صفحات مختارةهوشنك بروكا

شريعة الجَلد

هوشنك بروكا
أثارت لقطات من الفيلم القصير لفتاة سودانية مراهقة(16 عاماً)، الذي بثه موقع اليوتيوب على الإنترنت، ردود أفعال كثيرة، بين أنصار حقوق الإنسان والمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة في العالم.
http://www.youtube.com/watch?v=DCwMtRKqfiQ
اللقطات كانت صادمةً ووحشيةً، لا يمكن لعقلٍ سويّ أن يتحمل بربريتها الخارجة عن كلّ ما يمتُّ إلى الإنسان وآدميته بصلة.
لم يكن فعل الجلد هذا، مجرد “حادثة عابرة” ضد “فتاة عابرة”، ارتكبها حفنة من الجلاّدين “المؤمنين”، في السر، أو بعيداً عن أنظار القانون السوداني المسلم، كما تراءى للبعض أو توقعته جهات دينية وسياسية رسمية، هنا وهناك.
طقوس الجلد “المقدس”، حسبما تناقلته وسائل الإعلام أمس، كانت طقوساً رسمية، جرت في شباط الماضي، تحت أعين القانون السوداني فقهائه الظلاميين، كما تبيّن.
الرئيس السوداني عمر البشير، الذي يتخذ من الشريعة الإسلامية، أساساً لقانون بلاده، قال في حشد جماهيري كبير، أن الجلد عقوبة إسلامية صحيحة وواجبة(حسب المادة 152 من قانون العقوبات الجنائية لسنة 1991، المستمد من الشريعة الإسلامية، وفقاً لما تناقلته الدويتشه فيلله على لسان جهات قضائية سودانية). البشير، لم ينكر حدوث “الجلد المقدس” في بلاده، بل الأنكى أنه دافع على الملأ عن رجال الشرطة الجلادين الذين ظهروا في فيلم الجلد، وأكد مجدداً على ضرورة الأسلمة الكاملة للدستور السوداني، لتصبح الشريعة الإسلامية دستوراً أكيداً لكل البلاد.
القضية، إذن، ليست قضية جلد فتاة استثنائية، ارتكبها جلادون استثنائيون، خارجون على القانون، وإنما هي قضية “قانونية” مرخصة، وفقاً ل”شريعة الجلد” المقدسة، المسنودة إلى دستور الإسلام، بإعتباره مصدراً أساسياً من مصادر الدستور السوداني، كما يريد له البشير أن يكون.
فالرجل صادقٌ مع شريعته على أية حال، لأنّ عقوبة الجلد هي عقوبة “صحيحة” في الإسلام، ومسنودة إلى نصوصٍ من القرآن والأحاديث النبوية، منها مثلاً:
“الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين”(ألنور:2)
“والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة”(النور: 4).
“واللاتي تخافون نشوذهن فعظوهن وأهجروهن في المضاجع وأضبروهن”(النساء: 34).
“من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه”(من السنة النبوية: رواية الترميذي وأبو داوود).
عقوبة الجلد، إذن، بحسب “النصوص الصحيحة” الآنفة الذكر، هي ليست عقوبة خارج ـ قانونية، وإنما هي “عقوبة صحيحة” من صلب “القانون السماوي”، تؤكدها “الشريعة الصحيحة”، وفقاً لكلام “الله الصحيح” و”نبييه الصحيح”.
على الرغم من ورود عقوبة الجلد في كتب سماوية أخرى، كالإنجيل والتوراة ونصوص دينية أخرى، في كونها “عقوبةً عابرة للأديان”، إلا أنّها تظلّ في الثقافة الإسلامية، العقوبة الأكثر ممارسةً وتطبيقاً، رسمياً وشعبياً.
امتهان الجلد بين جمهور عالمنا الإسلامي، المفتون ب”صحيح” سماواته، تجاوز حدود المعقول البشري، بأحكامه الوحشية المدمرة لصورة الإنسان وآدميته، الذي يفترض أنّ يكون الله قد خلقه في أحسن تقويم، كما جاء في الكثير من الصكوك الدينية.
ففي السعودية مهبط رسالة الإسلام مثلاً، هناك عقوبات وصلت إلى 40 ألف جلدة بحسب تقرير لجريدة الرياض السعودية(العدد 14895، 05.04.2009).
فأيّ إنسان يفترض أن يكون الله قد خلقه على صورته، سيتحمل هذه العقوبة الفوق ـالوحشية، من جلادٍ يكبّر الله ويحمده مع كل جلدةٍ “مقدسة” تنالها الضحية “المدنسة”؟
كيف يمكن لمعبودٍ كبيرٍ، أن يكون جلاّداً كبيراً إلى هذا الحد؟
كيف يمكن لإلهٍ أن يكون معبوداً وجلاداً في آن؟
كيف يمكن للحب في ممارسة الجلد، كما هو حاصل ولا يزال، أن يكون حباً لدين لله ورسله وآياته؟
لماذا هذا “الإصرار السماوي” على تحويل الدين إلى سجنٍ كبيرٍ، أو غرفةً للتعذيب الكثير؟
عقوبة الجلد، ههنا، كغيرها من العقوبات “السماوية” الأخرى الممتهنة والمنتهكة لكرامة الإنسان وإنسانيته، هي سادية ما بعدها سادية.
أنها سادية الله ضد الله؛ والإنسان ضد الإنسان، والعالم ضد العالم، والطبيعة ضد الطبيعة.
مع كلّ جلدة “مقدسة”(أو مدنسةٍ) ينالها الإنسان، في هذا العالم، أشعر لكأن الله قد مات منذ زمانٍ كثيرٍ مضى.
مع كلّ إهانةٍ “سماوية”(أو أرضية) يمارسها الإنسان ضد الإنسان، أشعر لكأن السماء قد سقطت وإلى الأبد، منذ تاريخٍ كثيرٍ مضى.
الجلد، عقوبة أكثر من وحشية، تمسخ الله في الإنسان، والإنسان في الله، وتحوله إلى حيوانٍ للنقل ضد العقل، أو إلى مجرد وحشٍ كاسر.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هؤلاء الرحماء الذين تطير أفئدتهم من رؤية هكذا منظر – ويكتبون المقالات يستنكرون ويشجبون وينددون ( سياسة العرب ) أقول لهم كلمتين – أولاً الجلد في الإسلام هو لثلاثة جرائم – الزنا وإثباته حسب التعليمات صعبة جداً – ثم قذف النساء بتهمة الزنا وهي جريمة أكبر من الزنا – لأن المطلوب شرعا أن لايتهم أحد أحداً بالزنا إلا ومعه 4 شهود وإلا فليسكت ولو رأى الزنا الصريح جهارا نهارا – 4شهود أو الصمت – حفاظاً على هدوء المجتمع – ومن يزني ويسمح لأربعة أن يستمتعوا بمشاهدة عملية الزنا فإنه يستحق الجلد وأكثر – وإذا بليتم بالمعاصي فاستتروا !!! – ثم شارب الخمر فليشرب في بيته لا أن يخرج إلى الناس يترنح ويؤذيهم بتصرفاته ورائحته الكريهة – والخمر رائحته كريهة – وانظروا إلى من يشرب الخمر في التلفزيون والأفلام تجده يغمض عينيه ويكشر وجهه مع كل رشفة !! – ثانياً إلى أولئك الرحماء !! أين هم عن السجناء السياسيين في سجون الطغاة يجلدون صباح مساء لشهور وسنين – وياكاتب المقال لاتجرؤ أن تتكلم أو تكتب عنهم – ولكن الدين والمتدينين هم الحيط الواطي عند المثقفين العرب – هم أرانب وفئران أمام الطغاة ويستأسدون على الدين والمتدينين لأن الله يمهل ولايعاقب فوراً بل الله يمهل ولايهمل – أقبية المخابرات العربية حصل فيها من الجلد في نصف القرن الماضي فقط أكثر بكثييييييييييييييير مما حصل من الجلد طيلة قرون ماضية – ولسوف تُسألون عما كنتم تعملون وتقولون وتكتبون –

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى