا.. وهو نفسه الذي يتحدث بإعجاب لا يخفي عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي «استمرت بقيادة آية الله الخوميني وبعده بقيادة آية الله علي خامنئي في مسيرتها من أجل تحقيق أهدافها الكبري، وفي المقدمة بناء دولة كبري قوية وقادرة علي حماية مصالح وأهداف الجمهورية الإسلامية وقائدة لشعوب المنطقة».
وتذكر دائما أن من يقول ذلك هو من كان قيادة عليا في دولة عربية وليس أحد آيات الله أو عضوا في «مجلس صيانة مصلحة النظام» بإيران !
.. تذكر، ولكن لا تتسرع في الاتهام بالتآمر أو الخيانة قبل أن تكمل قراءة شهادته، فالرجل يأخذك بعيدا ثم يعيدك إلي حيث لا تتوقع، فهو يملك ملكات نادرة في المناورة علي الورق بقدر ما امتلكها في الأداء السياسي، وهو محترف ككاتب بقدر احترافه كرجل سلطة.. وحريص علي التوثيق.
« عبد الحليم خدام» الذي يقول لك أن المشكلة الكبري في النظام العربي هي أن «الخوف علي السلطة أقوي من الخوف علي الوطن، وأن القلق علي أمن النظام أقوي من القلق علي مصير الشعب»، هو أحد أشهر من شغلوا منصب « نائب الرئيس» بالمنطقة العربية فقد احتكره « فعليا» في «سوريا الأسد».
(الرئيس حافظ ثم الرئيس بشار) وأحد أقوي من حملوا صفة «الرجل الثاني» وقد قضي كل حياته تقريبا ممثلا لدولة عربية مؤثرة مازالت إحدي الدول القليلة في المنطقة التي تدار بنظام حكم قديم مغلق يقاوم بشراسة رياح التغيير.. سطوة القائد فيه لا تدانيها شرعية.. تتوه فيه الديمقراطية عن نفسها، ولا تستطيع الحرية السياسية إليه سبيلا.. وهي حالة – رغم كل أمراض الأنظمة العربية – لم يكن يشبهها سوي « عراق صدام حسين».

« عبد الحليم خدام» ودع السلطة منذ ما يزيد قليلا علي خمس سنوات حين أصدر الرئيس « بشار الأسد» قرارا بإعفائه من منصب نائب الرئيس الذي شغله معه لمدة خمس سنوات « 2000-2005» ومع والده الرئيس حافظ الأسد من قبله لمدة 16 عاما «1984-2000» ولحين وفاته.. وقبلها تولي مناصب وزير الخارجية ووزير الاقتصاد والتجارة، وكان محافظا لحماة والقنيطرة ودمشق بالتوالي منذ أواسط الستينيات، ولم يكن عمره حين تولي أول مناصبه يزيد علي 34 عاما كان قد قضي نصفها عضوا بحزب البعث السوري الذي انضم إليه قبل تخرجه في كلية الحقوق بدمشق.. وهو من مواليد «بانياس» 1932 أي أن عمره الآن 78 عاما.
وقد اشتهر «خدام» إقليميا واكتسب تأثيره بمسئوليته عن ملف العلاقات السورية اللبنانية منذ منتصف السبعينيات، وكان «خدام» بالتوازي وبعدها هو المسئول عن ملف التحالف السوري – الإيراني منذ عام .1982 وهو الذي تسلم مهام رئيس الجمهورية في المرحلة الانتقالية بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد في يونيو 2000 حسب الدستور وأقر تعديل المادة 83 منه لتلائم ترشيح « بشار الأسد» لمنصب الرئيس بعد أن قام بترقيته من رتبة العقيد إلي رتبة الفريق وتعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة.. وخلال سنوات عمله نائبا للرئيس بشار تولي مسئولية الملف العراقي.
وقد ظل « عبد الحليم خدام» متشبثا بقوة تأثيره حتي اللحظة الأخيرة لإقصائه من السلطة رغم تهميشه نسبيا في أواخر عهد الرئيس « حافظ الأسد»، وهو ما تزايد خلال سنوات عمله مع الرئيس « بشار» الذي بدا مقتنعا بأن تصورات «خدام» عن نفسه وعن إدارة الحكم تصطدم مع تصورات العهد القائم.
مع ذلك استبسل « خدام» في الالتحاق بركب دولة الرئيس الشاب التي قدمت نفسها بنوايا حراك سياسي وثقافي واتجاهات إصلاح ديمقراطي، ففتح الباب أمام منتديات وجمعيات ولجان للحديث عن فساد سابق والمطالبة بالحريات العامة، وكان لافتا أن نائب الرئيس الذي شارك في حكم دولة الرئيس حافظ قاد اجتماعا حزبيا في جامعة دمشق لشرح عمليات « الإصلاح» في الدولة.. وقد سمع في ذلك الاجتماع كلاما حادا عن الفساد والتخريب.. وفي تلك الفترة التي كان يتشبث فيها بسلطته في بداية عهد الرئيس «بشار الأسد» وضع كتابا عن «النظام العربي المعاصر» قال عنه النقاد السياسيون «إنه يزايد فيه علي المعارضين» متحدثا عن «ازدياد المعاناة وتعاظم الفقر ونهب الثروات»، لكن الأوضاع في سوريا لم يكن متاحا فيها قبول «عبد الحليم خدام» في دوره «الجديد القديم» وقد كانت هناك نقطتا صدام رئيسيتان تتعلقان بموقفه من الحرب الأمريكية علي العراق وعلاقته السياسية والمالية برئيس الوزراء اللبناني الذي اغتيل رفيق الحريري.

عقب إقصائه في يوليو 2005 أطلق «خدام» اختبارا قويا صغيرا حين أصدر كتابا انتقاديا عن واقع الحزب والدولة في سورية.. ورغم أن دوائر الحكم رأت وقتها أن من الضروري صدور قرار بمنعه من السفر، إلا أن الرئيس «بشار» بدا وكأنه يري أن ثمن وجوده في البلاد أفدح من ثمن مغادرته.. وهكذا غادر «عبد الحليم خدام» إلي باريس وسط أنباء عن القصر الذي منحه له «آل الحريري» للإقامة في «أفينيو فوش» أحد أرقي الأحياء الباريسية.
وحسب تقارير تداولها إعلاميون سوريون فقد كان خدام في فرنسا تحت عين المخابرات السورية وتبين أنه وثق علاقته بآل الحريري وزوَّج كريمته لابن رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وأفضي بمعلومات حول جريمة اغتياله للأمريكيين دون علم القيادة السورية بما اعتبر أنه شهادة ضد نظام بلاده.. ولكن نقطة اللا عودة في علاقته بنظام الحكم في سوريا، جاءت بعد مقابلة تليفزيونية في أواخر العام الذي أقصي فيه مع «قناة العربية» وهي مقابلة وصفت بأنها «زلزالية»، حين كان واضحا في تهديده بكشف كثير من المعلومات عندما تدعو الحاجة، وأشار إلي بعض من ذلك عندما تحدث عن أموال جميل الأسد و«محمد مخلوف» خال الرئيس بشار وابنه « رامي».

كان واضحا أن المواجهة ماضية إلي النهاية وشهد مجلس الشعب السوري وقتها جلسة محاكمة وتشهير واسع النطاق
بـ « عبد الحليم خدام» الذي بدا واضحا أن ملفاته السياسية والمالية قد فتحت.. وفيما بعد وفي عام 2008 أصدرت المحكمة العسكرية الجنائية بدمشق 13 حكما ضد « عبد الحليم خدام» أشدها الأشغال الشاقة المؤبدة وتعددت التهم التي أدين بها من «الافتراء الجنائي علي القيادة السورية والإدلاء بشهادة كاذبة أمام لجنة التحقيق الدولية بشأن مقتل رئيس الوزراء اللبناني» إلي «كتابات وخطب لم تجزها الحكومة السورية» وصولا إلي «المؤامرة علي اغتصاب سلطة سياسية ومدنية، وصلاته غير المشروعة مع العدو الصهيوني والنيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي»، و«دس الدسائس لدي دولة أجنبية لدفعها للعدوان علي سوريا» وهي التهمة التي عوقب عليها بالمؤبد.
وقتها أدلي خدام بتصريحات صحفية من لندن « كان قد غادر باريس بعدما تردد عن أزمة مع عائلة الحريري» قال فيها: «يقولون أني متواطئ مع دولة أجنبية، ولكن من هي هذه الدولة ؟.. إذا كانت الولايات المتحدة، فالنظام يزحف باتجاهها وإذا كان المقصود إسرائيل فكل السوريين والعالم يعرفون أن ذلك غير صحيح»

الآن ومن منفاه الأوروبي يقدم «عبد الحليم خدام» أخطر شهاداته السياسية حتي الآن «التحالف السوري الإيراني والمنطقة»، وقد جاءت في ثمانية فصول تبدأ بـ «الجمهورية الإسلامية» وتنتهي بـ «التطور النوعي في العلاقات السورية الإيرانية» مرورا بـ «إيران وأزمات المنطقة»، «مرتكزات العلاقات السورية الإيرانية»، «نحن والخليج وإيران»، «الموقف من اجتياح الكويت»، «محاولات توحيد المعارضة العراقية» و«الموقف من النظام العراقي بعد تحرير الكويت».
من البداية يعتمد عبد الحليم خدام حقيقة مؤداها أن الثورة التي أدت لنشوء الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة الخوميني جاءت بمشروع توسع وسيادة إقليمية لتقود به إيران المنطقة وأنها في هذا السبيل أطلقت فورا شعارين تدخل بهما إلي حدود الصراع العربي – الإسرائيلي وتضع مشروعها في مواجهة مشروعي إسرائيل وأمريكا وذلك في غياب مشروع عربي، وهو هنا يتحدث عن «وصف الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر»، و«دعوة الخوميني لتحرير فلسطين ودعم الشعب الفلسطيني»
ويشير «خدام» إلي أن أول صدام في المنطقة مع الجمهورية الإسلامية هو حرب العراق عليها، جاء مدعوما من الغرب والولايات المتحدة ومعظم الدول العربية عدا سورية التي «بدأت بتشكيل حلف مع الثورة الإسلامية ضد نظام صدام حسين»
.. وبوضوح يقول خدام إن حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران «1980 – 1988» والحصار المفروض علي إيران سياسيا واقتصاديا وعسكريا أدي إلي تغيرات جدية في استراتيجية الثورة الإسلامية و«التركيز علي سياسات تؤدي إلي نشوء واقع جديد في المنطقة تكون فيه إيران الدولة الكبري التي يجب أن يمتد نفوذها من لبنان إلي أفغانستان» وأن «هذه الدولة يجب أن تكون المرجعية في المنطقة كلها».
يثبت «خدام» إذن منذ البداية إدراكه لأبعاد المشروع الإيراني، وأن هذا كان واضحا لسوريا التي دخلت مبكرا جدا – ورغم مشروعها العروبي المعلن دائما – في تحالف مبكر مع إيران وهي تدرك أهدافها، بل وخلال حربها مع العراق.. وفيما يكشف إلي أي حد وصل هذا التحالف في وقت مبكر يقول عبد الحليم خدام:
«في الثالث والعشرين من حزيران «يونيو» 1985 وصل إلي دمشق رئيس مجلس الشوري في إيران علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وفي مساء ذلك اليوم توجهنا إلي مقر الرئيس حافظ الأسد…وخلال الحديث عن الحرب طلب الرئيس رفسنجاني من الرئيس حافظ الأسد إعطاء إيران صواريخ سكود بعيدة المدي وصواريخ مضادة للطيران وصواريخ أرضية متوسطة المدي، فلم يعطه الرئيس جوابا بالرفض أو القبول وإنما تجاوز الطلب إلي حديث آخر واستمر كعادته بالحديث الطويل بهدف الابتعاد عن مناقشة الموضوع، لأن الأمر يحتاج إلي دراسة».

إيران إذن تطلب سلاحا من دولة عربية لتواجه به دولة عربية أخري.. وحسبما يثبت «خدام» في شهادته فإن الطلب لم يقابل بالرفض، بل إن الأمر وصل إلي عكس ذلك فهو يقول : «غادر الضيف إلي مقر إقامته وبقيت عند الرئيس، والذي كان محرجا، وقال : هذه مشكلة جديدة أمامنا، إذا أعطيناهم مشكلة والصواريخ ستوجه إلي بغداد، وإذا لم نعطهم مشكلة وسيؤثر ذلك علي علاقاتنا معهم».
وكان الحل عند «عبد الحليم خدام» هو : «إبلاغ الرئيس رفسنجاني أن ظروفنا معقدة، ولكننا سنساعدهم بالحصول علي طلبهم من ليبيا».
الرئيس «حافظ الأسد» وافق علي اقتراح نائبه «خدام» وأعطي «رفسنجاني» وعدا وتقرر بالفعل سفر نائب الرئيس إلي ليبيا لمتابعة الموضوع.. ولم ينس «رفسنجاني» التأكيد علي أنه يريد إبلاغ ليبيا أن سوريا وافقت، وأنها في هذه الحالة وفق تقديره سترسل الأسلحة في اليوم التالي.. ليس هذا فقط، بل هو يحرص أن يؤكد علي خدام : «بعد ذلك أرسلوا أنتم الأسلحة لنا عندما تريدون.. إذا أردتم المشاركة في الحرب فهذه أقل مشاركة ونحن في كل الأحوال سنقوم بواجبنا، وبخاصة تجاه فلسطين».
إلي هذا الحد كانت إيران واثقة من قوتها في هذا التحالف المبشر -بمقاييسها- مع سوريا.. وإلي هذا الحد كانت سوريا تري هذا التحالف طبيعيا وغير متناقض مع مشروعها العروبي المعلن.. فخدَّام يقول لرفسنجاني : «نحن مقتنعون أن الثورة الإسلامية في إيران هي ثورة شريكة لنا وهي معادية للإمبريالية والصهيونية.. منذ الساعة الأولي للثورة وجدنا صورة فلسطين المحررة أمامنا.


صورة فلسطين المحررة التي رأتها سوريا ظلت مجرد صورة.. رحل الرئيس حافظ الأسد ومضت 5 سنوات من حكم الرئيس بشار، وهي مجرد صورة بعد مرور أكثر من 18 عاما علي بداية التحالف السوري الإيراني.. ومع خفوت هذه الصورة لم تتحول أبدا الوعود الإيرانية لسورية إلي واقع.. وعود من ذلك النوع الذي يذكره لنا «عبد الحليم خدام» علي لسان رفسنجاني عندما بدأ الميزان يميل لصالح إيران في حربها مع العراق فدفعت أمريكا إسرائيل لغزو لبنان : «هم جاءوا إلي لبنان حتي لا نتقدم إلي خرم شهر، ومما لاشك فيه إذا انتصرت إيران سوف تصبح حدودكم مع العراق وتركيا وإسرائيل مرتاحة، وبعد انتصار إيران ستكون كل قدراتها لكم وستتغير المعادلة لصالحكم، فروسيا سوف تغير معاملتها لكم، لأنه ستكون هناك مساحة من حدود أفغانستان حتي لبنان قطعة واحدة».
كانت إيران منذ البداية تريد أن تصبح طرفا في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي ولاعبا أساسيا باستراتيجيتها وعقيدتها الدينية والسياسية وبفرض سيادتها ومرجعيتها.. وكانت سورية هي الجسر المفتوح.. يقر «عبد الحليم خدام» بذلك، وهو يتحدث عن قيام إيران بـ «إرسال لواء من الحرس الثوري في حزيران «يونيو» 1982 إلي سوريا ليشارك في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنــان، وهـــذا يـؤشـــر علي قدرة القيــادة الإيرانيــة فــي الربـــط بيــن الحــرب الدائـــرة مـع النظــام العراقي وبين متطلبات استراتيجيتها الإقليمية».

هذا اللواء دخل إلي لبنان وفعل ما هو أخطر وأبعد بكثير من المساندة في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي.. فوفق ما يشرحه «خدام» : «بعد انتصار الثورة بقيادة آية الله الخوميني تركزت عين القيادة الإيرانية علي لبنان لأسباب أساسية منها أن لبنان يقع علي حدود فلسطين وعلي شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وهو مركز إعلامي وثقافي مهم في المنطقة، كما أن في لبنان تقاطع أجهزة الأمن العربية والدولية».
تريد إيران إذن دخول لبنان وبوضوح يقول «خدام» أن ذلك تم عبر سوريا التي كانت : «معبرا لعدد من رجال الدين والسياسيين «الإيرانيين» الذين كانوا يأتون إلي لبنان ولهم صلات بمجموعات من اللبنانيين».
لاحظ أن من يورد هذه الوقائع هو مسئول سوري قام بالدور الأكبر في تنسيق هذا التحالف ولم يكن وقتها في خانة معارضي النظام أو حتي منتقديه .. وعلي أية حال فقد دخلت إيران لبنان بالفعل منذ عام 1982 وبقوة عسكرية هي هذا اللواء من الحرس الثوري الذي أرسلته إلي سورية ومنها إلي لبنان للمشاركة في صد الهجوم الإسرائيلي، وهنا نترك «خدام» يوثق وقائع خطيرة :
«توجهت مجموعة من اللواء القادم من إيران إلي لبنان إلي منطقة بعلبك والهرمل ولم تشارك في الحرب التي توقفت بعد قرار وقف إطلاق النار، ولكنها فعلت ما هو أهم من ذلك.. لقد بدأت هذه المجموعة بتأسيس حزب الله.. وفي تلك المرحلة ركزت مجموعة الحرس الثوري علي ما يلي : أ – التنظيم والإعداد العقائدي والسياسي والتدريبي واختيار العناصر بعد تدقيق تجنبا لأي اختراقات.
ب- كانت التوجهات الحاسمة تقضي بانصراف حزب الله إلي المقاومة وعدم الانجراف في الشئون الداخلية اللبنانية، وبالتالي التركيز علي الإعداد والتدريب والقيام بعمليات نوعية ضد القوات الإسرائيلية المحتلة.
جـ – التركيز القوي علي السلوك الشخصي من جهة وعدم الانزلاق إلي ممارسات التنظيمات المسلحة الموجودة في الساحة اللبنانية.
د- التوسع في تنمية الحزب وفي عملية الإعداد والتدريب العسكري والعقائدي بالإضافة إلي كسب عطف المواطنين في منطقة الجنوب.
هـ – قدمت إيران إلي حزب الله مساعدات عسكرية من حيث التدريب والتأهيل والتسليح والتمويل بالإضافة إلي مساعدات للقيام ببعض الخدمات الاجتماعية، وأسس الحزب مؤسسات كان لها دور كبير في عملية احتواء المسلمين الشيعة في لبنان، كما وظفت إيران علاقاتها مع سوريا في بناء حزب الله وفي دعمه»..
ومن اللافت أن إيران بنت الحزب من الطائفة المسلمة الشيعية ومن عناصر منتقاة كان ولاؤهم العقائدي والسياسي لإيران.

نحن هنا أمام وثيقة يوردها شريك وصانع وهي من فرط وضوح خطورتها لا تحتاج فعلا إلي تعليق.. والأخطر أنه يقر بعد ذلك بما لو أورده الرافضون للدور الإيراني ولحزب الله لاعتبر افتراء وخصومة متعسفة، فتوجهات انصراف حزب الله إلي المقاومة وعدم الانجراف في الشئون الداخلية اللبنانية أصبحت وهما بالقطع وعبد الحليم خدام يقول نصا عن حزب الله: «شكل في مرحلة لاحقة إحدي القوي السياسية الرئيسية في الساحة اللبنانية، بالإضافة إلي قوته العسكرية التي ساهمت إلي حد كبير في توسيع نفوذه في لبنان، وبعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان ازداد توجه الحزب نحو العمل السياسي بعد أن قضم معظم القوي السياسية في المناطق الشيعية، وأصبح طرفا أساسيا في المعادلة السياسية اللبنانية».

وسنتجاوز مرحلة الدهشة إلي مرحلة اللا تصديق حين يقول مهندس التحالف السوري – الإيراني عبد الحليم خدام :
«هكذا تمكنت إيران من بناء قاعدة سياسية وعسكرية في لبنان علي حدود فلسطين وعلي ساحل البحر الأبيض المتوسط، كما أصبحت عنصرا مهما في قضية الصراع العربي الإسرائيلي وعاملا مؤثرا في المعادلة الداخلية في لبنان.. نجحت القيادة الإيرانية عبر تحالفها مع سوريا وعبر حزب الله في الدخول إلي الساحة الفلسطينية وإقامة علاقات واسعة مع عدد من المنظمات الفلسطينية وبخاصة التي تعارض العملية السياسية، وقدمت لتلك المنظمات مساعدات مالية وعسكرية، وركزت بصورة أساسية علي التيارات الإسلامية وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وهكذا تمكنت القيادة الإيرانية من أن تكون عبر تحالفاتها الفلسطينية عنصرا أساسيا في الساحة الفلسطينية وفي ساحة الصراع العربي الإسرائيلي عبر حزب الله وعبر حلفائها الفلسطينيين».
وبوضوح مماثل يتناول «عبد الحليم خدام» خطة إيران في إذكاء العصبية المذهبية : «إن قيام الجمهورية الإسلامية والتي اعتمدت المذهب الجعفري واحتضان المعارضة الإسلامية الشيعية في العراق وتأسيس حزب الله في لبنان كحركة مقاومة تشكلت من المسلمين الشيعة كل ذلك شكل حوافز لنمو العصبية المذهبية لدي الطائفة الشيعية، ولاشك فإن نشاطات عدد من رجال الدين الإيرانيين في لبنان وفي مناطق أخري ساهمت بنمو هذه الظاهرة والتي برزت خطورتها بعد الحرب الأمريكية في العراق، كما برزت في لبنان إثر قيام حزب الله باحتلال بيروت في السابع من آيار «مايو 2008»
ويورد «عبد الحليم خدام» وقائع تفصيلية كثيرة حول دخول إيران أيضا كطرف في المعادلة العراقية بالتنسيق مع سورية وباللعب علي فصائل المعارضة العراقية وبإذكاء فكرة «مظلومية الشيعة» في عهد صدام حسين ويصل إلي نتيجة مفزعة :
«استخدمت إيران الأمريكان للخلاص من نظام صدام حسين، والقيادة الإيرانية تقدر – وهي علي حق – أن القوات الأمريكية لن تستطيع البقاء في العراق، ومن خلال تعاون حلفائها تمكن هؤلاء الحلفاء من الإمساك في مفاصل السلطة من جهة، وفي المناطق الأهم من العراق بدءا من بغداد حتي البصرة».
وهو يلخص النظرية التي استخدمتها إيران بمساعدة سورية في تحقيق ذلك وفق قول مأثور شائع في إيران وهو :
«إذا أردت قتل الأفعي فلا تقتلها بيدك بل بيد عدوك».. وفي هذه الحالة كانت الأفعي هي «نظام صدام حسين» وكان العدو الذي استخدم لقتلها هو «أمريكا» التي أسقطت نظامه. ويقول خدام : «في المحصلة تفكك العراق ولم يعد يشكل خطرا علي إيران التي أمسكت بصورة لم تحدث في تاريخ العراق بالقرار العراقي عبر حلفائها من الأحزاب والشخصيات العراقية».

وفي هذه المنطقة من شهادته الموثقة الخطيرة يطرح «خدَّام» مجموعة من الأسئلة علي نفسه ويجيب عليها.. أهمها سؤال : هل إيران جادة في تحقيق مشروعها الاستراتيجي في المنطقة وبناء دولة قوية قادرة علي تحقيق نفوذها من لبنان إلي أفغانستان، وأن تكون هذه الدولة المرجعية وقائدة شعوب المنطقة ؟
ونترك له نص الإجابة المطولة :
«الجواب بوضوح : نعم.. إيران جادة في تحقيق مشروعها الإقليمي مع الأخذ بالاعتبار ما يلي : لن تلجأ إيران إلي استخدام قوتها العسكرية في تحقيق مشروعها، ولن تخوض حربا خارج حدودها الوطنية، لأنها تعرف الأضرار الكبري للحروب، ومعرفتها من خلال الحرب مع العراق، بالإضافة لذلك فإن لجوءها إلي القوة العسكرية سيضعها في مواجهات متعددة مع الدول العربية، ومع الغرب المتطلع دائما إلي حماية مصالحها وبخاصة النفطية، ولكنها ستخوض الحرب في حال تعرضها لعدوان خارجي.
تعمل إيران علي تنفيذ مشروعها الإقليمي عبر توظيف الأحداث والوقائع، فكل حدث يعطيها فرصة.. كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 قد أعطاها فرصة مهمة فأسست «حزب الله»، وشكل ذلك حدثا مهما في بناء قاعدتها السياسية والعسكرية في لبنان، وتمكنت عبر «حزب الله» من الإمساك بجانب رئيسي من الوضع في لبنان ومن الوضع العسكري الفاعل ضد إسرائيل، كما تمكنت من كسب قطاع واسع من الرأي العام الشعبي إثر نجاح حزب الله في مقاومته بإخراج إسرائيل من لبنان عام .2000 وفي سوريا وظفت التحالف بأن تصبح سوريا الأرض المفتوحة أمام النشاط الإيراني الإقليمي، وعبر سوريا نجحت إيران في بناء التحالف مع عدد من الفصائل الفلسطينية الرافضة للعملية السلمية، وبذلك أصبحت موجودة عبر هذه الفصائل في قلب المعادلة الفلسطينية، وقلب ساحة الصراع العربي الإسرائيلي.. وفي العراق وظفت الحرب الأمريكية علي العراق فأمسكت الوضع في العراق عبر حلفائها وعبر أجهزتها الأمنية وأصبح لها دور رئيسي في العراق مما اضطر الولايات المتحدة الأمريكية لطلب الحوار معها حول الوضع الأمني في العراق، كما أنها وظفت الحرب الأمريكية علي نظام طالبان لتمسك بجزء مهم من الوضع الأفغاني مما دفع أيضا الولايات المتحدة إلي البحث عن الحوار معها حول أفغانستان.. لقد حققت إيران إنجازات مهمة في مسارها لتحقيق مشروعها الإقليمي، ويبدو واضحا امتداد نفوذها من لبنان إلي أفغانستان».
مجلة روز اليوسف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى