صفحات أخرى

المدوّنون «الإخوان»: حركة احتجاجيّة أم تيّار للنقد الذاتي؟

حسام تمام *
مصريّة تضع الورود على قبر أقاربها بمناسبة عيد الفطر (رويترز)مصريّة تضع الورود على قبر أقاربها بمناسبة عيد الفطر (رويترز)كانت جماعة الإخوان تعاني خلال السنوات الأخيرة، من غياب مؤسسات إعلامية قوية يمكن أن تمثلها أو تعكس وزنها في الحياة العامة، باعتبارها القوة المعارضة الأولى، أو تتولى عبء التصدي للحرب الإعلامية التي يشنها النظام ضدها. وزاد من مأزق الإعلام الإخواني أن الدولة، التي تمنع الإخوان من أي حضور في إعلامها الرسمي أو شبه الرسمي، ضيّقت على المتاح من الإعلام الإخواني المحدود والهش وغير الاحترافي. وكان آخر إجراءاتها أن ألغت عام 2006 ترخيص صحيفة «آفاق عربية» الأسبوعية التي كانت تمثل لسان حال الجماعة في السنوات العشر الأخيرة.
لقد ولَّد هذا المأزق طلباً إخوانياً على الإعلام البديل الذي كان الإنترنت أداته المثلى. وزاد من هذا الطلب حالة الانفتاح السياسي التي شهدتها مصر مند بداية عام 2005، الذي نزلت فيه الجماعة إلى الشارع، وكانت آمال التغيير تمسك بخيالها كما بخيال كل القوى السياسية.
في هذه الأجواء ولدت ظاهرة التدوين، لا كحركة احتجاجية ضد الجماعة أو كتمرد عليها، بل كجزء من دينامية التمدد الإخوانية في أي فضاء متاح بأمل تغيير يضمن للجماعة موقعاً متقدماً في مصر القادمة. إذاً لم يكن التدوين ـــ على الأقل في بدايته ـــ سباحة ضد التيار الإخواني العام. وسنلحظ أن الفترة التي ولد فيها المدوّنون الإخوان هي نفسها التي شهدت أكبر حركة تأسيس للمواقع الإخوانية على الإنترنت، والتي أخذت دفعتها الأولى مع دخول الإخوان في الانتخابات البرلمانية لعام 2005، وبدأ تقليد نشر رسالة المرشد الأسبوعية وتعميمها على الشبكة، والبث المباشر لوقائع حفل الإفطار السنوي للجماعة، بل حفلات الإفطار التي يقيمها الإخوان في المحافظات.
كانت المدوّنات الإخوانية تضج بالشكوى من النظام وظلمه للإخوان وما يقوم به من اعتقالات ومحاكمات عسكرية وتغييب لهم في السجون، أو دفاعاً عن الإخوان ضد سوء الفهم الذي يقابل به خطابهم، أو شرح لما غمض من هذا الخطاب.
وشباب المدوّنات كانوا أقرب إلى طلائع اختراق أو فك الحصار الإعلامي على الجماعة التي تعاني ماكينتها الإعلامية من عطب غياب المهنية حد الانعدام، وسيطرة اللغة الخشبية. سنلاحظ ذلك في خطاب مجمل المدوّنات الإخوانية، بل إن أكثرها شهرة وجرأة، وربما استقلالية (مدوّنة «أنا إخوان») كانت في بدايتها عام 2006 أقرب إلى نشرة أكثر ثورية وكفاءة من نشرات الإعلام الإخواني العتيقة، ولم تكن تمرداً عليها.
لقد جاء التمرد لاحقاً، ليس على الخطاب الإخواني بل على ضعف الإعلام المعبر رسمياً عن خطاب الجماعة وافتقاد بعض مؤسسات الإعلام الإخواني للمهنية وخروجها على قواعدها. وهو ما يظهر في ما فعله بعض شباب الإخوان المدوّنين الذين أسسوا موقع «إخوان أوف لاين» ضداً من «إخوان أون لاين» الموقع الرسمي للجماعة، محتجين على ما اعتبروه تعدياً على أصول المهنة وأخلاقها، سواء من حيث ضعف الأداء أو من سرقة جهود المدونين الإخوان ونسبتها للموقع!
وعلى عكس المدونات الشخصية أو حتى التي ينتمي أصحابها إلى اتجاهات سياسية وفكرية أخرى كاليسار، كانت المدوّنات الإخوانية ـــ في بدايتها على الأقل ـــ جماعية نضالية تفتقد للبوح والفردانية، وكانت لغتها إعلامية صحافية غير فردية. ففي التدوين الإخواني لم يكن هناك تمييز بين المدوّنة كتعبير عن الذاتية والخصوصية، والتدوين كفعل سياسي احتجاجي. فكانت المدوّنة في كثير من الأحيان أقرب إلى موقع إخواني فردي أو يقوم عليه فرد، أو كانت أقرب إلى منبر إعلامي للفرد الإخواني باعتباره جزءاً من الجماعة الأكبر لا مكاناً للفردانية حيث البوح وحديث الذات.
حتى التسميات التي حملتها المدوّنات كانت (في الأغلب) جزءاً من الجماعية النضالية الإسلامية منها إلى الفردانية، مثلما سنجد في «أنا إخوان» و«أنا معاهم» و«ابن أخ» و«واحد من الإخوان» و«دينامو الإخوان» و«شباب الإخوان»…
غير أن الذي حدث أن الوسيلة تفرض منطقها، وأن هذه المدوّنات كانت لا بدّ من أن تمضي ولو جزئياً في ما يفرضه منطق الإنترنت الفرداني. فكان أن ظهرت مدوّنات أكثر فردية وذاتية. تطور التدوين الإخواني باتجاه يجعله أقرب إلى حالة من النقد الذاتي، تحوّل معها المدوّنون من لسان الجماعة الفصيح إلى ضميرها الذي لا يتورّع عن نقدها لو لزم الأمر! وكانت ثمة عوامل ساهمت في هذا التطوّر، أهمها انكسار حركة الإصلاح التي كانت واعدة، وما صاحبها من انحسار موجة التفاؤل التي كان يتغذى منها التيار الفاعل في الجماعة الذي ينتمي إليه المدوّنون.
وزاد من خيبة الأمل ما بدا لبعضهم من فشل أظهرته قيادة الإخوان في إدارة ملف الإصلاح، وما وقعت فيه من أخطاء متكررة في التعامل مع بقية فصائل المعارضة، وخاصة حركة «كفاية» والقوى الاحتجاجية الجديدة التي بدا أنها أحرجت الجماعة بجرأة خطابها وحركتها.
ثم كان ـــ وهذا من أهم الأسباب ـــ لما جرى من تغيير للوزن النسبي لهؤلاء المدوّنين داخل الجماعة دور مهم في تحولهم إلى النقد الذاتي. إذ يمكن النظر إلى المدوّنين الإخوان باعتبارهم أفراداً عاديّين داخل الصف الإخواني لا يُعرف تبوّؤهم لمواقع تنظيمية متقدمة، أفضل ما يمكن أن يميز بعضهم انتماؤه لأسر إخوانية معروفة (مثل إبراهيم الهضيبي أو أسماء عصام العريان وخديجة حسن مالك). وقد نجح هؤلاء الإخوان في التدوين كأفراد وكانت لهم مساهمتهم في تبييض وجه الإخوان إعلامياً، وخاصة في الإعلام الغربي الذي احتفى كثيراً بهم.
ومثلت تلك الشهرة ضغطاً لتعديل وضعيتهم داخل الجماعة وفق معطيات جديدة قد لا تكون ذات أهمية في التراتبية الداخلية ومعايير التصعيد في الصف الإخواني، وهو ما لم تقابله قيادة التنظيم التقليدية، أحياناً، بتفهم.
تعامل الإعلام العربي والغربي مع المدوّنين كرموز للإخوان وممثلين عن الجماعة في كثير من القضايا والأحداث. ولأن المدونين صاروا رقماً حتى داخل الجماعة، فقد ولد هذا توتراً في علاقة التنظيم بالمدوّنين: لقد تعدّل وضعهم في المجال العام دون أن يترتب عليه تعديل في وضعهم التنظيمي. وكان التوتر سبباً في انفجارات تنظيمية. كان قسم التربية هو الأكثر إحساساً بالقلق، ومن ثم الأسرع بالتحرك للتعامل مع هذه الظاهرة والسيطرة عليها. فكان محمود عزت، الأمين العام للجماعة والأب الروحي لقسم التربية، ممثل تيار التنظيم أو الضبط والربط، هو أول من بادر بالاجتماع معهم والاستماع إليهم والسعي لربطهم بعمل الجماعة.
أتصور أنّ العلاقة بين المدوّنين الإخوان والإخوان هي علاقة تمرّد داخل الإطار أو المنظومة نفسها، للتعديل فيها أو تحسين شكلها، أكثر منه تمرداً للخروج عليها. فـ«أمواج التغيير» وهي صاحبة السقف الأعلى في النقاش الفكري والحركي، تبقى مدوّنة إخوانية لا ترقى إلى اعتبارها حركة احتجاجية. وكذلك بقية المدوّنات الإخوانية. ومن ثم أمكن ترويض أكثر أصحابها تشدداً وإعادة تأهيلهم إخوانياً وضبط علاقتهم من جديد مع الجماعة بصورة تناسب وضعهم الجديد، وتناسب فكرة التدوين ذاتها وما تفرضه من علاقة مميزة لأصحابها داخل التنظيم.
لقد سعت الجماعة إلى دمج أو إعادة إدماج بعض هؤلاء المدوّنين ضمن منظومتها الإعلامية، مثلما فعلت من قبل مع محمد السيد صاحب موقع «حماسنا» الذي كانت بدايته ثورية. كما استوعبت بعض المدوّنين في ماكينتها الإعلامية والسياسية بما يتناسب مع مواهبهم، فعهدت إليهم ببعض الملفات والأعمال السياسية والإعلامية كما جرى مع إبراهيم الهضيبي حفيد المرشد السابق، أو اضطرت لسياسة البتر والمفاصلة التنظيمية مع المدوّنين الذين تجاوزوا الخطوط الحمر، ولم تفلح معهم محاولات الاستيعاب أو الدمج، أو الذين لم يعد فضاء الجماعة قادراً على تلبية طموحاتهم أو حركتهم.
التدوين هو ضدّ المنظومة الإخوانية، وضد طريق التثقيف الجماعي النازل من أعلى لأسفل، وليس التثقيف المتبادل. نظام الإخوان لا ينتج تدويناً ولا مدوّنين. فالتدوين بوح وفضفضة وصراخ أحياناً، وفردانية في كل الأحوال. وهو غير محدد بموقف نهائي. المدوّنون الحقيقيون كان طريقهم خارج الجماعة، كما في مدوّنة «منحدرات» لصاحبتها التي تنتمي لأسرة إخوانية ولكنها فقدت قناعتها، وفيها تحكي معاناتها مع الإخوانية مجتمعاً وثقافة وطريقة تربية وسلوكاً!
تثبت تجربة التدوين الإخوانية أن لدى الجماعة قدرة على إدارة هذه الظواهر، بحيث تظل متعايشة بالقدر المطلوب مع مشروعها، على الأقل في ظل انسداد المشهد العام في البلاد. ولكن رغم ذلك، فإن قبضة التنظيم تضعف تدريجياً، بحيث لا تعود علاقته بالأفراد علاقة أمر ونهي بل تحل بدلاً منها علاقة تفاوضية يستطيع الأفراد فيها تحسين شروط انتظامهم في الجماعة وتعديل وضعيتهم فيها بإمكانات وميزات لم تكن معتبرة تقليدياً. وفي كل الأحوال تبقى مدوّنات شباب الإخوان إخوانية!
* باحث مصري في الحركات الإسلامية
الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى