صفحات أخرى

تمثلات الحجاب في شوارع لندن بين البحث عن الهوية وتأكيد الجمالية ورمزية الامل والتهديد

ابراهيم درويش
صورة المرأة المسلمة الملتزمة بالحجاب الاسلامي نمطية في الاعلام الغربي وذات بعد واحد، تعطي القارئ فكرة ان المرأة المسلمة مذعنة وضعيفة ومهانة وتلتزم بمعايير دينية يفرضها الدين عليها وعلى كيفية ارتدائها الزي. لكن اية نزهة في شوارع مدينة متعددة الثقافات، كوزموبوليتانية الطابع مثل لندن، العاصمة البريطانية، تعطي صورة مختلفة عن تلك الصورة التي يقدمها الاعلام ويحرص الكتاب والمعلقون على تكرراها بداع ومن دون داع في مقالات وتعليقات لا علاقة لها احيانا بوضع المرأة المسلمة في مجتمع غير مسلم ومتعدد الثقافات؟ فالمراقب يعثر على اكثر من لون للزي الاسلامي، جلباب، شروال قميز، شول وقطرة وساري.. وما الى ذلك فخيارات الفتاة المسلمة الجديدة او التي تنتمي إلى بنات الجيل الثاني والثالث من المهاجرين متعددة للتعبير عن هويتها الاسلامية. في لندن او احياء منها يرى المراقب الكثير من الوان الزي الاسلامي والحجاب الذي تلبسه الفتاة المسلمة المتماهي احيانا مع انواع الزي الثقافية او الاثنية، او المتناقض معها والمناسب لزي المرأة الغربية ولكن باحتشام. هنا حجاب يعبر عن اختيارات وتجريب تقوم فيه بنات الجيل الجديد من المسلمات الاوروبيات ويجمع بين المحلية الثقافية والعالمية والهوية الاثنية. والحجاب نفسه لا يعدو ان يكون قطعة من القماش تكيفه الفتاة المسلمة بطرق متعددة، من ناحية لفه على الرأس واختيار اللون والدبابيس ولونه وشناشيله وما يلبس معه، جينز ، عباية او قفطان. يرى الباحث خاصة الانثروبولوجي ان الزي الاسلامي يعبر في داخله عن تنوعات ويؤشر إلى جغرافيا ويتراوح من تغطية النقاب للحجاب الى اللفة والعمامة المكيفة بشكل يغطي الشعر ويترك اجزاء من الرأس مكشوفة. ويكتشف المحلل مع الاشكال المتعددة رموزا وعلامات يحملها الحجاب في اي شكل منه ويعبر عن تاريخ وتحول في الوجود الاسلامي في الغرب، فالحجاب وان كان يعبر عن هوية دينية الا انه قد يحمل هوية سياسية وتأكيدا على ملامح الهوية الدينية في مجتمع متعدد الثقافات. وخلف كل شكل من اشكال الحجاب قصص وسير وتجارب وتجريب تحملها الفتيات المسلمات الغربيات. فالحجاب والجلباب وان ارتبط بالصحوة الاسلامية في السبعينيات من القرن الماضي الا انه تطور ومر بمراحل متعددة قبل ان يصل الى ما وصل اليه الان .
الصحوة الاسلامية والزي
ويرى الناشطون الاسلاميون ان شكل الجلباب المعروف للناشطات الاسلاميات في المرحلة الاولى من الصحوة مدين لجهود بنان الطنطاوي ( اغتيلت في عام 1981)، زوجة عصام العطار زعيم الاخوان السوريين المقيم منذ عقود في مدينة آخن الالمانية، فقد قدمت اثناء زيارة لها إلى عمان العاصمة الاردنية مجموعة من التصاميم التي ادت إلى انتشار شكل من الجلباب قبل ان يتم تطويره وتكييفه محليا وثقافيا بحسب التوجه والظرف.
قطعة قماش برمزيات متعددة
كثيرة هي الكتب التي صدرت بالعربية عن تحولات نساء من السفور إلى الحجاب والتي تشير الى جنس ادبي لدى بنات الصحوة الاسلامية ولكنها في داخلها تؤشر الى الكيفية التي تحولت فيها ردة فعل على ظاهرة السفور في المجتمعات العربية والاسلامية في مرحلة ما بعد الاستعمار تطورت لتصبح رمزا عن الوجود الاسلامي في الغرب ولكنه رمز مفتوح على التفسيرات والتحليلات، فمن يرون في قطعة القماش هذه صورة عن اضطهاد المرأة المسلمة في المجتمعات الغربية يتجاوزون الحقيقة ويتجاهلون الغنى الذي وصلت اليه اشكال التجريب في الزي الاسلامي في الغرب. فالشوارع والمدارس والحرمات الجامعات مليئة بالاشكال والالوان التي تؤكد ان المرأة المسلمة تحاول بارتدائها الحجاب تمرير فكرة انها ليست كائنا مغيبا وانها تحاول في عمليات التجريب والتشكيل في الوان وطرق ارتداء الحجاب تجاوز الزي التقليدي او الوطني المرتبط بهوية اثنية، هندية وعربية وبنغالية او باكستانية.
تكييف دائم وبحث عن جماليات
فالبحث عن طرق جديدة تؤشر الى تكييف دائم للحجاب يأتي استجابة لحاجات شعورية واجتماعية ونفسية. قطعة القماش الصغيرة ايا كان شكلها وطريقة لفها لها اثر نفسي على من يلبسها وفي مجال علم العلامات تعطي مفهوما متناقضا على الاقل ظاهريا من جانب اللابس والرائي. فالحجاب بالنسبة للكثير هو خطوة نحو حياة جديدة لها اسسها ومفاهيمها. وقرار الحجاب مرتبط بدواع دينية ذات ابعاد اجتماعية، إيمان واعتقاد بالطهورية التي يمنحها الحجاب للبنت،حماية لها من اعين ‘الذئاب’، وتأكيد لكرامة البنت، وصورة عن الاختلاف فيما يتصل بالعلاقة مع الاخرين او الاخر، وموقف سياسي يعبر عن ايمان ايديولوجي بعالمية الفكرة الاسلامية التي تدعو اليها حركة ما او جماعة. وفي مجال قرار لبس الحجاب تأكيد من البنت على حالة من الاختلاف بين جيل الاباء والابناء، بين التقاليد والحداثة، فطريقة لبس الحجاب والحزمة التي تأتي معه تشير الى محاولة الفتاة الخروج من ارق التقاليد التي تفرضها العائلة عليها من ناحية الالتزام بتراث وقيم المجتمع الام. ومن هنا يلحظ ان الكثير من الفتيات اللاتي يرفضن زي الأم التقليدي يرفضنه بدواع دينية على انه ليس’اسلامياً’ بالدرجة التي يقبلها الاسلام فمثلا ‘ شروال قميز’زي الباكستانيات وان كان محتشما الا انه يظهر تقاطيع وخطوط الجسد، مما يعني انه يبتعد عن شروط الزي الاسلامي.
جدل دائم في معركة الاسماء والرموز
يظل الحديث عن الحجاب في الغرب متصلا بوضعية الجاليات المسلمة هناك وعلاقتها بالمجتمعات الغالبة، ففي منظور متعدد الثقافات يسمح بالاختلاف فالتجريب والالتزام بالحجاب مسموح به. ولكنه اي الحجاب في السنوات القليلة الماضية بات ميدان نقاش وشد وجذب بين من يرون فيه ‘ خيمة’ تقتل شخصية المرأة وحريتها وتؤكد فكرة الغرب الحر عن الاسلام المضطهد المميز للمرأة، وبين من يرون في الحجاب حماية للمرأة وتأكيدا لهويتها المختلفة عن البقية وتحريرا لها من نظرات الاخرين الذين يريدون نهش جسد الفتيات السافرات. وفي معركة الرموز والاسماء ينسى الرافضون للحجاب الاشكال والالوان والازياء ‘ التجارة العالمية’ التي نشأت بفعل الحجاب. وينسون انهم بنظرتهم الضيقة للحجاب يتجاوزون جماليات خاصة به، ومن يفهمون علاقات اللون والشكل والتصميم وتآلف الشكل مع الفضاء يعثرون على تميز خاص بالحجاب يجعله علامة مميزة، فبعيداعن كونه اداة لقهر المرأة وتغييبها يصبح الحجاب محلا للنظر والانتباه، وحتى الحجاب في اعلى حالاته من ‘ التشدد’ اي النقاب، والجلباب الواسع وما يتبعه من تغطية للايدي، يثير الانتباه في القطار والحافلة والسوق. وما يغفله المعلقون والرافضون للرموز هو القصص التي تقف وراء الحجاب والقرارات ‘ الصعبة’ التي اتخذتها كل فتاة لارتدائه مع معرفتها انها ستتعرض لنوع من انواع التمييز والسباب والشتائم. وما نريد قوله هنا ان الحجاب يمثل للكثيرات ‘ موقفا فكريا – عقليا’ ودافعا ‘ عاطفيا’ وهو بتعبير باحث انثروبولوجي مثال عن طريقة ‘ ادارة الانطباع’ فهو، اي الحجاب، يظل مثارا للانتباه، وتبدأ العملية اولا بالملاحظة، ثم غض البصر وبعد ذلك التحديق المتسائل.
كتب كثيرة وخلاف دائم
كثيرة هي الكتب التي تناولت الحجاب من زوايا دينية مختلفة شكلا ً (حجاب، نقاب، زي وطني محتشم ايا كان)، ووجوبه على المرأة، ومتعلقات الوجوب. وكثير هو النقاش الذي دار حول اسباب الالتزام به والذي قام على تحليل للدوافع الدينية، الاجتماعية والسياسية، فهناك من يرى في الحجاب رمزا سياسيا لكونه مرتبطا بالحركات الاسلامية السياسية، وفيما يتعلق بالمجتمعات الاسلامية في الغرب تأكيد هوية الاختلاف في مجتمع متعدد الثقافات. وفي العقد الاخير من القرن الماضي والعقد الاول من الحالي برز الحجاب كرمز مثير للجدل والاختلاف في المجتمعات الغربية، اذ دخل في اطار التشريعات الغربية التي منعت ارتداءه في مدارس ومؤسسات الدولة فيما منع النقاب من الاماكن العامة، ودارت حوله معارك كثيرة خاضتها فتيات باسم الدفاع عن الهوية وباسم التمسك بحقوق الانسان، ودخل على الخط في النقاش علماء وساسة من العالم العربي وفي الغرب، وبكلمات قليلة دخل الحجاب وعي المشاهد الغربي الذي اصبح اكثر وعيا بوجود ‘ جسدي’ للمسلمين على اراضيه.
اعادة النظر في منافع التعددية
وضمن هذا السياق قد يتحول الحجاب ومظهره في الفضاء العام الى مدعاة للغضب والاستفزاز من دعاة العلمانية المتشددين، وعليه اعاد النقاش حول الحجاب الجدل حول منافع ‘ التعددية الثقافية’ ( التنوع) وان كانت وسيلة للاحتفاء بالاختلاف والتنوع ام وسيلة للتقوقع وانتشار عقلية الغيتو. واثمر الجدل المتأثر بسياسات يمينية واحداث العالم عن دعوات لاعادة النظر بهذا المفهوم باعتباره تهديدا لانسجام المجتمع وسلامته وهنا لا يمكن فصل النقاش حول الحجاب عن تفاعل المسلمين في الغرب مع التحولات العالمية، سياسية وانتشار الجهادية الاسلامية وما سمي بالحرب على الارهاب، ومأساة الفلسطينيين، وانتشار الانترنت وانكماش العالم الى قرية صغيرة وتواصل المجتمعات فيما بينها عبر الرحلة وانتقال البضائع ومعها التصاميم.
حرص على المظهر
هل الزي الاسلامي يلغي، جماليا اهتمام الفتاة المسلمة بمظهرها؟ فان كان الزي من ناحية بساطته احتجاج ‘ديني’ على زيف المجتمعات الغربية واستغلال جسد المرأة وتعلق الاخيرة بالمظاهر وانفاقها المال الكثير على الملبس والزينة فهل يمكن القول ان الفتاة المسلمة بلبس الحجاب تلغي كل هذه الاهتمامات؟ الحقيقة تقول ان الفتاة المسلمة المحجبة وبقراءة ما يجري من نقاشات على الانترنت تهتم كثيرا بمظهرها وما يمكن ان يتناسب مع الحجاب هذا ‘ لفة ـ عمة ـ حجاب كامل ـ حجاب الكعكعة ـ نقاب’ هل يمشي مع هذا قفطان مغربي، عباية خليجية، شروال قميز- جينز؟ وماذا يمكن ان تلبسه من اساور واكسسوارات واي نوع من المكياج المناسب الذي لا يثير النظر؟ ويعثر المشاهد على اشكال مثيرة للدهشة من ناحية تساوق الدين مع متطلبات الشياكة الجديدة، جينز، حذاء رياضي، وجاكيت من الجلد، سلاسل،هاتف نقال، وام بي -3 كلها تأتي مع حجاب وحديث فتاة بلغة ‘ فتيات الشوارع’ بالمعنى الغربي وليس كما نفهمه في المدلول العربي. وامام هذا نلاحظ ان دور صناعة الزي العالمية من ماليزيا الى مصر وتركيا تستجيب للمطالب هذه وتكيفها. بل وحتى الاسواق المحلية الغربية تقدم على الرغم من تلبيتها حاجات الغالبية عددا من الخيارات للفتاة المحجبة، كي تجرب وتملأ خزانتها بالملابس والالوان والتصاميم ومعها تخترع الافكار التي تختزنها في ذاكرتها او ذاكرة الكمبيوتر. ولا يشك احد في ان سوق الزي الاسلامي سوق رائجة ولانها موجهة لمجتمعات استهلاكية فقد صارت تستجيب للتحولات فيها وتغيرات المذاق بل تخترع مذاقات جديدة تناسب مذاق المحجبات. هناك اسئلة تطرح في مجال البحث الانثروبولوجي حول استقلالية الظاهرة ام ارتباطها بظاهرة الاستهلاك العالمي. أما في حالة المرأة المسلمة فهي تأخذ من العالمين، فالمسلمة البريطانية تأخذ الافكار من هنا وهناك ثم تبحث عما يلائم في محلات الملابس في لندن او غيرها.
لغة وشيفرات
تظل قراءة الحجاب والجدل الغربي حوله في اطار بعد ثقافي انثروبولوجي كاشفة عن رمزيته وبعده في مجال العلامات، اذ يذكرنا هذا برولان بارت الذي حاول قراءة الابعاد الثقافية في رموز العالم المعاصر والاستهلاكية. وعليه فكتاب ايما تارلو الباحثة في كلية غولدسميث في لندن الصادر حديثا تحت عنوان ‘ مسلمة بوضوح: الزي والسياسة والدين’ يقدم محاولة مهمة من ناحية قراءة ابعاد الحجاب الجمالية، الثقافية، تحليل شيفرات الحجاب ولغته، وعلاقة اللابسة له بالمشاهد له، وتداخل السوق وقواه بسياسات العالم محاولة مهمة وجديرة بالانتباه فمع انها لا تملك الا التعليق على الجدل الديني حول الحجاب ومحطات النقاش حوله ورفضه او قبوله في مجتمعات متعددة ثقافيا ومفتوحة لكنها تقرأ لغة الحجاب عبر النظر اليه من ناحية فنية، جمالية، واشكال خياطته وتصميمه، وقراءة افعال اللابسة والمتلقي. والكتاب هو جهد خمس سنوات من المقابلة والملاحظة لنشاطات الجالية المسلمة البريطانية، معارض، وصور، ونقاشات، ومظاهرات، وصور نمطية في الصحافة، ومقابلات مع فنانات، رسامات يبحثن في فضاء الالوان والنسيج، ناشطات اجتماعيات وسياسيات وجدن في الحجاب طريقة للتميز وتأكيد الهوية، وكوميديات تعاملن مع الحجاب كوسيلة لمواجهة النمطية وتحدي الرؤية السلبية للاخر من خلال السخرية من النفس وانتقاد ما لا ينتقد، ومنشدات رافضات يبحثن عن التحرر فوجدنه في الحجاب، وطالبات من عائلات تقليدية رفضن شكل الزي الاثني لانه لا يتناسب مع هويتهن كبنات مدينة يردن ان يكن ‘ شيك’ ( أنيقات) وملتزمات في الوقت نفسه، وبنات اسلمن جئن من ارضيات اجتماعية مختلفة، اتصلن بعالم الاسلام وقررن ارتداء الحجاب والاستراتيجيات التي استخدمنها للتعمية على وضعهن، فطريقة لبس الحجاب غير التقليدية اعطتهن حرية للتحرك والتواصل مع عائلاتهن التي لم توافق على فكرة التحول الديني لكنها لم تتخل عنهن. في الكتاب مادة غنية عن ماهية التحول وكيفيته لدى الفتاة التي تقرر في لحظة من حياتها ‘ ربيع حياتها’ الالتزام بالحجاب واتخاذه علامة على هويتها ( على خلاف المعروف سابقا ان المرأة العجوز كانت تلتزم بالحجاب بعد الحج)، واثر التحول، والتشوش، وزيغان البصر ثم العثور على الشمس والثقة بالنفس.
مادة غنية وجغرافيا متنوعة
وفي داخل قصص وجغرافيا الحجاب في لندن، قصة المسلمين ونشاطهم ومحاولتهم للدخول في المجال العام. كما وتشير الدراسة الى نشاط الاسلام السياسي وموقفه من الحجاب، ومواقف ‘ العلماء’ وجدل حجاب شابانا بيجوم، التي رفضت الدخول إلى المدرسة الا اذا سمح لها بارتداء الحجاب وتداعيات الحدث وطنيا ومحليا، ومواقف الجالية المسلمة المؤيدة والمعارضة لموقف بيجوم، ثم مقال جاك سترو- وزير العدل السابق ـ الذي اثار جدلا عاما حول مواقفه من المرأة المنقبة، وآراء حزب التحرير من الحجاب والنقاب وتكييفه سياسيا. ولعل اهم ما يقدمه هذا الكتاب هو انه مكتوب بلغة تجمع بين بساطة الشهادة وجمع المادة الغنية ممن عشن تجربة ‘ قرار التحجب’ وعين الكاتبة على النظرية ومفهوم الحجاب الانثروبولوجي، فهي تقدم معظم ملامح الحجاب و ‘ متعلقاته’ الاجتماعية، الاثنية، السياسية، الايديولوجية، التجارية والثقافية. كما انها ترسم صورة عن طرق المواجهة الشخصية مع الحجاب من خلال قصص من اكتشفوا دينهم بسبب ازمة صحية وحاولوا فرضه او اقناع زوجاتهم به وبين من اجبروا على التعامل مع فكرة الحجاب من غير المسلمين ممن اسلمت بناتهم، ومواجهة الشخص العام مع الحجاب كشكل ورمز يومي في الحياة العامة البريطانية. تضعنا الكاتبة تارلو امام عدد من القصص وتحلل رمزيات وشيفرات هذه القصص ومعها تجلب حكاية دوافع اعتناق الاسلام وكيفية اكتشافهن الاسلام، فهناك من اكتشفن الاسلام عبر الكتب، مالكوم اكس وسيرته، وكتابات فاطمة المرنيسي عن المرأة المسلمة وكفاحها اليومي. وقصصهن تكشف حالات من التمرد والثورة الدائمة والتحرر الذي قدمه لهن الاسلام ومعه الحجاب. في داخل قصص القادمات للاسلام نعثر احيانا على نوع من الخيبة من مواقف المسلمين او فهمهم الخاطئ والذي لم يكن عائقا لمواصلة الفتاة البحث عن الحقيقة التي تراها متجسدة في الاسلام.
حجاب على الانترنت
وتكشف الدراسة عن الصورة الثرية من النقاش الدائر حول الحجاب على مواقع الانترنت وعولمة الحجاب من خلال محلات الانترنت الافتراضية التي تبيع الحجاب. وبين القصة الشخصية التي تعبر عن نفسها باستعادة فكرة الحجاب فنيا، وتلك التي تتعامل مع الحجاب كمنتج استهلاكي، واخرى تراه هوية وسلاح رفض ضد التمييز والتهميش هناك رمزية تعبيرية يقدمها الحجاب وليست تقييدية – اضطهادية. ونعثر على خريطة كبيرة من الرمزيات التي تتقاطع بين فكرة رؤية الضعف من المتلقي ـ المشاهد للحجاب الى الثقة بالنفس او محاولة تجاوز ازمة الهوية. وداخل كل هذا يرينا الكتاب الكيفية التي تبحر فيها الفتاة المحجبة في مناطق معتمة ومضيئة وكلها تتعلق ـ بالمدينية والريفية، الحداثة والاصالة والانفتاح والاختلاف وتأكيد الهوية : بريطانية ـ عالمية اسلامية. وفي النهاية نرى ان الفتاة المحجبة تتآلف مع كل هذه الهويات التي تصعب ترجمتها بشكل منفصل وتنتج ‘ شكلها ـ زيها’ الخاص الجامع للهوية، في صورة للفنان بيتر ساندرز- وهو مصور مسلم متخصص بتصوير النجوم سابقا – وبعد اسلامه اتجه نحو توثيق صورة المسلم في بريطانيا وثقافة الاسلام تظهر فتاة مسلمة وقد لفت على رأسها العلم البريطاني ‘ يونيون فلاغ’ على رأسها، مما يقدم صورة عن اشكال التجريب التي وصلت اليها الفتاة المسلمة في تأكيد مظهرها الجمالي وهويتها، وايا كان الحجاب ومتعلقاته من الزي الاسلامي ‘ تهديدا’ وصورة عن ‘ غياب الاندماج’ و ‘ عقلية الغيتو’ كما يناقش اعداؤه فالفتاة المسلمة في اكتشافها لذاتها ودينها وهويتها، ورفضها للنمطية والتمييز والتحيز تقدم اشكالا جمالية متميزة. والملاحظ كما يقدم الكتاب هذا ان العديد من الفتيات المسلمات واجهن ذاتهن ووضعن الحجاب في مرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول ( سبتمبر) وجنون الاعلام وهوسه بكل ما هو نمطي عن الاسلام والمسلمين، ‘ الملتحي الغاضب’ و ‘ المحجبة بالزي الاسود’ و ‘ الطفل الانتحاري’ والمرأة المنقبة ‘ النينجا ـ الشبح’ وغير ذلك من الرموز التي ارتبطت بالقناع في الثقافة الغربية وتمت استعادتها في التعامل مع المسلمين. وفي النهاية، يقدم لنا كتاب تارلو، الكيفية التي تتعامل فيها المرأة المسلمة مع مظهرها ـ وما تعنيه في النهاية قطعة القماش لها من تحولات نفسيه وفكرية – فالالتزام يعني اولا التخلي عن مظاهر’ العالم الاخر’ بما فيه من ‘ جاهلية’ والدخول إلى عتبة الحجاب، وهذا لا يعني ان يكون الحجاب مملا بل جميلا. طبعا الزي الاسلامي يظل مكلفا ماليا ومن هنا تحاول الفتيات البحث عن بدائل ملتزمة في محلات الملابس ‘ المعقولة الاسعار’ والتي تتوفر فيها مطالبهن بدلا من الركض الى بيوت الازياء الجديدة المخصصة للمحجبات وذات الكلفة العالية الا اذا كانت الفتاة غنية ( وهذا امر آخر).
كتاب جميل وحميمي عن الحجاب كرمز وموضة!
‘ ناقد من اسرة ‘القدس العربي’

Visibly Muslim
Fashion, Politics, Faith
Emma Tarlo
Berg
Oxford, New York/ 2010
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى