الأزمة المالية العالمية

»الإعصار جشع«

حسام عيتاني
ظهر في كاريكاتور »الواشنطن بوست« يوم امس »الاعصار جشع« يجتاح الولايات المتحدة فيما يرتفع من البيت الابيض صوت يتساءل »إنه الجني أليس كذلك؟«. جمع صاحب الكاريكاتور، الرسام توم توليز، بين عتو العاصفة التي تضرب النظام المالي والاقتصاد الاميركي برمته، وبين سذاجة المعالجات التي يفترض ان يقودها الرئيس جورج بوش. فمن يعتقد ان الاعاصير تحركها الجن، لا يُتوقع منه تقديم الحلول للاضطرابات الاقتصادية.
لكن الجشع لا يفسر وحده ما بدأ امس الاول في الاسواق الاميركية وانتقل منها الى الاسواق الاوروبية والآسيوية، ووصلت تأثيراته الى عدد من الاسواق العربية. لقد كان الانهيار الذي كلف الاقتصاد الاميركي في يوم واحد اكثر من سبعمائة مليار دولار، نتيجة ممارسات سيئة مستمرة منذ اعوام وبلغت الحد الخطر قبل عام ونصف عام من دون تدخّل المؤسسات المالية الاميركية لمعالجتها. بل على العكس فإن المؤسسات هذه قد وجهت رسائل خاطئة بتقديمها الدعم لعملاقي القروض السكنية »فاني ماي« و»فريدي ماك« حيث فسر المستثمرون السلوك هذا بالدعوة الى الاطمئنان بأن مجلس الاحتياط الفدرالي الاميركي (ما يعادل المصرف المركزي) سيتدخل لانقاذ أي مؤسسة تعاني من خسائر كبرى. بهذا المعنى يكون مجلس الاحتياطي قد عزز شعورا خادعا بالثقة بين المستثمرين الذين انغمسوا في تقديم قروض غير مضمونة، من جهة، وفي رفض الاعتراف بتراجع قيمة البيوت التي يقدمون القروض لبنائها، من جهة ثانية، بسبب تشبع السوق وانخفاض الطلب، ما اسفر عن تراجع كبير في اسعار البيوت وبالتالي عجز المقترضين عن سداد ما استدانوا.
هذا لبّ الازمة الذي تقاطع مع رفض الشركات المالية الكبرى الغارقة في عمليات اقراض غير مضمونة، الاعتراف بأن البيوت التي تشكل الأصول الحقيقية لها قد انحدرت اسعارها الى ما يقل كثيرا عن توقعاتها. وظهر اسلوبان في التعامل مع الحقيقة هذه: اسلوب مدير مؤسسة »ليمان براذرز« ريتشارد فولد الذي اخفق في الحصول على قرض كبير من دائنين كوريين لاحظوا الفارق بين الاسعار الحقيقية لاصول الشركة وبين الاسعار التي يعلنها مديرها وامتنعوا عن السير في عرضه، فكان ان وقع الافلاس وانهارت مؤسسة ظلت رمزا للنظام المالي الاميركي منذ اكثر من قرن ونصف قرن، وهناك اسلوب شركة »ميريل لينش« التي اعترفت بضخامة المشكلة التي تواجهها فباعت اسهمها باثنين وعشرين سنتا لكل دولار من الاصول السابقة، وابعدت نفسها عن كارثة الافلاس، على ان تعود ملكيتها الى »بنك اوف اميركا«.
يتوقع الاقتصاديون ان تتراوح الخسائر التي استمرت الاسواق في تسجيلها امس بين تريليون وتريليون ونصف التريليون من الدولارات الى ان تهدأ الموجة الحالية من الاضطرابات، شرط ان يظل عملاق شركات التأمين الاميركية »اميركان انترناشونال غروب« واقفا على قدميه. النبأ السيئ ان »ايه آي جي« التي تبلغ قيمة اعمالها تريليون دولار، هي المرشح الابرز لتكون حجر الدومينو الساقط المقبل. وليس هذا تفصيلا بسيطا. فهي تتشارك في مقاصات واعمال تبادل مالية عالمية تزيد عن ستين تريليون دولار. اضافة الى انها تشرف على بوليصات تأمين ٧٤ مليون زبون (بين فرد ومؤسسة) في ١٣٠ بلدا. بكلمات اخرى، سيدفع انهيار »ايه آي جي« معطوفا على ما سبقت الاشارة اليه من اخفاقات، الى اكبر عملية »اعادة هيكلة« للاقتصاد الاميركي (واستطرادا، للاقتصاد العالمي) منذ ايام »الركود الكبير« في العام .١٩٢٩ غني عن البيان ان »اعادة الهيكلة« هو التعبير الوصفي المحايد لجملة كبيرة من الهزات الاقتصادية والمالية على المستوى العالمي تنطوي على عدد هائل من المآسي والكوارث.
السؤال الملح في هذا المجال لا يتعلق بمدى تأثير الازمة هذه وتبعاتها على الحملة الانتخابية الاميركية. فبداية التأثيرات كانت الاطاحة بظاهرة سارة بالن المرشحة لتولي منصب نائب الرئيس في قائمة الجمهوري جون ماكين، واستئناف السجالات الاقتصادية المباشرة، على حساب تلك المتعلقة »بالثقافة« كالعرق والنساء والاعلام. عودة النقاش الانتخابي الى ارض الواقع سلط ضوءا جديدا على افتقاد بالن الى الخبرة، بغض النظر عن تمتعها بالقدرة على اجتذاب الجمهور ضمن معايير النجومية.
يستدعي هذا التطور إلقاء نظرة على الموقف الجمهوري التقليدي المعادي »للحكومة الكبيرة« والتي كان في وسعها الحيلولة دون وقوع الازمة الحالية، لو اتيح لها العمل على النحو الذي كانت تعمل به قبل الهجوم الجمهوري عليها منذ ايام رونالد ريغان. وإلقاء نظرة ثانية على ما يمكن ان يصيب التحالف بين اليمين الديني والشرائح الاغنى من رجال الاعمال. لقد وجد كل طرف ضالته السياسية والانتخابية اثناء التصدي للمرشح الديموقراطي آل غور في العام ،١٩٩٩ لكن هل ستصمد العلاقة هذه بعد الدور الذي أداه رجال الاعمال والمسؤولون الرسميون الجمهوريون في منع تفاقم مخاطر الانهيار الحالي، خصوصا اذا اخذ في عين الاعتبار ان قسما مهما من جمهور اليمين الديني من صغار المزارعين وسكان الارياف الذين تضرروا بشدة من انخفاض قيمة المساكن.
ويبدو للمراقب في ما تنشر الصحف الاميركية من اقتباسات للرئيس فرانكلين روزفلت الذي وضع »الاتفاق الجديد« وانهى الركود الكبير في الثلاثينيات من القرن الماضي، عن الاساءات التي تسببها الفئات المتسلطة على الاقتصاد الاميركي في تلك المرحلة، اشارة مهمة الى حالة الضيق من تجاهل مصالح فئات واسعة من الاميركيين في ظل شعارات »الحكومة الصغيرة« والاعفاءات الضريبية التي لم يستفد منها سوى كبار الرأسماليين الذين عادوا سيرتهم الاولى وورطوا البلاد في ازمة اقتصادية جديدة.
التطورات المالية والاقتصادية الاميركية تؤدي، بين ما تؤدي اليه، الى مضاعفة اهمية الانتخابات المقبلة وجعل الادارة التي ستدخل الى البيت الابيض في العشرين من كانون الثاني، في موقف صعب وامام رهانات كبرى، في الداخل والخارج على السواء.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى