صفحات أخرى

ثـوب أسـمهان ومسـدس الجنـرال

علي جازو
هل من أحد يدمع لأجل أسمهان الآن؟ أو يغرق في دموعه مثلما غرقت هي في حياتها؟ الماء يناسب النساء، حسب غاستون باشلار، إنه موضوع غمر جميل. أسمهان تسيل خارج نفسها. الجنرال يجف. إنها تبتسم وتصافح. عيناها تبثان نورَ نظرتها السائلة الممدودة ( كساعدها المكشوف) باستقامة نحو الجنرال الذي لا نرى منه سوى مظهر خلفي مجانب. الجنرال الكهل، وأسمهان الشابة السيدة، تبتسم في وجه سيد دمشق، دخلها عام1920، بعد معركة ميسلون الشهيرة. هي الأميرة برفقة من آل الأطرش (شقيقاها فؤاد ويوسف)، الأميرة التي رأى فيها البعض امرأة شرق أوسطية غير محافظة، والآل الذين سيقودهم سلطان باشا الأطرش (1925) على ثورة ضد المستعمر المرحب بالأميرة التي ستفقر وتتيه من حال إلى حال. إنه الترحاب والاحتفاء اللذان سيتحولان إلى حرب وشبهات خيانة مختلطة. حقيبتها بيضاء متدلية من مرفق ساعدها الأيسر قريبة ومحيطة بالمعصم، فيما ظهر الجنرال مسنوداً ومربوطاً بحزام جلدي أسود ينتهي بمحفظة مسدسه (لا نرى المسدس، لكنه كامن في اللباس والحزام العسكريين). إنه المسدس، رمز سطوة العسكر، قوة الرجل ممثلاً للسلطة التي حلت محل الرجل المريض، بعيد نقاهة عربية مؤقتة وخجولة. في المقابل نجد الحقيبة الصغيرة البيضاء للأميرة آمال الأطرش متدلية ومنزوية. المسدس عنف مكتوم، قادر على التحول إلى دم وقتل. الحقيبة، نصف مرئية وشبه معتمة، مكان الزينة المخفية وعلامة من علامات التمدن الارستقراطي، الحقيبة سر لإخفاء مسدس أو رغبة لا تجد تحققها إلا في آلة حاسمة ومجنونة. الحقيبة هي الشكل المرئي من رغبة في الاحتفاظ بأشياء مخفية ومغرية. حقيبة بيضاء واضحة (لا يمكننا الجزم بأنها خالية من مسدس، لا سيما أن أسمهان حاولت الانتحار غير مرة) في وجه مسدس يرحب. الحقيبة تخفي، والمسدس يظهر ما هو كامن عليه: التهديد بالعنف، إرجاؤه، أو تبديله بالمكانة والنفوذ. ثمة الخادمة التي تنظر في وجه الجنرال كأنها تنظر في أثر ابتسامة أسمهان على وجهه، ثمة الخادم جنبها، وثمة الحاشية ـ الآل التي ترافق أسمهان، الرجل ذو اللباس المدني ببذة سوداء شبيه مترجم وسيط. (أهو الشقيق الأصغر فؤاد الشرير حسب المسلسل الذي سعى إلى تنزيه التاريخ الوطني الأسمهاني الدرزي وتفخيمه لطمأنة الحساسية العائلية والخشية السياسية؟ لكنه زيَّف الأمور على كل حال إن لم يكن أخفى التخبط تحت غطاء احترام الورثة والخصوصيات..)، وهل يتبع أسمهان أم الجنرال أم العمل العائلي ـ الوطني ـ اللغوي الذي جعله بين استقبال أسمهان وسلطة الجنرال في تلك اللحظة) والآخر ذو اللباس البدوي (أهو الشقيق يوسف)، والعينين الجاحظتين واللفة والعقال. يجسد غورو انتصار فرنسا وسطوتها الكولونيالة على الأرض السورية إزاء ابتسامة أميرة تخلت عن ميزاتها العائلية لصالح فرديتها المشوشة، والمجازفة. إنها لحظة لقاء القوة المسيطرة بالتخلي الكامل، تلاقي الطمع بالخسارة والرتبة باللاانتماء، والقوة بحب الحياة المدمِّر. أسمهان ضيفة مؤقتة وعابرة، لكن ابتسامتها باقية وبريق عينيها. الصورة تحتفظ من الجنرال بالخلفية العامة ومن وجه أسمهان بأرق ما في وجهها الابتسامة التي ترسم الوجه والعين التي تؤبد شعاع النظرة. (هل نتذكر هنا عبارة رامبو: شعاع عينيها البنفسجي، أم وصف بورخيس العيون بأنها آلات موسيقية ناعمة، أم قول الجنرال ديغول عن أسمهان إنها صاحبة أجمل عيون في الشرق؟).
يرحب غورو بالأميرة الدرزية لكننا لا نرى للترحاب وجهاً. يرحب كأنه يودع أو يخفي أو يتنفع، فيما أسمهان تتلقى الترحاب بيدها الواثقة الممدودة ووجهها المضاء بابتسامة كاملة. تبني أسمهان، في غفلة من كونها ممثلة ومطربة، فراغاً حول وجهها. إنه الفراغ اللاهي، والمناور البريء، يحصنها ويبيدها، الفراغ الذي يلتهم اسمها وتاريخها، فأسمهان لم تجد البيت في المكان الذي خرجت منه وعادت إليه ثم تخلت عنه نهائياً، ولا الامتلاء من الظرف التاريخي الذي يلعب بالأقدار والمصائر، بل تخلت عن الاسم للتخلص من كل بيت. خسارة أسهمان وزواجها فطلاقها فعلاقاتها وغناؤها ـ على قلته المشتتة وبعده واختلاف الحكم من جماله وفرادته ـ كلها تحولت إلى بيت بلا منفذ ولا مخرج سوى الغرق في النهر، حيث تغزر مياه الشك والجريمة، وبقاء الحادث طي الغموض والالتباس القدريين. غورو الجنرال لا يتكلم عربية الأميرة، أسمهان الأميرة لا تتكلم لغة الجنرال، ثمة المترجم بينهما. ثمة الوساطة من لغة بين غريب (جنرال جيش) والقديم (أميرة طائفة). اللغة، هنا، جسر وتلاقح وتداول وتناور وسلطة وترحاب وتوسط وتوسل وتعارف، لكن الوجه لا يصمد أمام اللغة التي تريد وتدّعي حمل كل شيء والحلول محل كل سر أو رغبة أو إلماح. الوجه ينفعل، يشير، واللغة تنكفئ لتترك الوجه وحيداً عارياً أمام الوجه. ثمة ثوب العائلة المحتفية، وثوب السلطة العسكرية، وثوب الأميرة الأنيق، لا هو بدوي، ولا هو سلطوي، ثوب (ممزَّق) ومتردد بين الأناقة والخفر، بين عرض الجمال وتأجيله، رغم افتراقه الواضح عن ثوب العائلة المرافقة والمتحكمة، فأسمهان الماضية والمتلكئة والمبعثرة والمترددة بين الجمال الأنثوي والطموح المتسرع الهش، ابنة مصرية وباسم آخر غير اسم الاميرة الرسمي (آمال الأطرش). إنه بين السلطة وبين الطائفة، بين القفص الإكراهي المتحكم والبيت الحابس المتروك. ثوب أسمهان المسرفة والمبذرة والمقامرة والمتمردة والشقية والمفجوعة بحياتها القلقة الصاخبة، كوجهها، ليس تابعاً لأحد سوى نظرتها وابتسامتها التي تظل تبتسم وتمضي كالنسيم المضيء، كتآكل الزمن الفردي المنتهك من كل صوب، كالنغمات المسموعة الرنانة والنبرات المستعادة خفية ولوعة وأسفاً الآن. لا يبدو على وجه أسمهان الرضوخ ولا التوسل ولا الاختيار الحر. إنها تقف أمام الجنرال، وهي لا تقف وحيدة. إنها في صحبة مجموعة، وهي ضمن المجموعة لا ضمن وجهتها هي لوحدها ولا تِبْعَ إرادتها المنفردة التي ستحملها فيما بعد للعزلة والتنقل المكثف والفقر المصري ثم الخيبة السورية الممزوجة باعتراف مرير. الطرف الفارغ من الصورة حيث يمكننا تأمل أسمهان لوحدها هو محلها الخافق حيث الانتظار القلق والنهاية الفاجعة.لم تختر أسمهان صحبة الجنرال، ولا اختارها الجنرال، لكنه شيء من مسار الصدفة المرغوبة. الصدف التي هي قوة الأسباب وحظوة المناصب وأسرار الغايات المتوارية ، ومع ذلك كلاهما ـ أسمهان والجنرال ـ ممسك بيد الآخر كمن يمسك أو يختبر الوعي والرغبة والخشية والمسافة في صورة مشهد موارب ومتجمد. أهي المصادفة فحسب، مصافحة فقط، نظرة في الوجه ليس إلا !؟ لقد تركت أسمهان ابتسامتها تملأ وجه غورو الذي لا نراه. سنذكرها، ما لم ندفنها، في وجهه المخفي، والصلب لخفائه، حيث أيضاً تمكث أسمهان وحيدة ومختفية ومأسورة مع ابتسامتها المستمرة بعد اختفائها! إن وجه الجنرال، محاطاً بوجوه العائلة، هو الذي سيهيمن على ابتسامة أسمهان. سيقرأ وجهها من خلال فعل الهيمنة المنستر في النظرة المسيطرة والمختبئة والمنحنية والمتحفظة، فأسمهان تركت للجنرال الظهور في ابتسامتها الشفافة حد الفراغ وحد استقبال أي وجه.
الدائرة
يبقى الجنرال في وقفته شبه المنحنية والثابتة هو نفسه، وعدا ذلك فقد استقر بثباته مخفياً في ثيابه السلطوية والمتحكمة في وجه أسمهان التي لم تثبت في شخص بذاته قدر ما انتثرت وبزغت وتفجرت في هشاشة وضوء ابتسامتها الهاربة من وجهها المحاصر باحتفاء الجنرال المتين. ظلت أسمهان حتى بعد موتها مرهونة ومحاصرة بإشكاليات السمعة والمال، بتخليها عن قومها والانشغال بالغناء والتأرجح بين الأضداد العقيمة المهلكة. إنها دائرة ملغزة ومغرية ومغلقة على وجه لم يبق فيه سوى أثر ابتسامة ليست لأحد الآن سوى رماد التذكر واخضرار السؤال، بعدما عانت أسمهان كثيراً مضاعفات هويتها المزدوجة، غريبة مطلوبة في مصر، محرومة من خيارات مفتوحة في سوريا : أين ولمن تمكث وتمتد وتتقد ابتسامة وجهٍ كان منه صوت امرأة لا يزال يفتن عندما تكون الفتنة قلقاً من المصير الذي يبني الوجه طبقات طبقات، على وهج ابتسامة وحيدة تظل تستقبل نظراتنا. ربما أن الصورة شهادة مضاعفة على سعي أسمهان المحموم للتخلص من متاعبها واكتئابها بالانخراط في صلات ليست على تماس جوهري مع عمق وهشاشة وسذاجة شخصيتها. لقد كانت أسمهان قوية وحيوية لكن في إسار ما هو درامي فقط، مكثف وصعب ومتحول ومتهور. كانت تنوس بين الألق والعتمة، بين فورات الطموح و الخيبات المتكررة. ابتسامة أسمهان قوةٌ دمّرَت ذاتها، قوةُ عذوبةٍ تغرق مثل وجه في آخر الربيع (على وصف مشابه أتاه القتيل بازوليني للقتيلة مارلين مونرو). لم يوهن جسد أسمهان ولا وجهها ولا صوتها، غير أن كل ذلك لم يمنحها الأمان. إنها تسحرنا بحياة قصيرة عاصفة (رحلت في 14/7/1944 عن 32 سنة) لم تأبه بالإخفاق ولا بالنجاح. ذلك أفضل من ذخر الحياة في الخوف منها. أكانت أسمهان تلهو مع الساسة ورجالات البلاط والضباط والمخابرات؟ لما لا نقول إنها أمدَّت قدرَها بقوة لهوها؟ حسب قراءة للراحل عبد الكبير الخطيبي فإن اليد هي الوعي وقد اتخذ صورة مشهد. تبدو أسمهان محاطة بما يحبسها ويعيقها ويشكل منعرجات حياتها العاصفة القصيرة: الجنرال (السلطة والتعامل معها خشية الفقر وتحت ضغظ دافع أهلي متشتت) والعائلة (الطائفة والوطن السوري الخانق)، وهي نفسها تتأرجح بينهما (أميرة ضالة وجاسوسة غير موثوق بها وابنة مغضوباً عليها، ومطربة محبوبة). ما لا يظهر من أسمهان هنا هو أسمهان (المغنية) التي تفجرت حولها كل تلك الشكوك، أسمهان المولودة على متن باخرة كادت أن تغرق عام 1912، وسميت (أملَ على دعاء أمِّها علياء، آمالَ أبيها فهد) مع تمني النجاة من العاصفة البحرية حينها. يَدُ غورو الجنرال تعي قوتها الكامنة، فهل وعَت أسمهان جمال ابتسامتها المتكسرة بين أصابعها، وفداحة كتم مصيرها كامرأة عانت بدل، ومع، كثيرات لا زلن تحت قيود اجتماعية واقتصادية قاتمة. نظرة أسمهان تبتسم مثل وجهها، مياهاً مشعة تستقبل مصيرَها الآتي. أهي نفسها الصورة الأخرى التي قال عنها الكبير إميل سيوران، صارخــاً من قلب باريس ذاتها: ( المياه كلُّها بلون الغرق).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى