صفحات الحوار

فواز حداد: المثقف أيضاً جلاّد

null
في روايته الجديدة «المترجم الخائن» الصادرة عن دار الريس يتابع الروائي السوري فواز حداد استكمال ملامح مشروعه الأدبي المعني بتقديم شهادة صادقة على عصر ينضح بأسباب التسلط والفساد وهدر الكرامة الإنسانية، وقد حطّ الأديب رحاله هذه المرة بين أواسط المثقفين، وأبدع فسيفساء غنية الألوان، جمعت في خطوطها الحادة النماذج الانتهازية والمتخاذلة والمستزلمة والمأجورة، إلى جانب السلطة الثقافية التي لا تقل سوءا عن أية سلطة قمعية أخرى، فهي من وجهة نظره وإن كانت لا تملك السجون وأدوات التعذيب،  قادرة من خلال صلاحياتها التي لا تحدّها أخلاق المهنة ومعاييرها،  على ممارسة أشكال فظيعة من الأذى النفسي والمادي، من مثال: الحجب والمنع والتشهير والتجويع، ما يدفع بالمبدع أحيانا إلى حد الجنون أو الانتحار.
شخصية حامد سليم هي النموذج الذي تشعّبت من خلاله تشكيلات الأذى وحوامله، فهو المترجم المبدع والخائن للنص الأصلي في  الآن ذاته، الذي وُضع اسمه على قائمة الممنوعين من النشر، بعد أن كتب مقالا للرد على أحد رموز السلطة الثقافية الذين شهّروا بأمانة ترجماته، الأمر الذي اضطره من أجل الحفاظ على مهنته وتأمين لقمة عيشه، أن يدخل عنوة في شبكة من العلاقات المشبوهة، وأن يختبئ تحت أسماء وهمية، ويقدّم تنازلات كبيرة، أوصلته إلى حدود الانفصام النفسي إلى عدد من الشخصيات المتصارعة في أعماقه.
وكانت دمشق هي الحاضنة المكانية لتفاصيل هذا السقوط المطّرد الذي امتد على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، والذي لم يطل المثقفين السوريين وحدهم، بل شمل أيضا أقرانهم العراقيين والفلسطينيين القاطنين في العاصمة السورية، وقد تم إدراج هذه الرواية المثيرة للجدل ضمن لائحة الروايات الست المرشّحة للفوز بجائزة بوكر للرواية العربية في العام 2009.
«الكفاح العربي» التقت الروائي فواز حداد وكان  الحوار الآتي:
} يلاحظ المتتبع لنتاجك الروائي أنك تكتب وفق مشروع أدبي متكامل، إحدى مسوغاته الأساسية تعرية أسباب الفساد وامتهان الحقوق والكرامة الإنسانية، فهل هو أمر مدروس، أم أنها مجرد مصادفات؟
– في البداية يعتقد الكاتب أنها مجرد مصادفات، بعد حين يشعر أنه لا مصادفات، بل يكتب وفق مخطط لا يخلو من بعض الغموض لكنه لا يفتقر إلى الوضوح، وربما كان هو نفسه جزءاً من هذا المخطط. يعايش الروائي كتابه زمناً قد يبلغ أحياناً سنوات عدة، هذا الانغماس لا يخضع للمزاج ولا تطيقه نزوة، ثمة ما يتحكم به، بلوغ هدف أو تحقيق غاية، وبالتالي كل كلمة محسوبة عليه في عالم بات يصنع على غرار ما يجري في الخارج، لكن وفقاً لما يتراكب في داخله.
تعرية الفساد وامتهان الحقوق والكرامة الإنسانية، من الموضوعات التي تطرقتُ إليها في رواياتي الأخيرة، إذ لا يمكن تجاهلها في الوقت الحاضر، وهي من الموضوعات الكبرى التي لا تموت في الرواية، لكل عصر أساليبه وتنويعاته في الفساد مهما تخفت وراء المظاهر، قديمة أو جديدة، حضارية أو فجة. الفساد هو العنصر الوحيد المتوارث الذي لا ينقصه الابتكار، ولا تمس جوهره عوامل التقدم، لأنه يتقدم ويتطور معها.
} تلعب ثنائية الضحية والجلاد دوراً مؤسساً في إطار مشروعك الروائي، ويتقمص البطل عادة شخص الضحية التي غالبا ما تعكس صوت المثقف أو المبدع، على خلاف روايتك الجديدة «المترجم الخائن» التي جعلت من المثقف والمبدع أداة من أدوات القهر الفكري، ورمزاً من رموز العسف والانحطاط الخلقي، فما هو سر هذه النقلة المضادة؟
– اعتقد أنني أحاول التركيز على مسألة البطل في عصرنا، إنه رجل عادي يخرج من جموع البشر، مسحوقاً نوعاً ما، هذا العصر لا يسمح له إلا أن يكون إنساناً مغلوباً على أمره. هل بوسعه أن يثبت العكس؟ أقصد لا أن يقاوم فحسب، وهذا ما أعمل عليه وأعتقد به، بل أن يجترح شيئاً ما، أي أن يبتكر أسلوباً أو طريقة ما للتأكيد على وجوده وما يريده. هل ينجح في الدفاع عن نفسه، والإبقاء على هدفه؟ بالمناسبة هذا الإنسان لا يمتلك قدرات خارقة، كما أنه ليس مثالياً، لديه عيوبه ونقائصه، لكنه لا يرغب في ترك مقاديره للسلطة ولا للمجتمع.
في روايتي «المترجم الخائن» ثمة التفاتة إلى دوائر المثقفين، المروع فيها، أنهم لا يشذون عن بعض المجتمعات الأخرى، التي لا تهتم كثيراً بأولويات القيم والمتطلبات الثقافية،   فيمارسون الأساليب نفسها، والأكثر سخرية أنهم يمارسون نقائصهم تحت غطاء أخلاقي، فيستغلون المثل والمبادئ في الكذب والاختلاق والادعاء. لهذا نرى الانحطاط لدى المثقف مضاعفاً، لأنه يستعين بمفردات مثالية لقمع الآخرين، وربما القضاء عليهم.
إذاً لا سر في هذه النقلة، مجرد أنني أتابع عملي في الكتابة، لكن هذه المرة ما جعل الأمر مؤلماً وشاقاً، أن النار تشتعل في بيتنا.
} رسمتَ فسيفساء حادة الألوان عن الوسط الثقافي، كان الجميع في إطارها مداناً، أقله من الناحية الأخلاقية، إن لم يكن على مستوى السلوك، ولكن ألا تعتقد أن في تلك الإدانة الجماعية قليلا من التجني؟
– لقد تعرضت إلى الجانب السيئ من الجسم الثقافي، ولسوء الحظ، كان جانباً لا يستهان بحجمه وإمكاناته، ولا عجب، المتسلقون عادة يتصدرون الواجهة. هذا ما نلاحظه بوضوح في بلداننا العربية، عندما تعتمد الحياة الثقافية على الشللية، والنفوذ السلطوي للمؤسسات الثقافية، لذلك من الطبيعي أن يكون التدني الثقافي مصحوباً بقبضة حديدية. الأمر الذي لا يعمل له المتنفذون حساباً، هو ما يوقعونه من أذى على زملاء لهم، لم تتوافر لهم صلات وعلاقات تحميهم منهم على الأقل. إيذاء يوصلهم إلى اليأس من مهنة لا تدر مالاً، مع أن كل ما يطمحون إليه بعض التقدير المعنوي.
المسألة تتعدى الغبن إلى الإلغاء، وكأن الآخرين لا يستحقون شيئاً سوى العزل، هذه الأنانية المفرطة تمارس بكل تعنت. البشر عموماً قساة، وإذا صادف أن بعضهم مثقفون، فما الذي يمنع من أن يكونوا أكثر قسوة من أشباههم؟! وإذا كانت الرواية تحمل شبهة الإدانة الجماعية ودون أن تقصده، فلأن هناك الكثير ممن هضمت حقوقهم.
} كيف نشأت وتبلورت شخصية حامد سليم، ذلك المترجم المبدع والخائن والمصاب بالانفصام النفسي؟
–  عندما يقول الكاتب ما لا يريد قوله، ويفعل ما لا يريد فعله، ويفكر بما لا يرغب في التفكير به، ويضطر إلى الاهتمام بما هو خارج اهتماماته. ترى ما الذي يحدث له؟! ألن ينقلب هذا الإنسان إلى شخص آخر، ألا يحس أن شخصيته تنتزع منه؟! ترى ما الذي يبقى من شخصيته الحقيقية؟ هذه سلسلة، حلقة تقود إلى حلقة، ودائماً إلى المزيد من التدهور، والانقسام والتفتت. وإذا أراد الانسجام مع من حوله، والبقاء على قيد الحركة، فلن يبقى منه سوى موزع أدوار، ومنسق يعمل على ترتيب ظهور شخصياته واختفائها، والإشراف على نشاطاتها، لئلا يحصل تداخل فيما بينها. هل هذه فانتازيا؟ نعم، لكنها تكثيف للواقع.
} إذا كانت دمشق هي الحاضنة المكانية لتفاصيل الرّدة الثقافية، فإن ملامح الرّدة لم تطاول المثقفين السوريين فقط، بل شملت أقرانهم من العراقيين والفلسطينيين عبر نماذج تعيش في دمشق، فهل قصدت تعميم مسارات الانهيار، أم هو الالتزام بالصورة الواقعية للمشهد؟
–  دمشق أنموذج من الممكن تعميمه على المنطقة العربية، مع الفوارق طبعاً من ناحية خصائص المشاكل الثقافية المحلية لكل بلد على حدة، لكننا عموماً نرزح تحت الانهيار ذاته، ما يشكل بانوراما عامة.
بالنسبة الى سوريا، انعكس الصراع الفلسطيني والمأساة العراقية على المشهد الثقافي وكانا فاعلين ومشاركين فيه، طوال عقود ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، وكانت له آثاره على الجميع؛ هذه تعتبر الخلفية المباشرة. أما الخلفية الأبعد والأهم أيضاً، فهي سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الاشتراكية وانهيار جدار برلين، ومعهم تداعي منظومة فكرية، كانت الحامل للثقافة طوال عقود. هذا الانهيار دفع بعض المثقفين نحو القفز إلى الجهة المعاكسة تماماً. فلنتصور عندئذ التبريرات الفكرية التي ابتدعت لتفسير هذا التحول الدراماتيكي!!
} تقنية العودة إلى الماضي التي اتبعتها، جعلت الحاضنة الزمنية في «المترجم الخائن» تمتد على قرابة الثلاثة عقود الأخيرة، فلماذا جعلت سقوط المثقفين يرتبط بأزمنة الحروب: الاجتياح الإسرائيلي لبيروت والغزو الاميركي للعراق؟
–  العودة إلى الماضي كانت ضرورية، لنرصد تأثيرها على الوسط الثقافي خلال زمن شهد متغيرات كثيرة في فترة قصيرة نسبياً، ولنرى كيف جاراها بعض المثقفين، واستفادوا منها. الاجتياح الإسرائيلي لبيروت والغزو الأميركي للعراق شكلا لحظات مفصلية في هذا  التاريخ، ليس على أرض الواقع فقط، بل وفي الثقافة بمختلف تشعباتها. فالأدب الذي أخذ قضية المقاومة على عاتقه وانتصر لها، تخلى عنها عندما انهزمت حسب اعتقادهم، مع أنهم بنوا شهرتهم وأمجادهم عليها. كذلك الموقف من السياسات الاميركية، كانت الدعوة إلى تفهمها، وليس التمرغ في أحضانها. نحن نعيش في حالة حرب مستمرة، والمؤلم أن هناك من يستفيد من هذه الحالة سلباً وإيجاباً.
} لقد اخترت دوما أن تحرر نصك من غموض اللغة والتباساتها، حتى أنك تقول على لسان «المترجم الخائن»: «إياك والانصياع لوهم يقيس عمق الفكر بغموض التعبير»، كما اخترت لرواياتك الثلاث الأخيرة أن تُسرد بواسطة الراوي الخارجي، وأن تكون ذات أحجام كبيرة، وهذا نهج يخالف ما يُعرف بالكتابة الجديدة التي يراها البعض ماثلة في الاختزال والغموض والسارد الداخلي، فهل تضع نفسك في خانة الكتّاب الكلاسيكيين، أم ماذا؟
–  المؤسف أن بعض الكتاب يظنون بمجرد كتابة بعض الروايات أنهم ابتدعوا جديداً. إن الاختزال والغموض والسارد الداخلي، ليست من اختراع ما يدعى بالرواية الجديدة، هذه التقنيات موجودة منذ عقود طويلة، وأصبحت من الأدوات الشائعة في الكتابة الروائية. كذلك من السخرية أن يوجد من يتكلم عن الأحجام، وكأن الرواية تقاس جودتها وتحصل على براءة الاختراع كلما قل عدد صفحاتها، وهذا لا علاقة له بالكثافة والإيجاز. هناك روايات صغيرة الحجم تُعد من عيون الأدب العالمي، وهناك أيضاً الروايات الكبرى (الحرب والسلام، البحث عن الزمن المفقود، عوليس….) شقت للرواية تياراتها الرئيسة.
كما أنني لست ضد الغموض بالمطلق، وإنما في الاتكاء عليه دون مسوغ، لإضفاء الأهمية على ما نكتبه. أتحرى الدقة في التعبير، وهذا أكثر ما يؤرقني، وأؤكد  المعنى، ليس المعنى فقط بل والتباساته أيضاً.
كثيراً ما تُختلق تمايزات غير حقيقية،  جراء الافتقار إلى المعرفة. بالنسبة إليَّ، ليست لدي أوهام حول الرواية، لدي أسئلة كثيرة، وأعرف أن الرواية الجيدة، هي استعمال التقنيات الروائية بدراية وعدم إهدارها كيفما اتفق، هذا من الناحية الحرفية. أما من ناحية المضمون فلابد من قول شيء، وإذا لم يكن، فلا مبرر للرواية أصلاً.
عادة أضع نفسي، في خانة الكتاب الكلاسيكيين، دون التقيد بالقواعد الكلاسيكية نفسها، وأجتهد في خرقها، عندما تستلزم الرواية ذلك.
} ما الذي عناه لك ترشيح «المترجم الخائن» لجائزة بوكر للرواية العربية؟
–  روايتي هذه أسوة بغيرها من روايات القائمة القصيرة، لفتت أنظار اللجنة المُحكمة، وهو أمر أسعدني، وجعلني أحس بأنني نجحت في مخاطبة الآخرين على النحو الذي أرغب فيه، وأن هناك من أصغى إلي.
جائزة بوكر
أُطلقت جائزة بوكر للرواية العربية رسميا في إمارة أبو ظبي نيسان (ابريل) في العام 2007 بالشراكة مع «جائزة بوكر» البريطانية وبدعم من «مؤسسة الإمارات»، وقد تلقّت إدارة الجائزة للعام 2009 مئة وإحدى وثلاثين رواية، تأهل منها مئة وإحدى وعشرين رواية من خمس عشرة دولة عربية، كان من بينهم سبع عشرة مشاركة لروائيات عربيات، أما قائمة الترشيحات الست النهائية فقد ظهرت في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 2008، وشملت أعمال الروائيين: محمد البساطي، فواز حداد، يوسف زيدان، الحبيب السالمي، انعام كجه جي وابراهيم نصرالله، بينما فازت رواية يوسف زيدان بجائزة بوكر لهذا العام.
«المترجم الخائن»: رواية في 488 صفحة قطع متوسط
المؤلف: فواز حداد
الناشر: دار الريس، بيروت2008 .
بطاقة
وُلد الروائي السوري فواز حداد في دمشق، نال إجازة في الحقوق من الجامعة السورية، وتنقل بين الأعمال التجارية والصيدلة، أصدر روايته الأولى «موزاييك» عن دار الأهالي في العام 1991، بعدها أصدر رواية «تياترو» في العام 1994 والمجموعة القصصية «الرسالة الأخيرة» في العام نفسه، ثم رواية  «صورة الروائي» في العام 1988 وبعد سنتين ظهرت روايته «الولد الجاهل»، ومن ثمة تفرّغ تماما للكتابة، فأصدر «الضغينة والهوى»، وفي العام 2004 «مرسال الغرام»، ثم «مشهد عابر» وفي العام الفائت «المترجم الخائن» وقد صدرت رواياته الثلاث الأخيرة عن دار الريس.
تهامة الجندي
المصدر: الكفاح العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى