صفحات أخرى

الخبرة الإيرانية«: الثورة مؤقتة لكن الدولة دائمة

نظام مارديني
يحدد هذا الكتاب »الخبرة الإيرانية: الانتقال من الثورة الى الدولة«، الإطار النظري الذي قامت على أساسه كل من الثورة والدولة في إيران، ليس من حيث كونهما من الظواهر السياسية والإنسانية المنفصلة، لكن بحكم كونهما في بعض الأحيان وجهين لعملة واحدة.
لكن إذا كانت الثورة لا تحدث إلا في إطار نظام سياسي واقتصادي واجتماعي منظم يطلق عليه دولة، فإن هذا الإطار يبقى حالة موقتة، إذ من غير المعقول تصور مجتمع ما يعيش في حالة لا نهائية من الثورة، بل لا بد له من التحول التدريجي الى حالة من التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري، تتشابه أو تختلف مع ما كان موجوداً من قبل، هذا التحول التدريجي أو المرحلة الانتقالية تمهد لحالة الاستقرار.
فقد احتل مفهوم الثورة أهمية كبرى في الكتابات الماركسية وكتابات المفكرين من العالم الثالث، على اعتبار ان تلك المجتمعات عانت لفترات طويلة وممتدة ضغط الأنظمة الحاكمة سواء أكانت تقليدية رجعية أم محتلة أجنبية. والثورة في هذه الحالة هي عملية ديناميكية، وليست لحظة تاريخية ثابتة وساكنة، على الرغم من أنه يمكن الحديث عن تحديد لحظة فاصلة تنفجر فيها الأوضاع، ولذلك فإن الحديث عن هذه النقطة الزمنية الفاصلة إنما يسهل الوضوح في هذا المبحث الهام.
في ضوء هذه الوقائع، يطرح الكتاب أربعة اتجاهات للبحث، هي: الاتجاه الماركسي، الاتجاه الوظيفي، الاتجاه الاجتماعي النفسي، اتجاه التاريخ المقارن. فماركس اعتبر الثورة عملية حتمية مرتبطة بعملية الانتقال من نمط إنتاجي الى نمط آخر. فالنمط القديم ينتهي مفسحاً المجال أمام نمط جديد له شبكة مختلفة من علاقات الإنتاج، وفي ظل النظام الرأسمالي يظهر الصراع بين الطبقتين اللتين تشكلان العمود الفقري للمجتمع، طبقة البروليتاريا وطبقة البرجوازية.
المشكلة في التيار الماركسي هي تركيزه المتعاظم على الابعاد الاقتصادية فقط في الثورات وإهماله ما عداها من أسباب، بالإضافة الى التركيز على الدولة باعتبارها أداة في يد الطبقة المستغلة، غير أن طبيعة الثورات الاشتراكية التي قامت في دول العالم الثالث أدت الى مراجعات في داخل المدرسة الماركسية حول الدور الذي يمكن ان تقوم به مختلف الطبقات في عملية الثورة قبولاً أو رفضاً. فهذه المجتمعات لا تظهر فيها البروليتاريا بالشكل الذي يسمح لها بقيادة الحركة الثورية، في مقابل وجود طبقة من الفلاحين وصغار العمال والمهمشين اقتصادياً يمتلكون درجة من الوعي السياسي التي تسمح في حال توافر القيادة المناسبة لهذه الحركة.
أما في الاتجاه الوظيفي، فقد اهتم منظرو هذه المدرسة بمفهوم التوازي الذي يمكن ان يحققه النظام السياسي بين مطالب الجماهير السياسية والاقتصادية والاجتماعية من ناحية وبين الموارد المتاحة من ناحية أخرى. وحيث إنه لا يمكن الحديث عن نقطة محددة بذاتها باعتبارها نقطة التوازي التي تتغير مع تغير المطالب والموارد والظروف المحيطة، فإن المقياس الحقيقي لنجاح الحكومة أو جهة الدولة يتوقف على قدرتها على الوصول دائماً الى نقطة التوازن المتغيرة في الأساس والحفاظ عليها.
ويمكن رصد حالة التوازن في داخل المجتمع من خلال الكشف عن الوظائف الرئيسية لأي نظام اجتماعي والتي تتمثل في:
[ تحقيق الأهداف الاجتماعية والحفاظ على تكامل النظام وتماسكه ويقوم بها النظام السياسي.
[ الملاءمة مع المحيط المادي وهي مهمة النظام الاقتصادي.
[ ضبط التوتر والحفاظ على الذات وهي مهمة النظام القيمي.
ويركز الاتجاه الاجتماعي النفسي على الاسباب التي تدفع الأفراد الى الانخراط في الثورة، على الرغم من أن هذه الدوافع لا تهتم بالظروف الموضوعية التي تحيط بالمجتمعات الثورية، بل تركز بشكل أكبر على الإجابة عن سؤال: لماذا يقوم الناس بالثورة؟ هل هناك عوامل كامنة في طبيعة البشر تسمح لهم باستخدام العنف؟ أم ان قابلية البشر لاستخدام العنف تتبدى في ظرف سياسي واجتماعي واقتصادي معين؟
وبحسب هذه المدرسة فإن الأفراد يصبحون مؤهلين للثورة حينما ترتفع توقعاتهم من النظام السياسي، في مقابل محدودية ما يحصلون عليه بالفعل من هذا النظام.
الفجوة التي تحدث بين هذه التوقعات والقيمة الفعلية لما يحصلون عليه تتحول الى طاقة ثورية تنتظر القيادة المناسبة والتوجيه كي تطيح بالنظام القائم. ووفق هذه النظرية فإن الاختلال بين التوقعات وما يمكن تحقيقه هو المسبب الأول للثورة، ولذلك يمكن ان يتلافى احتمالات حدوث الثورة إذا ما تمكن دائماً من الحفاظ على مستوى توقعات الجماهير متناسبة مع قدرته على مواجهة هذه التوقعات. غير أن في هذا الإطار هناك أكثر من ملاحظة، فتوقعات الجماهير ليست دائماً مرتبطة بقدرات النظام الداخلية، فثورة المعلومات وتآكل الحواجز بين الداخل والخارج وانفتاح العوالم المختلفة أدت الى ارتباط توقعات الجماهير في أحيان كثيرة بالظروف الإقليمية أو الدولية المحيطة بها، أو ان تتحول لأن تكون انعكاساً لهذه الظروف.
ويبقى اتجاه التاريخ المقارن، وأهم ما في هذا الاتجاه تركيزه على دراسة نماذج مختلفة من الثورات الكبرى في تاريخ البشرية بغرض استخلاص عدد من التعميمات التي تصلح لتكوين نظرية خاصة للثورات، كالثورة الفرنسية والروسية والصينية التي لا يمكن دراسة دوافع المشاركين فيها، لكن من خلال دراسة الأبعاد الداخلية والخارجية للثورة. أي ان هذه النظم التي شهدت ثورات يمكن ان تكون قد عانت من ضغوط خارجية وداخلية تؤدي الى تفكك الدولة سياسياً وإدارياً، ما يؤدي في التحليل الاخير الى فتح الباب أمام القوى الثورية وإحكام سيطرتها على مقاليد الأمور داخلياً.
الدولة في هذه الحالة ليست أداة خاضعة لسيطرة النخبة المستغلة كما يذكر أصحاب التيار الماركسي التقليدي، لكنها مستقلة وتمارس القمع، وبالتالي فإن سكوكبول تعتبر من أوائل الذين أعطوا الاهتمام لدور النخبة في فرض التغيير الاجتماعي من أعلى، وبخاصة بعد نجاح الثورة. لكن هذا التركيز حدث في ظل إهمال دور المتغير الثقافي والأثر الذي يحدثه في الثورات المختلفة.
(*) د. أمل حمادة ـ »الخبرة الإيرانية، الانتقال من الثورة الى الدولة« ـ الشبكة العربية للأبحاث والنشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى