صفحات ثقافية

اكتشاف الفنّ في الدخان صورة شيطان برج التجارة العالمي

null
نيك ماماتاس
ترجمة تمام تلاوي
عندما قام مارسيل دوتشامب بتقديم المبولة الحديثة التي أطلق عليها اسم “النافورة” في العام 1917م كقطعة فنية موقّعة، كان فعله هذا بمثابة ردة فعل على رعب الحرب العالمية الأولى، وعلى الإنهيار الكلي للأمم المترقية، وعلى انهيار القيم الجمالية التي ترافقت مع إبادة جيله آنذاك.
لكن السمعة السيئة ما لبثت أن لحقت بنافورته، ذلك أن عالم الفن وقتها كان في أبهت حالاته، فبدأت التأويلات الساخرة تتدفق، كماء المرحاض الفائض، على عمل دوتشامب وعلى المبدأ الفني لابتكاره بالكامل: “ثم متى لم تكن المبولة مبولة؟ وإذا لم تكن مبولة فماذا ستكون بحق الجحيم؟!”.. لقد مثلت النافورة رمزا للالتباس في أوقات شديدة الالتباس، أو على الأقل هكذا جعل منها الناس بردود أفعالهم.
بعد أربع وثمانين سنة، هاجم الإرهابيون مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون ليقذفوا بالعالم مجددا إلى أتون الفوضى، فذبحوا إلى الأبد مصدر التباهي الحضاري الأميركي، وأصبحت إمكانية حرب جديدة دموية وباعثة على الفوضى قائمة تماما كالحرب العالمية الأولى.. ودقت طبول الحرب.
في خضم هذا الشواش والفوضى، قطعة فنية جديدة من الفن أطلت علينا. ففيما كان توأما البرجين يحترقان، التقط مارك د. فيليبس المصور الصحافي في بروكلين صورا للحدث بكاميرا رقمية من نوع اولمبس (إي 10) من سطح مبنى قريب. وكما حصل مع دوتشامب قبل حوالى قرن تقريبا، برزت صورة فيليبس كقطعة فنية مكتشفة، وسرعان ما جاءت التأويلات الغاضبة والساخرة منها في الوقت الذي تحاول فيه أميركا إيجاد مخرج لكارثة مركز التجارة العالمي بأبعادها الثقافية والحضارية والمعنوية.
فيليبس نفسه لم ير وجه الشيطان في الدخان، كما قال في حوار صحفي الكتروني معه: “لكن العميل الخاص بصوري كان أول من نبهني إلى هذه النقطة، فأصابتني الدهشة”. لم تكن استجابة فيليبس لأحداث الحادي عشر من سبتمبر أقل عمقا من بقية الناس في أنحاء العالم: “خلال أحداث كهذه تتصعد الأحاسيس الفطرية، لقد كنت أبكي أثناء التقاط الصور”. وبمجرد انتصاف الظهيرة كانت الصورة منتشرة في كل مكان على الانترنت وفي العالم الذي يحدق في الظلمة وفي ألسنة اللهب، ويحاول أن يدرك معنى لكل هذا.
موظفو تقصّي الحقائق والشائعات في التايم ونيويورك تايمز صنفوا صورة فيليبس ضمن قائمة الخدع والخرافات المدنية التي انتشرت في البريد الالكتروني وعلى أفواه الناس عقب الهجمات. لكن صورة فيليبس لم تكن زائفة ووثائق التسجيل لم تتناقض مع اختبار الأدلة: فملفات الصورة الرقمية لكاميرا أولمبس تمتلك ترويسات مخفية تسجل عليها أي مناورة أو عبث يجرى على الصور عن طريق برامج الكمبيوتر. وقد بينت هذه الترويسات أن صورة الشيطان صحيحة مئة بالمائة وخالية من العبث. لكن العقلانيين المتمرسين في أخبار وسائل الإعلام لا يستطيعون الاعتقاد بالالتباس الفني، وبما إن الشيطان لا وجود له في عقولهم فقد قاموا ببساطة بالتصريح إن الصورة هي خدعة، ولتذهب الأدلة العلمية إلى الجحيم. لكن الصورة موجودة فعلا وحقيقة، تماما كما نرى الخيول في السحب التي تتشكل بأشكال مختلفة، ورأس الحية فاغرة الفم حين نطيل التحديق في بقعة الحبر.
لحسن حظ مارسيل دوتشامب، لم يكن لدى الناس بريد الكتروني عندما ابتكر عمله الفني “النافورة” ولذا فقد كان بمنجى من آراء الجماهير، إلى حد كبير. لكن فيليبس لم يتوفر لديه مثل هذا الحظ، فانهالت عليه الرسائل من كل حدب وصوب بآلاف التأويلات لصورة الشيطان. أحد المراسلين كتب له متحمسا: “إنني مبتهج لكون الرب استخدمك لالتقاط هذه الصورة التي تظهر العدو، هكذا سيرى العالم بأسره حقيقة وجود الشيطان، وكيف أنه يعمل يوميا على تدمير حياة أبناء الله”. شخص آخر من (أبناء الله) كان صوته أكثر رنينا وهو يدلي باقتراحه: “هل خطر لأحد أن هذا قد يكون أيضا صورة للرب المحب الذي أوذي بشدة من العمل الذي اختاره الشيطان وقام الإرهابيون بتنفيذه”. على الضفة المقابلة للعقلانيين فإن هذه الشعوب أظهرت البرهان على نظرتهم “ما قبل التنويرية” للعالم من خلال صورة رقمية لطائرة متطورة تقوم بتدمير صرح هندسي حداثوي. لقد تم وبشكل متقن بتر الأسئلة الفلسفية المدوخة حول وجود الله، في عالم تعيش فيه الآلاف من الكائنات التي يمكنها أن تموت بشكل اعتباطي، واستبدلت كل الأسئلة برواية ما قبل وجودية حول المواجهة بين الله والشيطان.
لم يكن للجميع ردة فعل جيدة أو لطيفة حيال الصورة. إذ أن عددا من الناس قاموا بتأنيب فيليبس على ما اعتبروه رسالة كراهية: “كيف يجرؤ على تشويه سمعة مليار عربي بمقاربة ردة فعل قام بها عدة إرهابيين مع الشيطان؟”. وبالطبع فإن هذا التأويل الحرفي للصورة لا يوجد إلا في الأذهان المحمومة لأولئك الناس الذين تمتلك أدمغتهم روابط اتصال بين العالم العربي والشيطان. إن فيليبس، ببساطة، كشف عن لوحة فنية في الدخان، لكنه لم يقتنع بما فيها.
لقد هوجم فيليبس شخصيا لأنه باع نسخا من الصورة سيئة السمعة. مع أنه فعل هذا بثمن عادي وتبرع به لجهود الإغاثة ما بعد النكبة، لكنه هوجم لكونه قد قام بالاستفادة على حساب مآسي الآخرين. أحد المتشدقين في النقد الجمالي المجتمعي اختصر كل محاولة لتحليل الصورة أو الفن، وكتب معلقا بكلمتين: “إنه الشيطان.. إنه الشر”.
أبناء وبنات دادا أدلوا بأصواتهم حول الصورة كذلك. كما حصل عندما تجلت قريبا نهاية العصر الحديدي، كان ثمة دعابات متواكبة مع المشانق التي حصلت، في الشعر ما بعد أوشفيتز. والآن جاءت دعابات ما بعد انهيار مركز التجارة العالمي: “إنها نهاية التاريخ”.. وأرسل أحدهم بالإيميل: “انظر إلى الأنف.. إنه إما بوب هوب أو ريتشارد نكسون”. لوري ريسر معلم اللغة الانجليزية من تشارلوتيستفيل من فرجينيا، نظر إلى الصورة وقرر بسرعة: “إنه هارفي كيتيل”.
إن واحدة من أقوى الدفاعات التقليدية عن الابداعات الفنية تقول: إن الفنان يقوم ببساطة باكتشافه ثم يبرزه كما هو. وبالتالي فإن هذا سيكون كافيا ليجعل من المبولة مثلا أثرا فنياً، ففي النهاية استطاع دوتشامب أن ينحت وأن يطلي منحوتته. كذلك هو الأمر بالنسبة لمارك د. فيليبس فهو شخص باستطاعته أن يلتقط صورا رائعة، وقد فعل. وكان الانترنت هو الدليل الأقوى على أن صورة شيطان مركز التجارة العالمي هي عمل فني. لقد مكّن الانترنت كل واحد منا أن يصبح فنانا ومصمما وكاتبا وناقدا، فلأول مرة بالتاريخ تكون كل من أدوات الفنان وجماهير الاعلام متوفرة للجميع بشكل كامن. الكل فنان والكل ناقد. إن صورة الشيطان هي عمل فني لأن الناس تفاعلت معها كفنّ، فهي قد أوِّلتْ وبُحثت ونوقشت وشُجبت واشتهرت واعترفنا بها جميعا. تمثل ضحكة الشيطان أثناء انهيار برجي التجارة رمزاً للالتباس في زمن ملتبس، مهما تنوعت ردود فعل الناس تجاهها. وتلك هي طبيعة العمل الفني المبتكر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى