الأزمة المالية العالمية

تعليق الفايننشال تايمز على وثيقة العشرين: الأساس إصلاح النظام المصرفي

تحقّق تقدّم مفيد، لكن ما زال يجب قطع أشواط كبيرة. هذه هي الخلاصة التي يمكن استنتاجها من قمة مجموعة العشرين في لندن. عرض غوردن براون، رئيس الوزراء البريطاني الذي تولّى رئاسة الاجتماع، خطة من ست نقاط لإنقاذ العالم.
وقد عكست بعض الإنجازات الحقيقية: زيادة سخية في تمويل صندوق النقد الدولي، وإصدار جديد لحقوق السحب الخاصة وتعزيز تمويل التجارة. لكنه بدا مقتضباً بطريقة مخيّبة للآمال في مجالات أساسية أخرى – ولا سيما تنظيف المصارف والتحفيز المالي المستقبلي. لو أعطى مزيداً من التفاصيل، لكان ذلك مطمئناً.
وصف براون اجتماع مجموعة العشرين بأنه جزء من “المعركة ضد الركود العالمي” وقال إن “الأزمة العالمية تتطلب حلاً عالمياً”. ربما نشكك في جوانب من الحل، لكن الأزمة أمر لا يمكن إنكاره.
من المتوقّع أن يتراجع النمو العالمي هذه السنة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية. وتتوقّع منظمة التجارة العالمية
أن تتراجع التجارة بنسبة 9 في المئة – وهو احتمال مقلق.
وأصبح واضحاً أيضاً أن هذه الأزمة لن تحترق حتى تنطفئ بكل بساطة. يكمن جزء من عبقرية [عالم الاقتصاد البريطاني] جون ماينارد كينز في شرحه كيف يمكن أن تعلق الاقتصادات في أفخاخ من النمو المنخفض. كلما طال الركود، أصبح تدمير السعادة أكبر. ويزيد الانكماش المطوّل أيضاً خطر توسّع الأزمة واستفحالها لتتجاوز إلى حد كبير انتشارها الحالي. تمر الديموقراطيات الجديدة، سواء في أفريقيا أو أوروبا الوسطى والشرقية، في مرحلة من الخطر الحقيقي. حتى إن هذه المرحلة قد تؤدّي في بعض البلدان الأكثر فقراً إلى الحرب والمجاعة.
ويتمثّل أحد المخاطر على وجه الخصوص في أزمة مالية محتملة في الأسواق الناشئة، والتي من شأنها أن تتفشّى بسرعة في منطقة بكاملها. وكلما تأخرت المعافاة، يزداد احتمال وقوع مثل هذه الأزمة. طلبت المجر ورومانيا المساعدة من صندوق النقد الدولي. وقد تحذو بلدان أخرى حذوهما. من الضروري أن يمتلك الصندوق الموارد الضرورية للحؤول دون انتقال المشكلات من الإطار المحلي إلى الإطار الدولي.
فمن شأن أزمة مالية في أوروبا الشرقية أن تسبّب ما يكفي من الشقاء. لكنها ستؤدّي أيضاً إلى انتقال الخسائر عبر المصارف في مختلف أنحاء أوروبا. لا يحتاج العالم إلى أزمة أخرى في قطاع الرهون العقارية العالية المخاطر.
تعهُّد مجموعة العشرين زيادة موارد صندوق النقد الدولي 500 مليار دولار أمر يدعو إلى الابتهاج الشديد. سبق أن جرى تخصيص جزء من المال. لكنه إنجاز مهم وإشارة مرحّب بها بأن الحكومات الوطنية تدرك الدور الذي يمكن أن تؤدّيه هذه المؤسسات الدولية.
من شأن الإصدار الجديد المقترح لحقوق سحب خاصة بقيمة 250 مليار دولار من جانب صندوق النقد الدولي، أن يزيد احتياطي الأصول في العالم، فيطلق يد الاقتصادات الناشئة والنامية. إنها فكرة ممتازة أيضاً وسوف تزيد السيولة العالمية.
والخطة التي تقضي بتخصيص 250 مليار دولار لتمويل التجارة في السنتين المقبلتين مرحّب بها أيضاً. الاقتراح أكبر من المتوقّع، لكنه يجمع في شكل أساسي بين برامج قائمة. وسوف تُنفَّذ الخطة من طريق وكالات ضمان ائتمان الصادرات ووكالات الاستثمار والمصارف التنموية.
لا ينطوي البيان على نقاط كثيرة في السياسة المالية يمكن التوقّف عندها. لا تستطيع خطة تحفيز يقترحها بلد أن تنقذ العالم من المستنقع؛ ليست الولايات المتحدة في موقع يخوّلها إنعاش الطلب العالمي بمفردها – من جديد. ففي حين أنه ينبغي على البلدان التي تعاني من عجز، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أن توسّع الطلب، يتعيّن على البلدان التي تملك فائضاً أن تقوم بما عليها وتوسّع أكثر الاستهلاك الداخلي. يجب أن يزيد العالم الطلب من دون أن يزيد الاختلالات في التوازن.
لا يقدّم البيان التزاماً ذا صدقية لهذه الغاية. وربما كان من غير الواقعي توقّع أكثر من ذلك. تولّد الحجج عن التحفيز حماوة أكثر منها ضوءاً؛ فحتى ألمانيا التزمت ولو بتقتير في الظاهر، ببرنامج تحفيز كبير. وطُلِب من صندوق النقد الدولي أن “يقوِّم بانتظام… التحركات العالمية المطلوبة” من أجل “التعجيل في استعادة النمو”. إذا كان صندوق النقد الدولي متيناً، فقد يتبيّن أنها آلية مفيدة لترسيخ المساءلة.
الجزء الأضعف في الحزمة هو العنصر المالي. لا تزال المصارف تعاني من جروح خطيرة. أشعلت الأزمة المالية شرارة هذا الركود. وقد تجعل أيضاً النيران تدوم لوقت أطول؛ سوف تدوم الأزمة وقتاً أطول بكثير إذا رفضت بلدان أساسية تنظيف مصارفها. نظراً إلى النطاق الواسع للبلدان في مجموعة العشرين، لم يكن إنقاذ المصارف بحسب سياسة “المقاس الواحد المناسب للكل” ملائماً قط. غير أن غياب التفاصيل عن مقاربة مشتركة لتنظيف المصارف من أصولها السامة مثير جداً للقلق. جل ما تفعله الالتزامات المبهمة هو إثارة المخاوف من أن الكلمات لا تحمل وراءها سوى القليل من الجوهر.
العالم بحال أفضل بعد عقد هذه القمة. فقد تراجع احتمال انتقال العدوى الخطرة، وتحقق تقدّم مفيد في مجموعة من المسائل، من تعزيز الشفافية إلى الإصدار الجديد لحقوق السحب الخاصة.
لكن يجب أن يتذكّر القادة أن الأزمة التي بدأت في النظام المصرفي لن تجد لها حلاً قبل إصلاح النظام المصرفي في ذاته. فإليه يجب أن يحوّلوا أنظارهم الآن.

افتتاحية “الفايننشال تايمز”
ترجمة ن.ن.
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى