صفحات أخرى

مديح البطالة

عباس بيضون
هناك مثل مصري يقول ما معناه إن اشتغلت كثيراً غلطت كثيراً وعزلت، إن اشتغلت قليلاً غلطت قليلاً وبقيت في عملك، إن لم تشتغل لا تغلط وتترقى. هذا المثل مصري وكثيراً ما تبدو الامثال المصرية نفاذة وخاصة بالنسبة إلى الواقع المصري نفسه. فهناك كما نعلم يعاقب صحافي، لأنه قال ان صحة الرئيس الثمانيني سيئة، فيما ينتهي جرم إغراق اكثر من ألف شخص من دون متهم، لكن مصر ليست وحدها في العالم العربي ففي كل مكان يشهد الواقع لمصلحة من لا يفعل شيئا سوى انتظار ان يخطئ الآخرون، الآن يقولون إننا اقوياء لان اسرائيل تهتز، وكلما قال مسؤول في اسرائيل ان المجتمع والدولة والجيش في خطر زدنا قوة بالطبع. وصية اولمرت كما قيل عنها في حديثه الى يديعوت احرونوت جعلتنا بالتأكيد نقفز درجات في القوة، بالتأكيد لن يتعظ احد من ان يتكلم رئيس وزراء ولو مغادر بهذه الصراحة، وبالطبع لن يفكر احد في ان يتكلم الى شعبه بصراحة مماثلة، سيغدو مسؤولونا نزهاء لمجرد ان اولمرت تصرف بـ٥٠ ألف دولار ولن يتساءل احد عما يصرفه ابناء المسؤولين وأقاربهم وحتى خدمهم من المال العام بما يتجاوز بكثير هذا المبلغ التافه. سنقول إن حكومة العدو فاسدة وهذا يكفي بالطبع لتكون حكوماتنا نظيفة ومسؤولونا في نقاوة الثلج، ما حاجتنا الى ان نعمل شيئا. لندع الواقع يعمل وحده. لنجعل الواقع يتردى وحده وسنجد في ذلك مثلاً على جدارتنا، اتركوا اميركا تخطئ في العراق، دعوا العراق ينقسم على طوائف وإتنيات، انه الدليل على صوابنا وعلى اننا موحدون. اما حين يخف العنف الى ٢٠٪ كما يقال، وحين يؤلف السنّة العراقيون جيشاً ضد التكفيريين المتسمين بـ»المقاومة«، وحين يعاند رئيس الوزراء العراقي اميركا التي لا تزال تحتل العراق، فإن هذا بالطبع لا يسعدنا انه يستفزنا الى عمل سيئ لسنا مستعدين له. لذا نغفل عنه وننساه ونستمر في حديث آخر عن العراق وعن أنفسنا، المهم ان تخطئ اميركا ويخطئ الآخرون وسنكون وحدنا على حق.
وأخيراً الازمة الاقتصادية العالمية. انهارت بورصات عربية حيث يوجد مال وحيث يوجد اقتصاد. اما الذين لا اقتصاد لديهم فلم ينهاروا. انهم الآن سعداء بالطبع، لانهم لم يُقبلوا في السوق العالمية، لان الاقتصاد العالمي لم يعطهم اعتباراً. لقد جنبهم هذا خسائر ليسوا قادرين عليها ولكانت لو حصلت سوّتهم بالأرض. عليهم الآن ان يحمدوا الله لأنهم أهملوا، لأنهم تركوا جانباً، وعليه في وسعهم الآن ان يغطوا ضد العولمة التي اقصتهم، في وسعهم الآن ان يتكلموا عن اللامسؤولية والفلتان والسياسات الضريبية وتسلط رأس المال المالي والاقتصاد الصوري و…و… في وسعهم الآن ان يتبرعوا حتى بدروس، لن يسألهم احد عن المسؤولية والرقابة والسياسات الضريبية، لن يسألهم احد عن المكلف هنا وهناك والضمانات ودور الدولة والعلاقات الطبقية، لن يسألهم احد عن اقتصادهم اذا كان لهم اقتصاد. لقد ربحوا مع ذلك. جوّزوا على صبرهم وعلى انتظارهم. سقط الآخرون، أخطأوا. اما نحن فمن يحسب حساباً للتردي وللتآكل والانحطاط. من يعرف ارقام البطالة ونسب الجائعين والمفتقرين الى الخدمات الصحية وغير الصحية. لا احد يحسب لما هو تحت القاع وتحت كل الارقام ومن لا رقم له أساساً. لكننا مع ذلك نربح، العالم يتدهور امام اعيننا الكل يخطئون، ونحن وحدنا… وحدنا ننتصر ونربح على الجميع.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى