الأزمة المالية العالمية

الآسيويون والخطوات التلفيقية في معالجة الأزمة المالية

مسعود ضاهر
بعد انفجار الأزمة المالية العالمية، لن يعود عالم القطب الواحد ممكناً بعد الكساد الكبير الذي يعانيه الاقتصاد الأميركي. ورغم الضجيج الإعلامي الذي صدّره بعض القيادات التي تواجه بلادها ركوداً ونسبة نمو منخفض أو سلبي لهذا العام، فإن الحلول التلفيقية لم تعد تجدي نفعاً.
لذا لم يلق شعار رئيس المفوضية الأوروبية، خوسيه مانويل باروزو: »إما أن نغرق معا، أو ننجو معا« آذاناً صاغية. وقد أطلقه تحديداً في مؤتمر صحافي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ،٢٠٠٨ أي عشية المؤتمر المشترك لقادة الدول الآسيوية والأوروبية الذي عقد في بكين يومي ٢٤ و٢٥ من الشهر الجاري.
جاء التصريح بعد سلسلة من التدابير التي اتخذتها الدول الأوروبية والأميركية، ورُوّج لها في وسائل الإعلام بصورة مكثفة عن عودة البورصات الغربية إلى تحقيق مكاسب ملحوظة. لكن تلك التدابير كانت مجرد دعاية إعلامية لم توفر الحلول اللازمة للأزمة بل زادتها سوءاً. فالخطب المطمئنة عن صحة تلك التدابير وقرب انتهاء الأزمة لم تنقذ العملات الأوروبية، إذ انحدر اليورو ومعه الجنيه الاسترليني وباقي العملات الأوروبية إلى أدنى مستوى لها منذ أشهر طويلة. بالمقابل، ارتفعت العملة اليابانية على الأميركية بشكل كبير وانخفض سعر الدولار إلى أدنى مستوى له وهو ٩٠ ينا يابانيا للدولار الواحد، بعدما كان ١٠٦ قبل أسبوع.
على جانب آخر، هناك مؤشرات سوداوية في مجال صناعة السيارات الأميركية.
فقد ألغيت وظائف كثيرة في شركات أميركية كبيرة، وسط مخاوف من ركود اقتصادي طويل الأمد تحت التأثير السلبي والنفسي للأزمة المالية وتقلبات أسواق المال العالمية. ويتوقع المتعاملون في البورصات وفي المصارف الاستثمارية الكبرى أرباحاً ضئيلة هذه السنة، أو سلبية، وقد تفضي إلى الطرد الجماعي الذي سجل أرقاماً قياسية. فقد خسر نحو ١١٠ آلاف شخص وظائفهم خلال الشهر المنصرم على بداية هذه الأزمة، ويتوقع بعض خبراء القطاع المالي أن يطرد قرابة مئتي ألف موظف قبل نهاية .٢٠٠٨
مع ذلك، شكل انعقاد قمة بكين الأورو ـ آسيوية فرصة مناسبة لزعماء القارتين من أجل مواجهة الأزمة والتوافق على حلول عقلانية لها. علما بأن الولايات المتحدة والدول الأوروبية كانت وراء الأزمة المالية التي عصفت بالدول الآسيوية عام ١٩٩٧ وجنت أرباحا طائلة منها. فقد دفعت الدول الآسيوية ما بين ٣٠ـ٤٠ بالمئة من مدخراتها المالية التي ذهبت غالبيتها غرباً. واشترت الشركات الأوروبية والأميركية عددا كبيرا من شركات الدول الآسيوية المنكوبة بأسعار بخسة.
لكن الظروف تبدلت الآن رأسا على عقب. فالدول المشاركة في قمة بكين تمثل ٦٠٪ من سكان العالم، ولديها نسبة مماثلة من التجارة العالمية. وتعمل الشركات والمؤسسات المالية الآسيوية على تعزيز مواقعها في الاقتصاد العالمي، مستفيدة إلى الحد الأقصى من الأزمة الأميركية. لذا تمخض موقف كل من الأوروبيين والآسيويين عن مواقف متباينة لدرجة التناقض.
ففيما يشدد الأوروبيون على شعار »نغرق معا أو ننجو معا«، وذلك بالإشارة إلى تضامنهم الكامل مع الأميركيين، فإن الآسيويين يرفضون هذا الموقف كما يرفضون تحمل تبعاته المالية، فيما تعاني شعوبهم من أزمات اقتصادية واجتماعية لا حصر لها.
لذلك تمحور النقاش في قمة بكين على قضايا عامة دون الوصول إلى تدابير ملموسة يلتزم بها الآسيويون لإنقاذ الأميركيين من أزمتهم. وأبرز نقاط التوافق:
العمل المشترك على إصلاح النظام المالي العالمي بصورة جذرية، ومعالجة هذه الأزمة المالية غير المسبوقة التي تحتاج إلى مستوى عال من التنسيق العالمي. وقد طالب الجميع بدور أكبر لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول المتضررة من الأزمة، واتخاذ تدابير عملية لمراقبة الأسواق المالية وسط مخاوف جدية من تراجع كبير في أسعار العملات، والتنبه إلى مخاطر حصول ركود اقتصادي طويل الأمد، ودعوة دول الأوبك إلى المشاركة في إيجاد حلول للأزمة.
لكن التدابير المعلنة بقيت مجرد خطب رسمية غير قابلة للتنفيذ العملي. وقد بدأت النتائج السلبية بالظهور الفوري حين قررت منظمة البلدان المصدرة للنفط »أوبك«، تقليص إنتاجها النفطي بنسبة مليون ونصف مليون برميل يوميا، في محاولة لوقف تدهور أسعار النفط والضرر المزدوج الذي يلحق بالدول النفطية من خلال تراجع النفط من جهة، والمشاركة المالية بمئات مليارات الدولارات تحت ستار مساندة الأميركيين في »محنتهم«. وقد أثار قرار الأوبك ردود فعل أميركية وبريطانية نقدية، واعتبرته غير ودي.
لكن الدول الآسيوية لم تقتنع حتى الآن بأن الأميركيين عاجزون عن حل مشكلتهم، بل يحاولون ابتزاز أصدقائهم الأقربين، خاصة العرب منهم. وقد بادر قادتها إلى عقد لقاءات جانبية تمخضت عن خمس خطوات متكاملة:
١ـ أصرت الصين على استكمال برامجها التنموية والحفاظ على نسبة نمو مرتفعة تتراوح ما بين ٧ ـ ٩ ٪. ولمّا تبادر إلى اتخاذ تدابير عملية غير عادية، أو تتأثر بحجم الدعاية الأميركية والأوروبية حول الغرق الجماعي بسبب الأزمة المالية العالمية. وحين سئل أحد كبار المسؤولين الصينيين عن مخاطر هذه التدابير وإمكانية حصول تأثيرات سلبية على الاقتصاد الصيني أجاب: »لن تخسر الصين أكثر من ١ ٪ إذا استمرت الأزمة مقابل خسارة فادحة للأميركيين والأوروبيين معا«.
٢ـ بادرت القيادتان الصينية واليابانية إلى تجاوز حساسياتهما التاريخية والعمل على تعزيز الثقة المتبادلة بين الدولتين. وقد أصدرتا بيانا مشتركا يشدد بإلحاح على دفع العلاقات بينهما خطوات إلى الأمام، لأن الظروف الدولية ملائمة لتحقيق المنفعة المتبادلة والتخطيط لاستراتيجية صينية ـ يابانية طويلة الأمد. ومن المقرر أن يحضر رئيسا الدولتين قريبا مراسم الاحتفال بالذكرى الثلاثين لتوقيع معاهدة العلاقات الودية بين الصين واليابان.
٣ـ نشرت دراسات كثيرة في الصحف الصينية واليابانية تؤكد رغبة دول جنوب وشرق آسيا في التوصل إلى عملة موحدة على غرار دول الاتحاد الأوروبي. وبذلك تزداد الأزمة المالية تعقيداً بعد أن يتعرض الدولار الأميركي الضعيف إلى منافسة قوية من اليورو والعملية الآسيوية الجديدة.
٤ـ لم تعد استجابة دول العالم للمطالب الأميركية قابلة للتحقيق، لأن السياسة الأميركية كانت وراء الكثير من الإفلاس الذي استفاد منه الأميركيون بالدرجة الأولى. وقد بنوا مخططاً طويل الأمد للهيمنة على الاقتصاد العالمي، بدءا من مصادره الطبيعية وصولا إلى التحكم بحركة الرساميل عبر بورصة نيويورك التي كانت شديدة الفاعلية على المستوى الكوني. وما زال الكلام على إصلاح النظام المالي العالمي مجرد أحلام طوباوبة، لأن المنافسة على أشدها الآن بين حيتان المال التي يأكل الكبير منها الصغير والمتوسط، ولن يتورع عن تدمير القوى الكبيرة إذا ضمن الوسائل الضرورية لذلك.
ختاما، يستعيد الآسيويون دوماً المفاهيم القيمية ذات الأبعاد الحضارية التي يجب أن تسود العالم من خلال احترام القيم الإنسانية لدى جميع الشعوب والثقافات والحضارات. فمن حق الشعوب أن تعيش بأمان وأن تحافظ على ثقافاتها ومعتقداتها الدينية. وذلك يتطلب إجراء حوار جدي، ومن موقع الحرص على مستقبل البشرية بأسرها. فالعولمة الهمجية باتت مكشوفة وعاجزة عن الاستمرارية. كما أن حركة الرأسمال غير الخاضع لأية ضوابط خلقية أو قانونية لم يعد ممكناً. وما لم يعلن القادة الأميركيون والأوروبيون صراحة تخليهم عن النهج السائد حتى الآن الذي أدى إلى إفقار أكثر من ملياري إنسان، معظمهم في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فإن قادة الشعوب الآسيوية غير متحمسين للتورط في الأزمة الحالية. فمساندة الأميركيين ستكون سياسة بلهاء لن يقدم عليها قادة الشعوب الآسيوية، لأنها تعني عمليا تشجيع الأميركيين على الاستمرار في سياسة إفقار الدول الآسيوية وباقي الدول النامية.
([) مؤرخ وأستاذ جامعي
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى