صفحات أخرى

دراسة للمدوّنات السياسية المصرية على الإنترنت

null
السيد يسين
الذين يراهنون – من أنصار التفاعلات السياسية عبر الإنترنت – على الدور التغييري في المجال السياسي للمدونات التي يحررها المدونون يبدو أنهم يقفزون عن الوضع الراهن للممارسة السياسية في العالم العربي، وذلك لأن التدوين لا يزيد عن كونه نشاطاً تقوم به نخبة صغيرة من المثقفين والكتاب، يخاطبون به أقلية قليلة من الجماهير العربية. وذلك ما هو ثابت من قلة أعداد من يستخدمون شبكة الإنترنت، أو يمتلكون أجهزة كمبيوتر.
ومن ثم هناك إجماع لدى الباحثين الغربيين المهتمين بتتبع أحوال التدوين والمدونين في العالم العربي، على أن التدوين لن يؤدي إلى تغيير سياسي عميق.
ولا يعني ذلك على الإطلاق أن التدوين لن يكون له أي دور في السياسة العربية، وذلك أنه نتيجة الاتصال الذي حدث بين المدونين والصحافيين وخصوصاً في بلد مثل مصر، حيث تتعدد فيها المنابر الصحافية بين صحف قومية وحزبية ومستقلة، يمكن القول إن التدوين السياسي أصبح يلعب دوراً متزايداً في تشكيل الرأي العام. ويبدو صدق هذه المقولة إذا درسنا بعناية الدور الإيجابي الذي لعبه المدونون في كشف بعض حوادث التعذيب، أو نشر أخبار الاحتجاجات الجماهيرية المتنوعة.
وقد أدى هذا – في نظر بعض الباحثين- إلى نشر ثقافة الاحتجاج وزيادة معدلات الممارسة للناشطين سياسياً. غير أنه مع ذلك ما زال التدوين السياسي يثير عديداً من الأسئلة، لعل أهمها هل – كما يتساءل مارك لينش أحد أبرز الباحثين الغربيين المهتمين بالموضوع – يمثل أداة ثورية جديدة للتعبئة السياسية العربية؟
وهل يستطيع أن يتحدى الحدود التي وضعتها الدولة العربية المعاصرة على حرية التعبير من خلال أجهزة الميديا التي تسيطر الحكومات على معظمها؟ وهل يمكنها أن تكون فعلاً صوت من لا صوت لهم؟
وهل يمكن التدوين السياسي أن ينشئ مجالاً عاماً جديداً يضاف إلى المجال العام التقليدي، الذي تدور فيه المناقشات والحوارات حول الأداء الحكومي من قبل الأحزاب السياسية والمثقفين ومؤسسات المجتمع المدني؟
من الصعوبة بمكان الإجابة عن كل هذه الأسئلة نظراً الى اننا في بداية مرحلة تلعب فيها التفاعلات الاجتماعية والسياسية في الإنترنت دورها في تنشيط كل من الحياة الاجتماعية والسياسية.
ولكن يبدو أن قراءة الأرقام الخاصة بانتشار الإنترنت في العالم العربي يمكن أن تكون مؤشراً الى بطء عملية التأثير الفعلي على الممارسة السياسية العربية.
تقول البحوث المنشورة إن 4% فقط من سكان العالم العربي يستخدمون الإنترنت، وأغلب هؤلاء من سكان الحضر. ووفقاً لبعض التقديرات التي نشرت عام 2006 فإن عدد مستخدمي الإنترنت العرب لا يزيد عن 19 مليون شخص أي حوالى 10% فقط من مجمل السكان العرب، ومعظم مستخدمي الإنترنت العرب ينتمون إلى فئة الشباب من الناشطين سياسياً.
وحتى اللغة العربية ليست- وفقاً لمؤسسة Technocratic- من بين اللغات العشر السائدة في مجال المدونات العالمية، لأنها لا تشكل سوى 1% من الفضاء المعلوماتي Blog sphere.
وبغض النظر عن هذه الأرقام التي تكشف عن ضآلة عدد المدونين وضآلة عدد قرائهم، يمكن القول إن تأثيرهم قد يتعمق مع الزمن من خلال رسائلهم التي تنشرها الصحافة الحزبية والمستقلة كما أشرنا من قبل.
غير أنه بعيداً عن المؤشرات الكمية، لابد لنا أن نلقي نظرة نقدية الى مضمون المدونات السياسية المصرية باعتبارها – إلى حد ما- نموذجاً للمدونات السياسية العربية.
أول ملاحظة في هذا الصدد أن المدونات الشخصية لها المرتبة الأولى في سجل المدونات المصرية بشكل عام، وتليها المدونات السياسية.
وقد سبق لنا أن تعرضنا للمدونات الشخصية، وقد انطلقنا في تحليلها من فكرة محورية مفادها أنه لكي نفهم المدونات الشخصية لا بد من دراسة السياق الذي نشأت في ظله. وهذا السياق يتسم بأن المجتمع المصري يمر بمرحلة انتقال اقتصادية واجتماعية وسياسية بالغة العمق. ومؤشرات هذا الانتقال متعددة، أبرزها التحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية والهبوط من التوازن الطبقي إلى الانحدار الطبقي، حيث صعدت طبقة الأغنياء وشرائح الأثرياء الجدد على حساب تدهور أحوال الطبقة الوسطى وتدني أوضاع الطبقات الفقيرة واتساع دوائر الفقر، وأخيراً هناك الانتقال البالغ البطء من السلطوية إلى الديموقراطية وذلك في مسار متعثر. وقد أدت حالة الانتقال بسماتها هذه إلى شيوع ظاهرة اختلال القيم، أي غياب معايير أخلاقية معترف بها للحكم على ضروب السلوك المختلفة. وقد أدى ذلك إلى ظاهرة الاغتراب التي عمت المجتمع وأفقدت الشباب انتماءه.
غير أنه إذا كان عدد من المدونين في مدوناتهم الشخصية آثروا أن يضيعوا في كهوف الاغتراب، وما يحدثه من نقمة عامة على المجتمع بل على الحياة، فإن المدونين السياسيين آثروا المواجهة بدلاً من الهروب!
ونعني بذلك أنهم استطاعوا حقاً أن يتحرروا من مشاعر الاغتراب وأن يبادروا للعب أدوار سياسية فعالة في مجال النقد الاجتماعي العنيف لسلبيات الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع المصري.
ولكن علينا – قبل أن نسترسل في التحليل – أن نتذكر أن المدونين السياسيين المصريين ينتمون إلى تيارات إيديولوجية متعددة بل متناقضة في بعض الأحيان. فهناك مدونون ماركسيون، وهناك مدونون ليبراليون، وهناك مدونون إسلاميون ولا ننسى أيضاً أن هناك مدونين سياسيين “عدميين” nihilistics لا يؤمنون بنسق قيمي محدد!
ومن الطبيعي أن تختلف مضامين المدونات السياسية والرسائل التي تصدر عنها حسب إيديولوجية كل مدون. فما أبعد المدون الماركسي الذي يصدر في تحليله السياسي عن بعض مقولات المادية التاريخية، عن المدون الليبرالي الذي يركز على الديموقراطية وفق النموذج الغربي. وما أبعد هذين عن المدون السياسي الإسلامي الذي يرفع شعار أن الإسلام هو الحل!
ومع ذلك وقد اتيح لي أن أجري مسحاً لعينة لعدد من المدونات المصرية، وأن أصل إلى مجموعة من الملاحظات المهمة التي تتعلق باتجاهاتها العامة من ناحية، وبالأطر الإيديولوجية التي تصدر عنها من ناحية أخرى.
ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت إن المدونات السياسية المصرية تعكس فقراً واضحاً في الثقافة السياسية للمدونين. والدليل على ذلك أنهم يخلطون خلطاً واضحاً بين التظاهرات والاضرابات والعصيان المدني. ويتصور بعضهم – وهما – أن الإضراب هو عصيان مدني. بل إن بعض هؤلاء المدونين دعوا إلى “عصيان مدني” ضد النظام وهم لا يدركون أن العصيان المدني هو آخر وسيلة يمكن أن تلجأ إليها أي معارضة سياسية. وأنه يحتاج – أكثر ما يحتاج إذا ما استخدمنا اللغة الماركسية التقليدية – إلى موقف ثوري يتضح فيه بكل جلاء ووفق مؤشرات كمية وكيفية، أن نظاماً سياسياً ما قد وصل إلى منتهاه، وأنه ليس هناك سوى اللجوء إلى العصياي المدني لإسقاطه!
حدث ذلك في مصر قبيل ثورة يوليو 1952. ومن يتتبع بصورة دقيقة أحوال مصر منذ عام 1945 تاريخ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى تموز 1952، يدرك أن موقفاً ثورياً بدأ في التبلور منذ عام 1950 حيث احتدمت المشكلة الاجتماعية التي تمثلت في الفجوة الطبقية الهائلة بين من يملكون ومن لا يملكون، في الوقت الذي لم تحل فيه المشكلة الوطنية وأعني إجلاء المحتل الإنكليزي.
هذا الموقف الثوري أدى في النهاية إلى انقلاب يوليو 1952، الذي قام به الضباط الأحرار والذي تحول إلى ثورة بعد ذلك.
ومن هنا يمكن القول إن هؤلاء المدونين السياسيين المصريين يخلطون في الواقع بين ثلاثة مفاهيم متمايزة هي الانشقاق Dissent والمعارضة Opposition والمقاومة Resistance . الانشقاق يعني في المقام الأول أن فئة من المعارضين قررت الانفصال تماماً عن النظام السياسي الحاكم، وأنه ليس لديها أي استعداد للتفاوض معه أو التعامل مع آلياته.
وهؤلاء المعارضون الراديكاليون هم الذين كان يطلق عليهم في الاتحاد السوفياتي السابق اسم “المنشقين”، والذين كانوا يودعون آراءهم الثورية في منشورات سرية كان يطلق عليها بالروسية Zamisdat. وتحت يدنا توثيق كامل لعينة كاملة من هذه المنشورات التي تكشف اليأس الكامل من إصلاح النظام السوفياتي.
غير أنه لدينا مفهوم آخر هو “المعارضة” وهي تلك التي تمارسها أحزاب المعارضة المصرية في الوقت الراهن، ليس في صحافتها فقط، ولكن في مجلس الشعب ذاته، حيث تمارس نقدها الجذري للسياسات الحكومية، وتنجح أحياناً في تغيير مسار بعض التشريعات الحكومية المجحفة.
وتبقى أخيراً فئة “المقاومة” وهي تلك التي تقوم بها الجماعات الإسلامية المسلحة كـ”الجماعة الإسلامية” وجماعة “الجهاد”، بمعنى محاولة قلب النظام السياسي باستخدام القوة المسلحة. وإن كانت هذه الجماعات قد تابت وأنابت أخيراً!
المدونون السياسيون المصريون يخلطون بين المعارضة والانشقاق، بدون المعرفة الدقيقة بالفروق وهي جسيمة، وتترتب عليها عادة آثار سياسية عميقة.
ما سبق لم يكن سوى مقدمة عن المدونات السياسية تحتاج إلى متابعة لكي نتحدث عن اللغة المتردية لبعض المدونات وعن مضمونها السياسي الرجعي والذي يتبنى – للآسف الشديد – شعارات سطحية عن الوطنية تأخذ أشكالاً عنصرية معادية للعروبة!
– القاهرة
(باحث مصري)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى