ثورة تونس

تونس: منطق الثورة، منطق الدولة

محمد الحدّاد
هي مفارقة معروفة، لكننا نسيناها لطول عهدنا بالثورات واعتقادنا أن عهدها قد ولّى. منطق الثورة قائم على الرغبة والحلم والجرأة، ومنطق الدولة قائم على التحوّط والواقعية والامتناع عن المغامرة. في لحظة أولى يسود منطق الثورة وتنفتح الآفاق للجميع ويصبح بمقدور كل فرد أن يتحدث… وأن يتحدث باسم الشعب أيضاً، وأن يجعل نفسه المسؤول عن الغد، يرسمه ويوجهه وينحت معالمه كما يشاء، لا يعبأ بالمستحيل ولا يتوقف عند حدود الممكن. وفي نشوة الإبداع الثوري لا ينظر إلى أحلام الآخرين ورغباتهم، ولا يرى أنها قد تختلف عما يراه أو أنها تحدّد من الأولويات غير أولوياته.
جميلة هي الثورة لأنها تخرجنا من المعتاد وتغير كل شيء في حياتنا، من ساعة الاستيقاظ والنوم إلى نبرة الصوت التي تقوى وتتحرّر، لكنها تجعلنا أيضاً مثل الطفل الذي يصرخ ويغضب إذا لم يشعر أنه مركز العالم المحيط به وأن كل شيء في ملكه.
مشكلة الثورة، كل ثورة، أنها لا تدوم طويلاً، يأتي يوم وينتهي الحلم وتبدأ عملية التغيير الحقيقي في علاقة بواقع معقد تتعدّد فيه الرؤى والمصالح والرغبات والأحلام ويرتطم بأنواع من الصعاب منها ما لم يكن متوقعاً. ثم يكتشف الجميع أن الثورة كانت ثورات وأن لكل ثورته التي يريد. لحظة قاسية هذه الاستفاقة على الحقيقة، هذا الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، يوم يدرك الحالمون أن الحكام السابقين قد سقطوا لكن لم تسقط الحاجة إلى الدولة، وأن الحكام الجدد لا بدّ أن يستعيدوا بعض وظائف سابقيهم: توفير الخبز للعائلات، فتح المدارس للطلاب، نشر الشرطة في الشوارع، استقبال مبعوث أميركي جاء ليبارك الثورة، وهكذا دواليك. لحظة عنيفة تعيد كلاّ إلى حجمه وتفصل مجدداً الشارع عن مركز القرار.
لكن بين المنطقين برزخاً، أو لعله صراط حاد ودقيق مثل ذاك الذي يعبره أتباع زرادشت قبل الدخول إلى الجنة. القيادة الذكية هي التي تنجح في الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة بأقل ما يكون من العنف المادي والوجداني في آن. لا تترك الجماهير هائمة في الشوارع والشعارات حتى يُشل الاقتصاد فلا يجدون قوت يومهم أو يفني بعضهم بعضاً في منازعات الأحلام والرغبات. لكنها لا تأخذهــــم بالقسوة إلى منطـــق الدولة وتوقظهم من أحلامهم بفظاظة وينادي منها منادٍ أن عودوا إلى بيوتكم يا شعب فسوف ندبر أموركم بالنيابة عنكم.
هنا تحصل الكارثة، فالناس محتاجون إلى الثقة بأنهم أصحاب الأمر وكذلك سيبقون، وأن الشوارع والحناجر التي صنعت الثورة هي التي ستقرّر وتحـــكم. فـــي هذه اللحظة الحاسمة تفتح سيناريوات عديدة: الشارع الذي يطغى على كل شيء فتعم الفوضى، أو الحكومة التي تحتكر كل شيء فتخنق التطلعات وتتحوّل إلى إدارة بيروقراطية ومتعالية، الانتهازيون وما أكثرهم الذين يفرضون أنفسهم ممثلين للثورة بعد أن كانوا يسبّحون باسم النظام البائد ويقدسون، والأطراف الخارجية التي تستغل مثل هذا الوضع لغايات أخرى. الخ.
بين الثوروية الطفولية وصلف دعاة الاستقامة والنظام يتعين أن يقوم خطاب قادر على تعميق الأحلام لتكون وقوداً في مواجهة التحديات الضخمة المقبلة ويشجع المطالبات كي يشعر كل مواطن أنه صاحب الثورة، ولا يقتل الأمل لدى الناس باسم الواقعية كما لا يعدم حسهم الواقعي بالشعارات المعسولة.
لم تجـــد الحكومة الانتقاليــــة التونسية حتى الآن النبرة المناسبة لهذا الخطاب، وربما بدت المسألـــة ثانوية بالنسبة إلى وزراء يصطلون بمــــواجهة القضايا اليومـــية المعقدة، لكنها أكثر من مهــــمة لمن كان يراقب الأحداث من الضفة الأخرى.
في المدينة العتيقة بتونس يقع قصر الحكومة، وراء أبوابه وزراء جادون يعملون لضبط الأوضاع وإنجاح الثورة، ويجلس بعض آخر في كراسٍ لا نراهم جديرين بها. لنفترض أننا نتقبل النقائص بحجة أن الحكومة موقتة وانتقالية وأن هذه النقائص هي ثمن العودة إلى الاستقرار وتفادي العنف والفوضى، ولكن على هؤلاء أن ينظروا على الأقلّ إلى ما يحصل أمام أبواب قصر الحكومة وجدرانه، هناك مئات من المواطنين لا يهمهم منطق دولة إذ عاشوا دائماً مهمشين عنها، أتوا من الآفاق واعتصموا في العراء وناموا ليالي على الأرض في البرد القارس لشهر كانون الثاني (يناير)، هؤلاء يقسمون أنهم لن يعودوا إلى ديارهم كي لا تسرق منهم الثورة.
صحيح أن بعضهم أكثر ميلاً إلى العنف من شباب الفيسبوك، لكنهم جديرون أيضاً بأن يعاملوا بنفس الاحترام والكرامة. لماذا لا تنصب لهم بعض الخيام أمام مقر الحكومة ويرحب بهم ويقال لهم إنهم الضمير العميق للثورة، فإذا شعروا بالاحترام لانت نفوسهم وأصبحوا دعماً للحكومة بدل أن يكونوا عبئاً عليها أو تهديداً لها؟ هذا أحد حلول يجمع بين منطق الثورة ومنطق الدولة، فالخطر هو التنقل العنيف بين المنطقين والتحوّل السريع إلى الإدارة التقنية لحدث صنعه الوجدان ولم تصنعه الحسابات العاقلة. بين الحكومة الموقتة والمعتصمين أمام مقرها، اليوم وبعد اليوم، سوف يتحدّد مصير الثورة… مصير الوطن.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى