الأزمة المالية العالمية

حتى الشيوعيين من العرب لا يقرأون

فـؤاد النمري
من المؤكد أن الأزمة التي نعيشها اليوم هي أزمة الرأسمالية!!
من المؤكد أن الأزمة هي أكبر من كل أزماتها السابقة!!
من المؤكد أن الأزمة هي أخطر من كل أزماتها السابقة!!
من المؤكد أن الأزمة ليست آخر أزمات الرأسمالية!!
من المؤكد أن الأزمة لن تفضي إلى انهيار الرأسمالية!!
هذه ” الحقائق ” الكبرى والخطيرة التي تقرر مصير البشرية قد أكّدها أحد أدعياء الشيوعية من الذين يتنطحون إلى تطوير وتحديث الماركسية دون أن يسبق له أن كان ماركسياً حقيقياً أو ماركسياً مكتملاً وهو الشرط اللازم لتأهيل كل من يتنطح لإضافة أي فكرة مهما كانت صغيرة لفكر ماركس.
كارل ماركس يتبرأ من كل الأشخاص الذين يكتبون ما يختمر في عقولهم من أفكار دون أن يكون لها أية صلة بالواقع. ما جعل من كارل ماركس مرجعية عظمى في مختلف حقول المعرفة الإنسانية وخاصة في الفلسفة والسياسة والإقتصاد والتاريخ هو إنكاره لمثالية هيجل وثورته عليها فكان أن قلب الديالكتيك الهيجلي وأوقفه على قدميه بدلاً من رأسه. من هنا فمن المؤكد أن ماركس سينكر دعيّ الشيوعية هذا، وسيسأله عن التأكيدات الخمسة التي نبتت في رأسه وأطلقها لتقرر مصير العالم!! سيسأله ماركس بنفسه.. ” لماذا تكون الأزمة الماثلة هي أزمة الرأسمالية وهي التي كنت عيّنت كيفيّة حدوثها في كتابي رأس المال المجلد الأول صفحة 427 حيث قلت.. إن حياة الصناعة الحديثة تستمر عبر مراحل متعاقبة بدءاً من نشاطها المعتدل، ثم الإزدهار، ثم فيض الإنتاج، ثم الأزمة فالكساد ـ فهل سبق الأزمة الماثلة فيض الإنتاج؟ أمام مثل هذا المأزق الفضائحي لن يجد دعيّ الشيوعية ما يجيب به وقد غدا فيض الإنتاج غيض الإنتاج خلال السنوات الخمس الأولى من مرحلة الإستهلاكية (consumerism) 1975 ـ 1980 ؛ وليس مستهجناً أن يتطاول على ماركس، خاصة وأنه هو من انتدب نفسه لتطوير الماركسية، فيقول لماركس بوجهه.. إهجع في قبرك يا كارل فقد جرى التقادم على أفكارك!! يقول هذا دون أن يقدم سبباً واحداً يدعو لتأكيداته!
كنت كتبت قبل شهر تحت عنوان ” ما الذي ينهار اليوم في أميركا؟ ” لأؤكد أن الأزمة المالية الماثلة ليست هي أزمة الرأسمالية ؛ وأعدت الكتابة ثانية قبل أسبوع تحت عنون ” الأزمة المالية الماثلة ليست أزمة الرأسمالية ” ودللت على ما ذهبت إليه بحقائق تفلق عيون الذين يذهبون غير مذهب. لكن ما يبعث على أكثر من الاستهجان هو أن العشرات الذين كتبوا بعد ذلك تجاهلوا جميعهم كل ما أوردت من أسباب تؤكد أن الأزمة ليست أزمة الرأسمالية وانطلقوا يدبجّون نصوصاً جوفاء لا تدلل إلا على جهل كتبتها في علوم الماركسية كما في علوم الاقتصاد، فكما لو أن أحداً أرغمهم على أن يكتبوا في موضوع لا علم لهم فيه! لعلهم يبررون تجاهلهم لما كتبت بأنهم ليسوا مطالبين بأن يأخذوا برأيي خاصة وأنني لست علماً من أعلام الماركسية أو مرجعية مرموقة يحسن الرجوع إليها، فلي رأيي ولهم رأيهم، كما قد يتعللون! لكن الحقائق الماثلة أمامنا لا تسمح لأي باحث مهما علا شأنه أن يكون له رأيه الخاص فنحن لسنا أمام حالة باطنية تسمح باتخاذ آراء متباينة بل إننا أمام حالة ظاهرية تقطع الشك باليقين ولا تسمح بتباين الآراء فيها.
الأزمة الرأسمالية تتأتّى من فيض الإنتاج فقط كما في وصف ماركس أعلاه. وكافة الدول التي عانت من انهيار مؤسساتها المالية كانت قد عانت منذ زمن طويل، ثلاثين عاماً أو أكثر أو أقل، من غيض الإنتاج. فالولايات المتحدة وهي أول الدول المأزومة تضطر إلى استيراد ما قيمته مليارين من الدولارات يومياً من البضائع الأجنبية كي تسد غيض الإنتاج أو عطش السوق فيها. كيف يمكن الحديث عن أزمة رأسمالية تنجم عن فيض الإنتاج والدولة في الولايات المتحدة مدينة اليوم بما يزيد على أربعة أمثال مجمل إنتاجها القومي، أو زهاء خمسين تريليوناً من الدولارات؟؟ أي غبي أو أبله يمكن أن يقبل هذا؟؟
ويؤكد دعيّ الشيوعية الذي أشرنا إليه من أن الأزمة الماثلة لن تفضي إلى انهيار الرأسمالية!! نؤكد هنا للمرة الألف أن الرأسمالية كنظام إنتاج اعتمدته الدول الغربية، أميركا وبريطانيا ودول أوروبا الغربية، لثلاثة قرون سابقة قد انهار قبل اجتماع الدول الرأسمالية الخمس الأغنى في العالم نوفمبر 1975، وقد اجتمعت لتتدارك الإنهيار ولم تفلح. الإنتاج الرأسمالي في الولايات المتحدة هو أقل من 17.5% من مجمل الإنتاج القومي وهو ما يعني بالضرورة أن مجموع الأجور في مختلف قطاعات الإنتاج يساوي أضعاف قيمة البضائع التي تطرحها المؤسسات الرأسمالية في الأسواق. من لا يستطيع التمييز بين النظام القائم حالياً، في الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية المماثلة، من جهة والنظام الرأسمالي من جهة أخرى حريٌ به أن يسكت وألا يتجرأ على القول أن الأزمة الماثلة اليوم لن تفضي إلى انهيار نظام الإنتاج القائم بغض النظر عن طبيعته.
ليس لدي أدنى شك في أن الأزمة المالية الماثلة اليوم إنما هي احتضار نظام الإقتصاد الإستهلاكي (consumerism) الذي عاش دورته الإقتصادية الكاملة وهي 33 عاماً ولن يحيا سنة أخرى أكثر. الإقتصاد الاستهلاكي يحكم بأن يستهلك الشعب أكثر مما ينتج ويستمر ذلك حتى يؤتي على كل المدخرات الوطنية ولم يبق هناك ما يستهلك. منذ اليوم، وقد بدأت تتكشف النهاية الفجائعية للإقتصاد الاستهلاكي الذي مثل المهرب الوحيد من طوق الشيوعية اكتشفه عباقرة الرأسمالية الإمبريالية في مؤتمر ال ( G 5 ) الأول في رامبوييه 1975، يترتب على القوى الخيّرة في البشرية، والماركسيون طليعتها، البحث الحثيث والجاد عن كيفية الخروج من قاع الهاوية الذي انحطت إليه البشرية اليوم.
ما يستلزم قوله أخيراً هو أننا في موضوعنا هذا لا نبدع ولا نبتدع إنما نصف الوقائع كما هي على الأرض دون أدنى إضافات من عندنا. وما نطلبه هَهُنا بإلحاح شديد هو أن يتجند الماركسيون وأشباه الماركسيين الذين ينتصرون للحياة الحرة والإنسانية لينكبّوا على دراسة أجدى الطرق وأقصرها لإنقاذ البشرية من رزيّتها الكونية قبل أن يسبق السيف العذل ـ والسيف هنا هو السلاح النووي في روسيا وأميركا، والأسوأ أنه في يد الطبقة الوسطى في كلتا الدولتين. ولعل المسكونين بهوَس تطوير وتحديث الماركسية يجدون مبتغاهم في هذا السياق دون غيره من السياقات الأخرى.

فـؤاد النمري
www.geocities.com/fuadnimri01
ايلاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى